وبالنظر في هذه التعريفات للرضاع تبين لنا أنها قريبة المعنى، بيد أن الشافعية قيدوا أن تكون المرأة حية، بينما لم يتعرض لذلك غيرهم، كما أن الحنابلة زادوا في تعريفهم ثاب عن حملٍ، بينما لم يتعرض لذلك غيرهم؛ لأن لبن البكر التي لم تُمس بنكاحٍ إذا حصل لها ذلك، لم يحرم في رواية عندهم، وكذلك لبن المرأة العجوز التي مص الطفل ثديها، فنزل له لبن، كما سنبين ذلك في محله إن شاء الله تعالى.

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


تعريف الرضاع
مص الثدي مطلقًا، مأخوذ من رضع الصبي وغيره يرضِع، كضرب يضرِب، ورضِع على وزن سمِع، يرضَع رَضْعًا، فهو راضع،
والجمع رُضَّع، والرضيع: المرضَع، وراضعه مراضعة ورضاعًا: رضع معه، وامرأة مرضِع: أي ذات لبن، أو لبن رَضَاع، والجمع: مراضيع.
فإذا أريد مجرد الوصف بالإرضاع قيل: مُرضِع بغير الهاء، أي لها ولد ترضعه، وإن أريد أنها محل إرضاع بالفعل، أي وصفها حال
إرضاعها ولدها، قيل: مرضعة بالهاء، قال تعالى: : ((يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ)) [الحج: ٢].

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


حكم الرضاع
اتفق الفقهاء من الصحابة، والتابعين، وأئمة المذاهب كلها، على أن المرأة إذا أرضعت بلبنها ولد غيرها، فقد ثبت بذلك صلة القرابة الرضاعية بينها وبين من أرضعته، وثبت تحريم الزواج بينهما، وينتشر التحريم كذلك إلى أصولها، وفروعها، وأصول زوجها وفروعه، ولا يتعدى التحريم إلى غير المرتضع؛ فيباح لأخيه نكاح من أرضعت أخاه، وبنتها، وأمهاتها، ويباح لأخته نكاح صاحب اللبن، وأباه، وبنيه.
وكذلك لا ينتشر التحريم إلى من فوق المرتضع من آبائه، وأمهاته، ومن في درجته، من أعمامه، وعماته، وأخواله، وخالاته، فلأبي المرتضع من النسب وأجداده، أن ينكحوا أم الطفل من الرضاعة، وأمهاتها، وأخواتها، وبناتها، وأن ينكحوا أمهات صاحب اللبن، وأخواته، وبناته؛ إذ نظير هذا من النسب حلال، فللأخ من الأب أن يتزوج أخت أخيه من الأم، وللأخ من الأم أن ينكح أخت أخيه من الأب، وكذلك ينكح الرجل أم ابنه من النسب، وأختها، وأم أمها، وبنتها؛ فإنما حرمتا بالمصاهرة.

دليله
يستدل على التحريم بسبب الرضاع، بالكتاب، والسنة، والإجماع:

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


فمن الكتاب: قول الحق- سبحانه وتعالى: : ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)) إلى أن قال: : ((وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ)) [النساء: ٢٣].
ووجه الدلالة هو أن الله سبحانه وتعالى ذكر المحرمات من النساء، بقوله: : ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)) ثم عطف على ذلك قوله تعالى: : ((وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ))، والعطف يقتضي التشريك في الحكم.
كما يستدل على التحريم بسبب الرضاع من السنة بقوله صلى الله عليه وسلم: {{يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة}}.
وأجمعت الأمة على تحريم النكاح بسبب القرابة الرضاعية.

مقدار الرضاع المحرم

اتفق الفقهاء على تحريم النكاح بسبب الرضاع، ولكنهم اختلفوا في عدد الرضعات التي يثبت بها التحريم على فريقين:


١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


الفريق الأول
يرى أن قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم، رُوي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وطاوس، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، ومكحول، والزهري، وقتادة، والحكم، وبه قال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، ومالك، وأحمد -في رواية. واشترط القاضي عبد الوهاب المالكي للرضاع المحرم شروطًا ستة:
وصول اللبن من المرضعة إلى حلق الرضيع، أو جوفه، من أي المنافذ، سواء كان من طريق الفم، أو سعوط -يعني من طريق الأنف- وسواء كان بإرضاع، أو وجور قليلًا أو كثيرًا.

