ويسمى كذلك بالمُعَجّل، وهو ما قصد به وقوع الطلاق وترتيب آثاره في الحال متى كان الزوج أهلًا لإيقاع الطلاق والزوجة محلًّا له. فهذا هو الطلاق المُنَجّز.
وهو ما أضيف حصوله إلى وقت في المستقبل، مثل قول الزوج لزوجته: "أنت طالق غدًا" أو "أنت طالق أول الشهر القادم" وحكمه وقوع الطلاق عند مجيء أول جزء من أجزاء الزمن الذي أضيفت إليه.
وإنما يقع الطلاق بالصيغة المُعَلّقة على الزمن المضاف إليه الطلاق؛ لأن الطلاق إسقاط وليس بتمليك، والإسقاطات كلها تقع بالصيغة المعلقة.
وهو ما رُتِّبَ وقوعه على حصول أمر في المستقبل بأداة من أدوات الشرط، مثل "إن دخلتِ الدار فأنت طالق" أو "متى كلمتِ فلانة فأنت طالق" ويسمى الطلاق المعلق "يمينًا" مجازًا؛ لأن التعليق في الحقيقة إنما هو شرط وجزاء، فإطلاق اليمين عليه مجازًا لما فيه من معنى السببية؛ ولمشاركته الحلف في المعنى المشروط، وهو الحث على فعل شيء، أو المنع من فعل شيء، أو تأكيد الخبر.
ولكي يتحقق معنى التحقيق يجب أن يكون الأمر المعلق عليه من الأمور التي ستوجد في المستقبل، وليس مستحيل الوجود، فإن كان موجودًا في الحال كانت الصيغة في حكم المُنَجّزة، وهو ما يسمى بالتعليق الصوري، ومثال ذلك إذا قال الزوج: "إن كانت امرأتي ولدت بنتًا فهي طالق" وكانت قد ولدت بالفعل بنتًا، وإن كان المعلق عليه مستحيل الوجود كقوله: "إن صعدت إلى السماء السابعة فأنت طالق" فإنه يكون نفيًا مؤكِّدًا للطلاق وليس تعليقًا، وكذلك لا يقع الطلاق إن كان التعليق على مشيئة الله تعالى.
١.١٢ أنواع الطلاق من جهة التنجيز والتعليق واليمين بالطلاق
تعليق على فعل من الأفعال غير الزواج,و يشترط فيه شروط ثلاثة:
الشرط الأول :أن يكون الزوج أهلًا لوقوع الطلاق وقت إنشاء الصيغة ويملكه، ولا يشترط أن يكون أهلًا له وقت وقوع الفعل، فإن علّق الطلاق وهو عاقل ثم جُنّ ثم وقع الشيء المعلق عليه وقع طلاقه؛ لأن الصيغة إذا صدرت من أصلها مستوفية شروطها كان لها أثرها ولو زالت الأهلية بعد ذلك؛ لأنه إذا صدرت الصيغة صحيحةً تؤدي مؤداها.
الشرط الثاني :أن يكون التعليق موضوع الفعل المعلق عليه الطلاق في حِل واحد، فلو علق طلاق امرأته، ثم طلقها ثلاثًا، أو مكملًا لثلاث، ثم انتهت عدتها وتزوجت بآخر ودخل بها، ثم طلقها، وبعد انتهاء عدتها تزوجها الأول، ثم وقع الأمر المعلق عليه، لا يقع الطلاق؛...
... الطلاق؛ لأن الطلاق المعلق طلقةً واحدةً أو أكثر من طلقات الحل الأول، وقد زال كله؛ فلا يمكن أن يتحقق طلاق لوجود هذا الأمر الذي كان معلقًا.
الشرط الثالث :أن تكون المرأة عند وجود صيغة التعليق والأمر المعلق عليه صالحةً لإيقاع الطلاق عليها؛ بأن تكون زوجةً حقيقةً أو في عدة يقع الطلاق عليها فيها.
وهو التعليق على الزواج، وهو تعليق صحيح، ولا يشترط فيه كون المرأة صالحةً لإيقاع الطلاق عليها. وقد بيّنا ذلك تفصيلًا أثناء الطلاق في من يقع طلاقه.
