٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
شروطها
يشترط في صحة الرجعة شرطان:
أن يكون الطلاق رجعيًّا فلو كان الطلاق بائنًا فلا يملك الزوج رجعة زوجته، إلا إذا كان بعد الدخول وطلق الطلقة الأولى أو الثانية على غير مهل.
أن تكون الرجعة في أثناء العدة، فإذا انقضت فلا يملك الزوج مراجعتها؛ لقول الحق سبحانه وتعالى: ((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)) [البقرة: ٢٢٨] ثم قال بعد ذلك: ((وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا))، والمعنى: أزواجهن أحق بإعادتهن إلى عصمتهم في أثناء ذلك الوقت الذي أمرنا بالتربص فيه.
لا يشترط لصحة الرجعة رضا الزوجة ولا علمها ولا حضور شهود ولكن ينبغي للزوج أن يعلمها حتى لا تتزوج غيره بعد انقضاء عدتها، وينبغي له أن يشهد عليها بالعلم مخافة أن تنكرها الزوجة بعد انقضاء عدتها فيصعب عليه إثباتها، والرجعة حق أثبته الشارع للزوج متى استوفى الشرطين اللذين ذكرناهما، ولا يملك الزوج أن يسقط هذا الحق عن نفسه بقوله. نعم يملك أن يسكت عن مراجعتها حتى تنقضي عدتها، وحينئذٍ يسقط عنه حق إعادتها إلى عصمته، وعلى هذا لو قال الرجل لزوجته: لا رجعة لي عليك، لم يزل عنه بهذا القول ذلك الحق.
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
كيفية إيقاع الرجعة
 |
تكون الرجعة بالقول وهذا باتفاق الفقهاء، أو بالفعل على خلاف، فأما الرجعة بالقول فإنها تحصل بكل لفظ يصدر من الزوج يدل على معناها، كقوله: راجعتك، أو قوله: راجعت زوجتي، ويشترط للرجعة بالقول أن تكون منجزة، فلو كانت معلقة على شرط أو مضافة إلى المستقبل لم تصح؛ لأنها كالزواج، والزواج لا يقبل التعليق ولا الإضافة. |
 |
وأما الرجعة بالفعل على ما ذهب إليه الحنفية، فإنها تحصل بالمباشرة ودواعيها التي توجب حرمة المصاهرة كالتقبيل واللمس بشهوة، علمًا بأنها لا تكون بالقول فقط إلا عند الشافعية ومن وافقهم بخلاف الحنفية فإنهما قالوا: تكون بالقول أو بالفعل، ومتى انقضت عدة الزوجة بانت من زوجها ولم تصح له مراجعتها إلا بعقد ومهرٍ جديدين ورضاها، أقل مدةٍ يمكن تصديق الزوجة فيها بأن عدتها قد انقضت هي ستون يومًا من وقت حصول الطلاق؛ وذلك لأنها تحتاج في انقضاء عدتها إلى ثلاث حيضات كاملة وطهرين يتخللناها، وأكثر مدة الحيض عشرة أيام وأقل مدة الطهر الفاصل بين الحيضتين خمسة عشر يومًا، فتحتاج ثلاث حيضات إلى ثلاثين يومًا ويحتاج الطهران إلى ثلاثين يومًا فإذا مضى عليها من وقت طلاقها أقل من ستين يومًا وادعت أن عدتها قد انقضت بثلاثة أقراء لم تصدق في هذه الدعوى ويصح للزوج مراجعته لزوجته، ولو كان قد انقضى عليها من وقت طلاقها ستون يومًا أو أكثر وادعت انقضاء عدتها بثلاثة أقراء صدقت في هذه الدعوة وعليها اليمين بأنها حاضت ثلاث مرات ولم يعد لزوجها أن يراجعها هذا عند الحنفية وأخذ به القانون. |
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
 |