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


الفريق الثاني
يرى تحديد عدد الرضعات المحرِّمات، وأن التحريم بسبب الرضاع يتقيد بعدد، وهؤلاء انقسموا فيما بينهم على أربعة فرق:
يرى أنه لا يحرم من الرضاع إلا الثلاث رضعات فما فوق، فإن ارتضع واحدةً أو ثنتين لا يثبت بهما تحريم، ونُسب هذا القول إلى ابن مسعود، وابن الزبير، وعائشة، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، وإسحاق، وأبي ثور، وهو رواية عن الإمام أحمد.

سبب اختلاف الفقهاء في تحديد مقدار الرضاع المحرم
سبب الاختلاف هو معارضة عموم الكتاب، للأحاديث الواردة في التحديد.

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


فأما عموم الكتاب فقول الله وتعالى: ((وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ))، وهذا يقتضي ما ينطبق عليه اسم الإرضاع، والأحاديث المتعارضة في ذلك راجعة إلى حديثين في المعنى:
عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: {{لا تحرم المصة والمصتان أو الرضعة والرضعتان}}، وفي رواية أخرى: {{لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان}}.

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


الأدلة
أولًا: أدلة القائلين بأن الرضاع قليله وكثيره سواء في التحريم. استدلوا بالكتاب، والسنة، والقياس، والمعقول:
فمن الكتاب قول الله تعالى: ((وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ))، ووجه الدلالة هو أن الله تعالى علق التحريم باسم الرضاعة، فحيث وُجد اسمها وجد حكمها، ولأنه فعل يتعلق فيه التحريم؛ فاستوى فيه قليله وكثيره.
ونوقش وجه الدلالة من الآية بأن الأحاديث الواردة في تحديد مقدار الرضاع المحرم مفسِّرة للقرآن، أو أن الآية مطلقة قُيدت بالأحاديث الواردة في التحديد.
وترد هذه المناقشة بأنه يجوز أن يكون التحديد كان مشروطًا في رضاع الكبير، وهو منسوخ عند فقهاء الأمصار، فلما نُسخ سقط التحديد، إذا كان مشروطًا فيه.
واستدلوا من السنة بقوله صلى الله عليه وسلم: {{يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة}}.
واستدلوا كذلك بالقياس؛ فقالوا: إن الرضاع معنى طارئ يقتضي تأبيد التحريم، فلا يشترط فيه العدد كالمصاهرة، أو يقال: مائع يلج الباطن فيحرم، فلا يشترط فيه العدد كالمني.

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


واستدلوا من المعقول: بأن الطفل عندما رضع من امرأة أجنبية غير أمه كان لبنها دخل في إنبات لحمه، ونشوز عظمه، مثل ما كان لأمه؛ وهذه هي علة التحريم؛ لأن في الإرضاع شبهة في أن يكون الولد بعضًا ممن أرضعته؛ لأنه تغذى بلبنها الذي هو جزء من دمها ولحمها، وهذا يكون على إطلاقه بقليل اللبن وكثيره.
ثانيًا: أدلة القائلين بتحديد مقدار رضاع معين، أو عدد معين في التحريم بالرضاع:
استدل القائلون بأنه لا يحرم إلا الثلاث فما فوق، بقوله صلى الله عليه وسلم: {{لا تحرم المصة والمصتان}}؛ ووجه الدلالة: هو أن الحديث نفى التحريم بالمصة والمصتين، وأثبت التحريم بمفهومه بالثلاث فما فوقها.
ونوقش هذا الحديث، بأنه مرة يرويه ابن الزبير عن عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مباشرةً، ومرة يرويه عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ومثل هذا الاضطراب يسقط الاستدلال بالحديث.
وأجيب على ذلك بأنه يحتمل أنه سمع الحديث من كلٍّ على حدة؛ سمعه مرةً من أبيه، وسمعه مرة من عائشة، والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، بروايات متعددة.
الراجح هو رأي الجمهور القائل بأن قليلَ الرضاع وكثيره سواء في التحريم؛ لقوة أدلتهم، ورد ما ورد عليها من مناقشات، إلا أنه إذا تم النكاح بالفعل بين اثنين بينهما قرابة رضاعية أقل من خمس رضاعات ودخل بها؛ فإننا حينئذ نأخذ برأي الشافعية القائل بأن الرضاع المحرم خمس رضعات، فما فوق؛ لقوة أدلتهم، ولكن بشرط أن يكون أقل من خمس رضعات، فإن زاد عن خمس رضعات؛ يحرم ويجب التفريق بينهما.