XXXXXXXXXXXXX
١.١٢ أنواع الطلاق من جهة التنجيز والتعليق واليمين بالطلاق
الرجوع في التعليق
التعليق في كل صوره، سواء علق على الزواج أو غيره، لا يجوز الرجوع فيه؛ لأنه كاليمين، فلو قال لامرأته: "إن خرجتِ فأنت طالق" لا يجوز أن يرجع عن قوله؛ لأن الأيمان بكل أنواعها لا يجوز الرجوع فيها، فمن يحلف على شيء لا يجوز له أن يعدل عنه، بل يمضي فيه أو يحنث، وإن حنث كانت عليه المؤاخذة التي رتبها الشارع على الحنث وهي الكفارة. حكم الطلاق المُعَلّق أو اليمين بالطّلاق
في الآونة الأخيرة، ومع ضيق ذات اليد وكثرة أعباء الحياة، انعكس ذلك على أخلاق بعض الناس وسلوكهم وعاداتهم، وظهر ذلك جليًّا على الحياة الزوجية، فصار كثير من الأزواج يحلفون بالطلاق في أتفه الأمور، وعمت البلوى حتى صار الناس في حرج شديد، فإنهم بين أن يستهينوا بالحرمات فيجترحوها، فعيشوا بين أزواجهم عيشةً يعتقدون حرمتها، وبين أن يُحَرِّمُوا أزواجهم عليهم إذا وصل عدد الطلقات إلى الثلاث، ويحتاج للتحليل، وفي هذا مفاسد غير مقبولة، فكان لا بد من علاج لما أصاب المجتمع في أهم أحواله وسائر أموره، وفي الفقه الإسلامي -بفضل الله وعونه- متسع ومخرج: ((صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)) [البقرة: ١٣٨] ذلك أن اتخاذ الطلاق يمينًا يُحْلَف به لم يكن في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- ولما كثر الحلف بالطلاق في عهد التابعين أفتى كثيرون منهم بأنه لا يقع به شيء من الطلاق.
١.١٢ أنواع الطلاق من جهة التنجيز والتعليق واليمين بالطلاق
فقد روي عن طاوس أنه قال: ليس الحلف بالطلاق شيئًا. وصحّ عن عِكرمة مولى عبد الله بن عباس أنه قال في الأيمان: الطلاق؛ إنها من خطوات الشيطان لا يلزم بها شيء. وروي عن شريح قاضي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: لا يلزم بأيمان الطلاق شيء.
حكم الطلاق المعلق
لكل هذا كان للفقهاء في حكم الطلاق المعلق أقوال كالآتي:
١.١٢ أنواع الطلاق من جهة التنجيز والتعليق واليمين بالطلاق
قال أئمة المذاهب الفقهية الأربعة: يقع الطلاق المُعَلّق متى وجد المُعَلّق عليه عند حصول الشرط. مستدلين بالآتي:
الدليل الأول: من الكتاب: الإطلاق في الآيات الدالة على مشروعية الطلاق، وتفويض الأمر فيه إلى الزوج، مثل قول الله تعالى: ((الطَّلاقُ مَرَّتَانِ)) فهي لم تفرق بين مُنَجّز ومعلّق، ولم تقيِّد وقوعه بشيء، والمطلق يعمل به على إطلاقه ما لم يرد ما يقيده.
الدليل الثاني :من السنة: استدلوا بحديث: {{المسلمون عند شروطهم}} وبما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: طلق رجل امرأته البتة إن خرجت. فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء. ومنها ما أسنده ابن عبد البر عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كل يمين وإن عظمت ففيها الكفارة، إلا العتق والطلاق.
الدليل الثالث: من المعقول: فقد تدعو الحاجة إلى تعليق الطلاق كما تدعو إلى تنفيذه زجرًا للمرأة، فإن خالفت ذلك كانت هي الجانية على نفسها.
XXXXXXXXXXXXXX
قول الظاهرية والشيعة الإمامية، يقولون: إن اليمين بالطلاق أو الطلاق المُعَلّق لا يقع أصلًا مطلقًا مهما كان هدفه.
واستدلوا على ذلك بالأدلة الآتية:
الدليل الأول: ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- من قوله -صلى الله عليه وسلم-: {{من كان حالفًا فليحلف بالله، أو ليصمت}} وفي رواية أخرى: {{من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله}}.
ثم قالوا: ولا طلاق إلا ما أمر الله -عز وجل- به، ولا يمين إلا كما أمر الله بها على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- واليمين بالطلاق ليس مما سماه الله يمينًا، يقول الله تعالى: ((وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)) [الطلاق: ١] ولم يأتِ قرآن ولا سنة بوقوع الطلاق المُعَلّق.
الدليل الثاني:استدلوا كذلك بما رواه ابن حزم وابن القيم عن علي وشريح، أنهما كانا يقولان: الحلف بالطلاق ليس بشيء.
الدليل الثالث: قاسوا الطلاق على النكاح، فكما لا يصحّ تعليق النكاح لا يصحّ أيضًا تعليق الطلاق.
XXXXXXXXXXXXX
رأي ابن تيمية وابن القيم الذين قالوا بالتفصيل، فقالوا: إن كان التعليق قسميًّا -أي على وجه اليمين- لا يقع الطلاق، ويجزيه عند ابن تيمية كفارةُ يمينٍ إن حنث في يمينه، ولا كفارة عليه عند ابن القيم. وأما إن كان التعليق شرطيًّا، أو على وجه غير وجه اليمين، وحصل المُعَلّق عليه، فإن الطلاق يقع؛ مستدلين على ذلك بالأدلة الآتية:
الدليل الأول: الطلاق المُعَلّق القَسَمِي، إذا كان المقصود منه الحث على الفعل أو الترك أو تأكيد الخبر كان في معنى اليمين، وداخلًا في أحكامه في قول الله تعالى: ((قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ)) [التحريم: ٢].