أما عند الشافعية ومن وافقهم فأكثر مدة الحيض خمسة عشر يومًا وأقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يومًا ومن ثم فإنها تحتاج في انقضاء عدتها إلى خمسة وسبعين يومًا من وقت حصول الطلاق؛ وذلك لأنها تحتاج في انقضاء عدتها إلى ثلاث حيضات كاملة وطهرين يتخللناها -طهرين يتخلل الثلاث حيضات- وأكثر مدة الحيض خمسة عشر يومًا، وأقل الطهر الفاصل بين الحيضتين خمسة عشر يومًا، فتحتاج ثلاث حيضات في خمسةٍ وأربعين يومًا، ويحتاج الطهرين إلى ثلاثين يومًا فإذا مضى عليها من وقت طلاقها أقل من خمسة وسبعين يومًا وادعت أن عدتها قد انقضت بثلاثة أقراء لم تصدق، ولو كان قد انقضى عليها من وقت طلاقها خمسة وسبعين يومًا أو أكثر وادعت انقضاء عدتها بثلاثة قروء صدقت في هذه الدعوى وعليها اليمين بأنها حاضت ثلاث مرات، ولم يعد لزوجها أن يراجعها هذا عند الشافعية ومن وافقهم من المالكية والحنابلة خلافًا للحنفية. |
الخلاف في الرجعة
 |
الخلاف في الرجعة يكون بين الزوج وزوجته، وهذا الخلاف لا ينحصر في مسائل معينة فقد يكون الخلاف بينهما في أنه لا يملك عليها الرجعة بسبب كونها مطلقة قبل الدخول ولا عدة له عليها، ويدعي هو أن الطلاق حصل بعد الدخول الحقيقي فهو يملك مراجعتها، ولكن الفقهاء ذكروا أن الخلاف بينهما إما أن يكون في أصل الرجعة، ... |
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
|
...بأن يدعي الزوج أنه راجع زوجته وتنكر الزوجة أصول الرجعة، وإما أن يكون في صحة الرجعة لاختلافهما في وجود شرط الرجعة، وذلك بأن يدعي الزوج أنه راجع زوجته في أثناء العدة فرجعته صحيحة، وتدعي الزوجة أنه راجعها بعد انقضاء العدة فرجعته غير صحيحة، فإن اختلف في أصل الرجعة والمرأة لا تزال في عدتها، فالقول قول الزوج؛ لأنه يخبر عن حصول شيء لا يزال يملك حق إنشائه رضيت الزوجة بذلك أم لم ترضَ، فلا معنى لتكذيبه فيه، أفلا ترى أنا لو كذبناه لكان بصدد أن يقول: وعلى فرض أني كاذب فقد راجعتها الآن، فلا نملك أن نرد حقه حينئذٍ في ذلك، هذا إن كان اختلافهما في أصل الرجعة وهي لا تزال في العدة. |
 |
أما إن كان اختلافهما في أصل الرجعة بعد انقضاء العدة فالبينة على الزوج الذي يدعي الرجعة، فإن جاء ببينة مقبولة تؤيد دعواه حكمنا له بها، وإن عجز عن الإتيان بالبينة فالقول قول الزوجة بلا يمين. |
 |
وإن كان الخلاف بينهما في صحة الرجعة، وذلك بأن يجيء الرجل بعد أن تنقضي عدتها فيدعي أنه قد راجعها وهي في العدة، فرجعته صحيحة وتقول الزوجة أنه راجعها حقيقةً، وحينئذٍ إما أن تذكر الزوجة أنه راجعها بعد انقضاء العدة، وحينئذٍ إما أن تذكر الزوجة تاريخًا لمراجعة الزوج إياها وإما ألا تذكر تاريخًا، فإن ذكرت تاريخًا للرجعة وكان بينه وبين وقت التطليق ستون يومًا فأكثر، فالقول للزوجة بيمينها عند الحنفية، ومعنى هذا أن الرجل لو أقام بينة مقبولة تؤيد دعواه على أن الرجعة كانت في أثناء العدة حكم له بها، وإن لم يقم بينة أصلًا أو قام بينة غير مقبولة حلفنا الزوجة أن مراجعته إياها كانت بعد انقضاء العدة، فإن حلفت حكمنا لها بما تدعيه، وإن نكلت حكمنا لزوجها بما يدعيه، هذا إن لم تذكر تاريخًا. |
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
 |
وإن ذكرت تاريخًا للرجعة ولم يكن بينه وبين وقت التطليق ستون يومًا عند الحنيفة وخمسة وسبعون يومًا عند الجمهور، فالقول للزوج ولا تصدق الزوجة في ذلك؛ لأن الظاهر يكذبها. |
الإيلاء
تعريف الإيلاء
في اللغة: حلف الزوج عن الامتناع من وطء الزوجة مطلقًا، أو مدة تزيد عن أربعة أشهر.