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


أدلة القائلين بأنه لا يحرم إلا خمس رضعات فما فوق: استدلوا بما رواه مسلم من حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمسٍ معلومات، فتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهن فيما يقرأ من القرآن))؛ ووجه الدلالة هو أن الحديث نص صريح في تحريم الرضاع بخمس رضعات.

ضابط الرضعة

متى التقم المرتضع الثدي فامتص منه ثم تركه باختياره من غير عارض؛ كان ذلك رضعة، أما القطع لعارض؛ للتنفس، أو استراحة
يسيرة، أو لشيء يلهيه، ثم يعود عن قريب لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أن الآكل إذا قطع أكلته بذلك، ثم عاد
من قريب لم يكن ذلك أكلتين، بل واحدة.
أما إذا قطعت المرضعة عليه الرضعة، ثم أعادتها؛ فالمسألة فيها وجهان:

الوجه الأول: يرى أنها رضعة واحدة، ولو قطعته مرارًا.
الوجه الثاني: يرى أنها ليست برضعة واحدة، بل هي رضعات، وكذلك إذا انتقل الرضيع من ثدي امرأة إلى ثدي أخرى قبل تمام الرضعة؛ فقيل: تحسب واحدة؛ قياسًا على ما لو انتقل من ثدي المرأة إلى ثديها الآخر، وقيل: تحسب رضعات متفرقات.


١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


رضاع الكبير

ونقصد بالكبير ما زاد عن الحولين، ولقد اتفق الفقهاء على التحريم بسبب الرضاع إذا كان في الحولين، واختلفوا في رضاع الكبير، وهو ما زاد عن الحولين؛ هل هو محرم، أم لا؟ على فريقين:
يرى جمهور الفقهاء أن رضاع الكبير لا يحرِّم؛ وهو مذهب ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة -رضي الله عنهم أجمعين.

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


وسبب اختلافهم هو تعارض الآثار في ذلك؛ حيث ورد في المسألة حديثان:
حديث سالم مولى أبي حذيفة؛ الذي فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لزوجة سيدنا أبي حذيفة: {{أرضعيه تحرمي عليه}}.

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


فمن ذهب إلى ترجيح هذا الحديث قال: لا يحرم اللبن الذي لا يقوم للمرضع مقام الغذاء، ولا يكون اللبن كذلك إلا إذا كان في الحولين أو دونهما.
إلا أن حديث سالم واقعة عين، وكان سائر أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ما عدا عائشة يرون أن ذلك كان رخصة لسالم، ومن رجح حديث سالم، وعلل حديث عائشة بأنها لم تعمل به، قال: يحرم رضاع الكبير.

والقائلون بأن رضاع الكبير لا يحرم، ولكن الذي يحرم هو رضاع الصغير؛ اختلفوا فيما بينهم في حد الصغر المحرِّم على عدة مذاهب:
يرى أن حد الصغر حولان كاملان، ذهب إلى ذلك الإمام أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، والإمام الشافعي.

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


الأدلة
أولا: استدل الجمهور القائلون بأنه لا يحرم إلا رضاع الصغير بالكتاب والسنة:
فمن الكتاب قول الحق -سبحانه وتعالى: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)) [البقرة: ٢٣٣].
ووجه الدلالة: هو أنه جعل تمام الرضاع في الشرع مقدر بحولين؛ فاقتضى أن يكون حكمه في الشرع بعد الحولين مخالفًا لحكمه في الحولين، وحكمه في الشرع في الحولين هو التحريم.
واستدلوا من السنة بأحاديث منها: قوله صلى الله عليه وسلم: {{لا رضاع إلا في الحولين}} ووجه الدلالة هو أن النفي في قوله: {{لا رضاع}}؛ للتحريم لا للجواز.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: {{إنما الرضاعة من المجاعة}}، ووجه الدلالة هو أن الكبير لا يسد الرضاع جوعته؛ فلم يثبت له فيه حكم. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: {{الرضاعة ما فتقت الأمعاء وأنبتت اللحم}}، وفي رواية أخرى: «الرضاع هو ما أنبت اللحم وأنشز العظم» ووجه الدلالة هو أن ما أنبت اللحم، وأنشز العظم من الرضاع لا يكون إلا في الحولين.