وقول الله تعالى: ((لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ)) [المائدة: ٨٩].
الدليل الثاني: أمهات المؤمنين: عائشة وحفصة وأم سلمة، وابن عباس -رضي الله عنهم جميعًا- أفتوا ليلى بنت العجماء بأن تكفِّر عن يمينها حين حلفت بالعتق فقالت: كل مملوك لها حرّ، وكل مالٍ لها هدي، وهي نصرانية؛ إن لم يطلّق مولاها أبو رافع امرأته، أو يفرِّق بينه وبينها، فيكون الحلف بالطلاق مثله وهو أولى.
الدليل الثالث: ما رواه البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: الطلاق عن وطر، والعتق ما ابتغي به وجه الله. أي أن الطلاق إنما يقع ممن غرضه إيقاعه لا ممن يكره وقوعه، كالحالف المكره.
١.١٢ أنواع الطلاق من جهة التنجيز والتعليق واليمين بالطلاق
بالنسبة لأدلة الظاهرية والإمامية يقال لهم: إن قولكم بأن تعليق الطلاق يمين، واليمين بغير الله لا تجوز. يقال لهم: إن تسمية الطلاق المُعَلّق يمينًا إنما هو على سبيل المجاز، فلا يكون له حكم اليمين الحقيقي، وهو الحلف بالله تعالى أو صفة من صفاته، بل له حكم آخر، وهو وقوع الطلاق عند حصول المُعَلّق عليه، ثم إن السنة وردت بوقوع الطلاق المُعَلّق كما تبيّن لنا من أدلة الأئمة الأربعة.
قياس الطلاق على النكاح قياس مع الفارق؛ لأن تعليق النكاح منافٍ للمقصود منه، أما الطلاق فإنه لا ينافيه.
١.١٢ أنواع الطلاق من جهة التنجيز والتعليق واليمين بالطلاق
أدلة ابن تيمية وابن القيم
وأيضا ننظر إلى أدلة ابن تيمية وابن القيم الذين قالوا بالتفصيل، يقال لهم:
الطلاق المُعَلّق لا يسمى يمينًا لا شرعًا ولا لغةً، وإنما هو يمين على سبيل المجاز، فلا يكون له حكم اليمين الحقيقي الكفارة على الحنث، بل له حكم آخر وهو وقوع الطلاق عند حصول المُعَلّق عليه.
الآثار المروية عن الصحابة في الاعتدال بالتعليق أقوى مما ذكروه؛ لأن رواتها من رجال الصحيح.
بالنسبة لقول ابن عباس- رضي الله عنهما- "الطلاق عن وطر" يجاب عنه بأن المراد منه: لا ينبغي للرجل أن يطلق امرأته إلا عند الحاجة كالنشوز.
١.١٢ أنواع الطلاق من جهة التنجيز والتعليق واليمين بالطلاق
وبعد؛ فعلى الرغم من أن أدلة أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة -الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة- لم ترد عليها مناقشات، ولم توجه إليها اعتراضات، وعلى الرغم من قوّتها وسلامتها مما يجعلها الأقوى دليلًا، إلا أنه نظرًا لما عمّت به البلوى ووقوع الناس في أشدِّ أنواع الحرج؛ حيث يلاحظ أن الشبّان غالبًا يستخدمون اليمين بالطلاق للتهديد لا بقصد الإيقاع، وليس هذا مقصورًا على الشباب فقط، بل إن هذا الأمر قد شاع وانتشر وهدد الحياة الزوجية بالخطر؛ مما يجعلنا نميل إلى القول الذي قال به ابن تيمية وابن القيم، لا سيما وقد أخذ به قانون الأحوال الشخصية رقم ٢٥ الصادر سنة ألف وتسعمائة وتسع وعشرين، وسار على نهجه كثير من القوانين في الدول العربية والإسلامية؛ حيث نصّت المادة الثانية من القانون على الأخذ برأي ابن تيمية وابن القيم -يرحمهما الله- ونصّها كالآتي:
"لا يقع الطلاق غير المُنَجّز إذا لم يقصد به إلا الحثّ على فعل شيءٍ أو المنع منه، أو استعمال القسم لتأكيد الأخبار لا غير، وتطبيق هذه المادة يرجع فيه إلى قصد المتكلم وتفسير قصده، مرجعه فيه إليه إن لم توجد قرينة حال شاهدة، كمن يحلف على من ساومه في مبيع، فإنّ قصد اليمين يكون واضحًا من قرائن الأحوال من غير حاجةٍ إلى تفسير، وإن لم توجد قرائن، أو حصل اختلاف حول قصده، كأن تدعي المرأة أنه قصد الطلاق بالتعليق وينكر أنه قصد الطلاق، بل قصد الحمل على الفعل أو المنع؛ فإنه يكون القول قوله مع اليمين".