٢.٥ حكم رضاع الزانية ولبن البهيمة والخنثى
لبن الزانية
اتفق الفقهاء على أن المزْنِيَّ بها إذا أرضعت بلبنها ولدًا غير ابنها؛ صار الرضيع ولدها رضاعًا، واختلفوا في أبوة الزاني بها لهذا الرضيع، وكذلك أبوة النافي للولد باللعان، هل يصير أبًا له من الرضاع أو لا؟ على مذهبين:
يرى الحنفية -في المعتمد عندهم- والشافعية، والحنابلة -في إحدى الروايتين- أنه لا يثبت التحريم بين الزاني وبين الرضيع.
ويرى المالكية -في المشهور عندهم- والحنفية -في رواية- والحنابلة -في الرواية الثانية عنهم- ثبوت التحريم بين الزاني وبين الرضيع بهذا اللبن.
٢.٥ حكم رضاع الزانية ولبن البهيمة والخنثى
الأدلة
 |
أولًا: استدل أصحاب المذهب الأول بأن التحريم بينهما، فرع لحرمة الأبوة، فلما لم تثبت حرمة الأبوة؛ لم يثبت ما هو فرع لها. |
 |
ثانيًا: استدل أصحاب المذهب الثاني بأن الرضاع ينشر الحرمة بين المرضع والرضيع، فكذلك ينشرها بين الزاني والرضيع. |
 |
والراجح هو الرأي الأول القائل بعدم ثبوت التحريم؛ وذلك لأنه إذا انتفى النسب الذي هو أقوى حكمًا من الرضاع؛ انتفى من باب أولى الرضاع. |
فإذا كان الرضيع بنتًا، فهل يجوز للزاني أن يتزوجها، أم لا يجوز؟
خلاف بين الفقهاء في ذلك على أربعة مذاهب:
وأقول: إذا تأكد لنا -بالفعل- أن البنت تشبه الزاني في الخلقة، وألحقها به القافة -يعني: القائف الذي كان يلحق النسب بالشبه- إن أقر بها؛ فعندئذ تحرم عليه، وإلا فلا حرمة.
قال ابن عبد البر: أجمع أهل الفتوى من الأمصار على أنه لا يحرم على الزاني تزوُّج من زنا بها، فنكاح أمها وابنتها أجوز.
٢.٥ حكم رضاع الزانية ولبن البهيمة والخنثى
يرى أن نكاحها حرام، ومتى أقر بنسبها؛ لحقته، حُكي ذلك عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- والحسن، وابن سيرين، وبه قال الإمام أحمد، وإسحاق.
أنها تحرم عليه، ولا تلحقه، حتى ولو أقر بنسبها، وبهذا قال الإمام أبو حنيفة.
أنها تحل له، ولا يكره له نكاحها، وبهذا قال المزني من الشافعية.
٢.٥ حكم رضاع الزانية ولبن البهيمة والخنثى
لبن البهيمة
اتفق الفقهاء على أنه لو ارتضع طفلان من بهيمة لم تثبت بذلك اللبن الأخوةُ بينهما؛ لأنه لا يحرم إلا لبن الآدميات؛ لقول المولى -عز وجل: ((وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم)) [النساء: ٢٣]، والبهيمة لا تكون بارتضاع لبنها أمًّا محرمة، فكذلك لا يصير المرتضعان بلبنها أخوين؛ ولأن التحريم لا يكون إلا بالشرع، ولم يرد في الشرع إلا في لبن الآدمية، والبهيمة دون الآدمية في الحرمة، ولبنها دون لبن الآدمية في إصلاح البدن، فلم يلحق به في التحريم، ولأن الأخوة فرع الأمومة، فإذا لم يثبت بهذا الرضاع أمومة، فلئلا تثبت به الأخوة من باب أولى.
إذا در ثدي الرجل لبنًا أرضعه ولد غيره
لبن الرجل: لو افترضنا -جدلًا- أن رجلًا در ثدياه لبنًا، فأرضع بهذا اللبن، ولد غيره، فإنه لا تنتشر الحرمة، ولا تثبت بين هذا الرجل، وبين الرضيع؛ لأن المقصود إنبات اللحم، وإنشاز العظم، وهذا لا يتحقق في لبن الرجل -إذا فرضنا ذلك- غاية ما في الأمر أنه ماء أصفر، وذلك في قول عامة أهل العلم.
وقال أحد تلاميذ الإمام الشافعي من أهل العراق -وهو الكرابيسي: تثبت بهذا اللبن حرمة؛ لأنه لبن آدمي، فأشبه لبن آدمية. وأقول: هذا ليس بصحيح؛ لأنه قياس في مقابلة النص الذي يقول فيه المولى -جل جلاله: ((وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)) [النساء: ٢٣] ولا يقال على الرجل أم.
٢.٥ حكم رضاع الزانية ولبن البهيمة والخنثى
لبن الخنثى
الخنثى وهو من خلق بآلتين؛ آلة الذكورة، وآلة الأنوثة، سمي بذلك لاشتراك الشبهين فيه، مأخوذ من قولهم: تخنث الطعام، والشراب إذا اشتبه أمره؛ فلم يخلص طعمه المقصود، وشاركه طعم غيره، ورجل مخنث: تشبه بالإناث في أقواله وأفعاله.
واختلف الفقهاء في الخنثى إذا نزل له لبن وأرضع به طفلًا، فهل تنتشر الحرمة بهذا اللبن، أو لا تنتشر؟ على مذاهب ثلاثة:
يرى الحنفية أنه لا يثبت بهذا اللبن حرمة إلا إذا قال النساء: إنه امرأة.
الظاهر أن لبن الخنثى المشكل ينشر الحرمة، قال بذلك المالكية.
ويرى الشافعية، والحنابلة التوقف إلى البيان، فإن بانت أنوثته؛ انتشرت به الحرمة، وإلا فلا، وهذا هو الرأي الراجح.