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


ثانيًا: أدلة القائلين بأن رضاع الكبير يحرِّم؛ وهم أهل الظاهر.
استدلوا بما رواه مسلم أن سهلة بنت سهيل سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- قائلة: ((إن سالمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما يعقلون، وإنه يدخل علينا، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا، فقال صلى الله عليه وسلم: "أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة"، فرجعت فقالت: إني قد أرضعته؛ فذهب الذي في نفس أبي حذيفة)).
ووجه الدلالة هو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر سهلة بإرضاع سالم؛ لتحرم عليه بهذا الرضاع، وكان سالم كبيرًا، كما أفادت بعض روايات الحديث الذي رواه مسلم، قال: بسنده عن أم سلمة تقول لعائشة: والله ما تطيب نفسي أن يراني الغلام، قد استغنى عن الرضاعة، فقالت: لم؟! قد جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، والله إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم؛ قالت: قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرضعيه، فقالت: إنه ذو لحية؛ فقال:{{ أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة، فقالت: والله ما عرفته في وجه أبي حذيفة}}.
وقال القاضي عياض: يحتمل أنها حلبت اللبن، ثم شربه سالم من غير أن يمتص ثدييها، وقال النووي: هذا احتمال حسن.

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


وأورد العلامة ابن القيم في كتابه زاد المعاد أدلةَ كلام الفريقين، والاعتراضات الواردة من كليهما على الآخر باستفاضة، وأوجز كلامه في: (زاد المعاد) وفي كتاب آخر له بعنوان: (فتاوي إمام المتقين) فقال -بعد ما ذكر حديث سهلة بنت سهيل المذكور: فأخذت طائفة من السلف بهذه الفتوى؛ منهم عائشة، ولم يأخذ أكثر أهل العلم، وقدموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرم بما قبل الفطام، وبالصغر، وبالحولين؛ لوجوه:
كثرتها وانفراد حديث سالم؛ كثرة الأحاديث التي توقت الرضاع المحرم بأنه في الصغر، وبأنه في الحولين، وانفراد حديث سالم.

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


إذا فطم المولود قبل الحولين، ثم أرضعته امرأة بعد الفطام في الحولين، فهل يثبت بهذا الرضاع حرمة أم لا؟
اختلف الفقهاء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: يرى الحنفية، والشافعية، والحنابلة ثبوت الحرمة بهذا الرضاع.
المذهب الثاني: ويرى المالكية عدم ثبوت الحرمة بهذا الرضاع.

وسبب اختلافهم: هو اختلافهم في مفهوم قوله -صلى الله عليه وسلم: {{فإنما الرضاعة من المجاعة}}، فإنه يحتمل أن يريد بذلك الرضاعة التي في سن المجاعة كيفما كان الطفل، وهو سن الرضاعة.

الأدلة
أولًا: استدل الحنفية ومن وافقهم بقوله -صلى الله عليه وسلم: {{إنما الرضاعة من المجاعة}} ووجه الاستدلال هو أن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة هي حيث يكون الرضيع طفلًا يسد اللبن جوعته.
ثانيًا: أما المالكية فلم أعثر لهم على دليلٍ فيما ذهبوا إليه، ومن ثم فإنني أرى أن الراجح في هذه المسألة هو رأي الجمهور؛ لقوة أدلتهم، وسلامتها من المناقشة.


١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


ما وصل إلى الجوف من غير رضاع

اختلف الفقهاء في وصول اللبن إلى جوف الطفل بالوجور -والوجور إدخال الدواء وغيره في وسط الفم، يقال: وجرت الصبي وأوجرته، والوَجور -بفتح الواو: الدواء نفسه- أو السعوط -والسعوط معناه: إدخال اللبن في أنف الصبي- أو الحقنة؛ كإدخاله من الدبر.
أولًا: وصول اللبن عن طريق الوجور أو السعوط:
اختلف الفقهاء في ثبوت التحريم بذلك على مذهبين:
المذهب الأول: يرى الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة -في رواية- ثبوت التحريم بهما.
المذهب الثاني: ويرى الحنابلة -في رواية ثانية- أنه لا يثبت بهما تحريم.