مشروعية الإيلاء
كان الرجل من أهل الجاهلية يحلف على ألا يمس امرأته السنة والسنتين، والأكثر من ذلك بقصد الإضرار بها، فيتركها لا هي زوجة ولا هي مطلقة، فأراد المولى -عز وجل- أن يضع حدًّا لهذا العمل الضار، فوقته بمدة أربعة أشهر؛ ليتروى فيها الرجل لعل وعسى يرجع إلى رشده، فإن رجع في تلك المدة أو في آخرها بأن حنث في اليمين ووطء زوجته وكفر عن يمينه فيها، وإلا طلق، فقال -عز من قائل: ((لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [البقرة: ٢٢٦- ٢٢٧].
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
أركان الإيلاء
للإيلاء أركان ثلاثة:
الحالف، وهو كل زوجٍ بالغٍ عاقل مختار قادر على الوطء فلا يصح إيلاء الصبي والمجنون والمكره والمجبوب والأشل.
المحلوف به، وهو الله تعالى أو صفة من صفاته باتفاق وكذا إذا حلف بغير الله على رأي بعض أقوال أهل العلم؛ لأنه يمين يلزمه بالحنث فيها حق فصح فيه الإيلاء كاليمين بالله -عز وجل- ولما روي عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: كل يمينٍ منعت جماعها فهي إيلاء؛ ولأنها يمين منعت جماعها فكانت إيلاء كالحلف بالله؛ ولأن تعليق الطلاق والعتاق على وطئها حلف، فيكون موليًا لتحقيق المنع باليمين، فلو قال: إن وطأت فعبدي حر أو أنت طالق، أو قال: إن وطأتك فلله علي نذر كذا كان الزوج موليًا.
المحلوف عليه، وهو الجماع في الفرج، فلو حلف على ترك الجماع في الدبر أو في ما دون الفرج لم يكن موليًا، بشرط أن تكون المحلوف على ترك جماعها زوجة حقيقية، لقول الله تعالى: ((لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)) ولأن غير الزوجة لا حق له في وطئها فلا يكون موليًا منها كالأجنبية، وإن حلف على ترك وطء أجنبية ثم نكحها لم يكن موليًا؛ لأنه إذا كانت اليمين قبل النكاح لم يكن قاصدًا الإضرار فأشبه الممتنع بغير يمين، ويصح الإيلاء من المطلقة الرجعية في عدتها؛ لأنها في حكم الزوجة يلحقها الطلاق فيلحقها اليمين سواء أكانت مسلمة أم ذمية قبل الدخول أو بعده بالغة أو غير بالغة صغيرة أو غير صغيرة، إلا أنه لا يطالب بالرجوع إذا كانت الزوجة مجنونة أو صغيرة؛ لأنهما ليستا من أهل المطالبة، هذا عن أركان الإيلاء الثلاثة، الحالف والمحلوف به، والمحلوف عليه.
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
شروط صحة الإيلاء
يشترط لشروط صحة الإيلاء شروطٍ ستة:
محلية المرأة بكونها زوجة ولو حكمًا كالمعتدة من طلاق رجعي.
أهلية الزوج للطلاق فيصح إيلاء الذمي؛ لأنه يصح طلاقه.
عدم تقييده بمكان؛ لأنه يمكن قربان الزوجة في أي مكان.
ألا يجمع بين الزوجة وغيرها كأجنبية؛ لأنه يمكن قربان امرأته وحدها من غير لزوم شيء.
أن يكون المنع من القربان فقط، أي: من الجماع فقط.
ترك الجماع في الأربعة أشهر؛ لأن الله تعالى جعل عزم الطلاق شرط وقوعه بقوله: ((وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))، وكلمة "إن" للشرط، وعزم الطلاق ترك الفيء في المدة والفيئة تكون في مدة الأربعة أشهر لا بعدها.
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
ومما ينبغي التنبيه عليه ما يأتي:
يصح الإيلاء بالاتفاق من المطلقة الرجعية في العدة؛ لأنها في حكم الزوجة، ولا يصح من المطلقة البائن لانقطاع الزوجية.
يصح الإيلاء قبل الدخول وبعده؛ لعموم الآية كما يصح من المجنونة والصغيرة كذلك، غير أن الزوج لا يطالب بالفيئة في الصغر والجنون؛ لأنهما ليسا من أهل المطالبة.
الرتقاء والقرناء، الرتقاء المرأة التي انسد محل جماعها بلحم، والقرناء المرأة التي انسد محل جماعها بعظم لا يصح الإيلاء منهما؛ لتعذر وطئهما فلا تنعقد اليمين على تركه.
الإيلاء يصح في حال الرضا والغضب؛ لعموم الآية الكريمة فهذه هي شروط الإيلاء.
ونتساءل: هل يتوقف الإيلاء في صحته أن يكون في حال الصحة أو المرض أو في حال الرضا أو الغضب؟ لا يتوقف لعموم الآية الكريمة.
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
الألفاظ المستخدمة في الإيلاء
تنقسم الألفاظ المستخدمة في الإيلاء إلى خمسة أقسام:
ما كان صريحًا في الظاهر والباطن كقوله لها: والله لا أجامعك.
ما كان صريحًا في الظاهر كناية في الباطن كقوله لها: والله لا وطأتك ولا جامعتك، فهذا صريح في الظاهر اعتبارًا بالعرف
فيجعله موليًا في الحكم وكناية في الباطن؛ لاحتمال لا أطأك بقدمي، فإن قصد الإيلاء كان موليًا وإلا فلا.
ما كان كناية في الظاهر والباطن كقوله: والله لا ضاجعتك أو لا أجمع رأسي برأسك، ونحو ذلك من الألفاظ المحتملة للوطء وغيره
فلا يكون موليًا بها إلا بالنية.
ما كان مختلفًا فيه وهو ثلاثة ألفاظ: لا باضعتك، لا باشرتك، لا مسستك، ففي هذه الألفاظ الثلاثة قولان: القول الأول:
أنها صريحة في الظاهر كناية في الباطن. القول الثاني: أنها كناية في الظاهر والباطن فقط.
ما لم يكن صريحًا ولا كناية، كقوله: لا وحشتك، أو لا أحزنتك، ونحو ذلك، فلا يكون بها الحالف موليًا.
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
مدة الإيلاء
تقدر مدة الإيلاء على ما يزيد على أربعة أشهر تبدأ من وقت اليمين، فإن حلف على عدم جماعها أربعة أشهر فما دونها لا يعتبر موليًا، لا تخلو مدة الإيلاء من أقسام ثلاثة:
أن تكون مطلقة كأن يقول: والله لا أجامعك أبدًا.
أن تكون مقدرة بزمان كأن يقول: والله لا أجامعك إلى سنة، أو إلى شهر كذا، أو إلى يوم كذا، فينظر في هذا الزمان فإن زاد على أربعة أشهر كان موليًا، وإن قدر بأربعة أشهر فما دونها لم يكن موليًا.
أن تكون المدة معلقة على شرطٍ مستحيل كقوله: والله لا أجامعك حتى تصعدي إلى السماء، أو كان أمرًا يستبعد حصوله في الاعتقاد كقوله: والله لا أجامعك حتى تقوم الساعة، أو علقه بأمرٍ يعلم تأخره عن أربعة أشهر كقوله: والله لا أجامعك حتى يقدم فلان من السفر وهو يعلم تمامًا أنه لا يقدم إلا بعد أكثر من أربعة أشهر، فهو مولٍ في هذه الأحوال الثلاثة.
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
الآثار الشرعية المترتبة على الإيلاء
الأثر الأول
تضرب للزوج المولي مدة أربعة أشهر بنص القرآن الكريم، لا تحتاج إلى حكم القاضي في ضربها، وهي حق للزوج، لا مطالبة على الزوجة في هذه المدة بشيء؛ لأن الله تعالى أنذره بها فصار كإنذار تأجيل الدين لا يجوز المطالبة بها قبل انقضائها، وتحتسب المدة من وقت الإيلاء لا من وقت المحاكمة، فإذا انقضت مدة التربص أربعة أشهر كانت الزوجة بالخيار إن شاءت تركته ولم تطالبه بشيء وإن شاءت طالبته بواحد من أمرين:
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
إن طلق الحاكم والزوج معًا
إن طلق الحاكم والزوج معًا فلا يخلو الحال من أمور ثلاثة:
أن يسبق طلاق الزوج طلاق الحاكم، فطلاق الزوج واقع وطلاق الحاكم غير واقع سواء علم الحاكم بطلاق الزوج أو لم يعلم.
أن يسبق طلاق الحاكم طلاق الزوج، فإن علم الزوج بطلاق الحاكم وقع طلاقهما معًا، وإن لم يعلم بطلاقه ففي أحد الوجهين لا يقع طلاقه؛ لأنه واجب قد سبق الحاكم باستيفائه منه، وفي الوجه الثاني يقع طلاقه؛ لأنه يملك ما وجب وما لا يجب.
أن يطلق الزوج والحاكم معًا في وقتٍ واحد، فطلاق الزوج واقع، وفي وقوع طلاق الحاكم وجهان؛ الوجه الأول: يقع طلاقه؛ لأنه لم يسبقه الزوج بالطلاق، الوجه الثاني: لا يقع؛ لأنه لم يسبق الزوج بالطلاق.
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
الأثر الثاني
إذا وطئ الزوج زوجته في مدة التربص الأربعة أشهر حنث في يمينه لفعل المحلوف عليه، فإن كان حالفًا بالله -عز وجل- أو بصفة من صفاته، وجبت عليه كفارة يمين كسائر الأيمان، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات أو متفرقات عند بعض الفقهاء. وإذا لزمته الكفارة سقط الإيلاء، وإن كان اليمين على صوم مثلًا أو عتق، فله أن يخرج منها بكفارة يمين أيضًا لقوله -صلى الله عليه وسلم-: {{من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأتِ الذي هو خير، وليكفر عن يمينه}} وله أن يفي أيضًا بما نذر، وإن كان الحلف بالطلاق الثلاث، طلقت ثلاثًا، وهو المذهب، فإن جامع لزمه النزع فإن استدام لزمه المهر بما استحل من فرجها دون الحد وقيل: يلزمه الحد.
الأثر الثالث
اجتماع الإيلاء والطلاق: إن طلق المولي في مدة الإيلاء الأربعة أشهر انقطعت المدة ولم يسقط الإيلاء، فإن راجعها وبقيت مدة التربص استؤنفت المدة من وقت الرجعة، فإن وطئها في المدة حنث في اليمين وسقط الإيلاء؛ لأنه أزال الضرر ولزمته الكفارة.
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
الأثر الرابع
اجتماع الإيلاء مع الظهار: إذا جمع الزوج بين الإيلاء والظهار في امرأة واحدة أو ظاهرها ثم آلى منها، ظاهرها أولًا قال لها: أنت علي كظهر أمي، وقبل أن يكفر عن يمين الظهار آلى منها -أي: حلف على عدم جماعها- فإن انقضت مدة الإيلاء فقد اجتمع عليه في الوطء حقان متنافيان؛ أحدهما: يحرم الوطء في حق الله تعالى حتى يكفر وهو الظهار، والثاني: يوجب الوطء في حق الزوجة قبل التكفير وهو الإيلاء، إن عجل الكفارة في الظهار ووطئ في الإيلاء خرج من تحريم الظهار بالكفارة ومن حق الإيلاء بالوطء، وإن طلق خرج بالطلاق من حق الإيلاء وخرج من إثم الظهار بترك الوطء. وإن لم يفعل أحد هذين الأمرين ووطئ قبل التكفير في الظهار كان عاصيًا بالوطء في حكم الظهار وخارجًا به في الإيلاء من حق الزوجة، فإن طلب الإمهال في الوطء حتى يكفر عن الظهار أمهل.
الأثر الخامس
اجتماع الإيلاء مع الخلع: إن خالع الزوج زوجته فقد بانت منه بالخلع وسقط حكم الإيلاء في النكاح، فإن عاد فتزوجها بعقد ومهر جديدين تضرب له مدة الإيلاء من جديد، إذا قلنا: إن فرقة الخلع طلقة واحدة رجعية على رأي بعض الفقهاء، وإذا قلنا: إن فرقة الخلع فسخ يجري مجرى الطلاق الثلاث في أحد الوجهين لم يكن موليًا، وعلى الوجه الثاني القائل: إن فرقة الخلع فسخ دون الطلاق الثلاث فإنه يكون موليًا.
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
الأثر السادس
الإيلاء في الغضب والرضا سواء؛ لعموم قول الله تعالى: ((لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)) [البقرة: ٢٢٦].
الأثر السابع
تعتد الزوجة التي آلى منها زوجها ثم طلقها بعد المدة المطلوبة لها شرعًا؛ لأنها مطلقة كسائر المطلقات.
الاختلاف في الإيلاء
 |
إن اختلفا في أصل الإيلاء هل آلى منها أو لا، أو اختلفا في انقضاء المدة فالقول هنا قول الزوج بيمينه، وإن اختلفا في انقضاء المدة فادعتها وأنكرها فالقول قول الزوج مع اليمين؛ لأن الأصل بقاء النكاح وهي تدعي ما يخالفه من استحقاق الفرقة، وإن ادعى الزوج وطأها وأنكرت هي، فإن كانت ثيبًا فالقول قول الزوج في الوطء مع يمينه بالله لقد أصابها؛ لأن الوطء يجب الاستتار به، ولا يمكن إقامة البينة عليه فالقول قول من يدعي؛ ... |
٤.١٢ أحكام الرجعة والإيلاء
 |
... يدعي؛ ولأن بقاء النكاح ودوام صحته أصل قد استصحبه الزوج بدعوى الإصابة والزوجة تدعي ما يخالف الأصل من وجوب الفرقة بإنكارها الإصابة فكان القول فيه قول الزوج مع يمينه استصحابًا للأصل، وإن كانت بكرًا فالقول قولها؛ لأن البكارة من شواهد صدقها على عدم الإصابة ولو اعترفت بالوطء بعد المدة وأنكر الزوج سقط حقها في المطالبة بالفيء؛ لاعترافها بالوطء فلو رجعت وأنكرت قالت: لم يطأني، لم يسمع قولها؛ لأنها أقرت بوصول حقها إليها؛ فلا يقبل رجوعها. |