وسبب اختلافهم؛ هل المعتبر وصول اللبن كيفما وصل إلى الجوف، أو وصوله على الجهة المعتادة؟ فمن رأى وصوله على الجهة المعتادة -وهو الذي ينطلق عليه اسم الرضاع- قال: لا يحرم الوجور ولا السعوط، وهم الحنابلة في رواية، ومن رأى وصول اللبن إلى الجوف كيفما وصل؛ سواء بالتقام الثدي ومصه، وشرب لبنه أو بالوجور، أو بالسعوط، قال: يحرم.


١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


الأدلة
أدلة الجمهور القائلين بأن الوجور والسعوط يثبت بهما التحريم تمامًا إذا ما وصل اللبن إلى جوف الصبي عن طريقهما.
استدل هؤلاء على ثبوت التحريم بالوجور، والسعوط بقوله صلى الله عليه وسلم: {{لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم}}، ووجه الدلالة هو أن وصول اللبن بالوجور والسعوط يحصل بهما إنبات اللحم، وإنشاز العظم.
أما الحنابلة في روايتهم الثانية الذين يرون أن الوجور والسعوط لا يثبت بهما تحريم، فبعد مزيد من البحث والاطلاع في كتب الحنابلة لم أعثر لهم على دليل فيما ذهبوا إليه، ومن ثم فإنني أرى أن الراجح هو رأي الجمهور القائل بثبوت التحريم بالوجور والسعوط؛ لقوة أدلتهم.
ثانيًا: أما إذا وصل اللبن إلى جوف الرضيع عن طريق الدبر بواسطة الحقنة؛ فإن الفقهاء قد اختلفوا في ثبوت التحريم بذلك على مذهبين:
المذهب الأول: يرى الحنفية في ظاهر المذهب، والشافعية في أحد القولين، والحنابلة -وهو المنصوص عن الإمام أحمد- عدم ثبوت التحريم بذلك.
المذهب الثاني: ويرى محمد بن الحسن من الحنفية، والمالكية، والشافعية -في القول الثاني- والرواية الثانية عند الحنابلة ثبوتَ التحريم بوصول اللبن عن طريق الدبر بواسطة الحقنة، واشترط المالكية في ثبوت التحريم بها أن تكون مغذية، فإن لم تكن كذلك، فلا يثبت التحريم بها.

والراجح في هذه المسألة هو رأي الحنفية، ومن وافقهم؛ لقوة أدلتهم، وسلامتها من المناقشة.

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


وسبب اختلافهم في ذلك أيضًا هو: هل المعتبر وصول اللبن كيفما وصل إلى الجوف، أو وصوله عن الجهة المعتادة؟ فمن راعى وصوله على الجهة المعتادة -وهو الذي يطلق عليه اسم الرضاع- قال لا يحرم ذلك، ومن راعى وصول اللبن إلى جوف الطفل كيفما وصل؛ قال: يحرم ذلك.

الأدلة
استدل أصحاب المذهب الأول، وهم الحنفية ومن وافقهم الذين قالوا بعدم ثبوت التحريم بوصول اللبن إلى جوف الرضيع عن
طريق الدبر بواسطة الحقنة بقولهم: إن هذا ليس برضاع، ولا يحصل به التغذي، فلم تثبت به حرمة؛ قياسًا على التقطير في
الإحليل؛ حيث لم يثبت به حرمة، ولأنه ليس برضاع، ولا في معناه، فلم يجز إثبات حكمه فيه.
استدل المالكية، ومن وافقهم بأن وصوله إلى الجوف بهذه الكيفية يفطر الصائم، فكذلك تثبت به حرمة الرضاعة؛ قياسًا عليه.
ونوقش بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن وصول اللبن إلى الجوف بهذه الكيفية لا يعتبر فيه إنبات لحم وإنشاز عظم، ولا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم، وهذا معدوم في الحقنة؛ لأن اللبن لا يصل إلى محل الغذاء للإسهال، وإخراج ما في الجوف؛ فخالفت حكم ما يصل إلى الجوف.


١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


اختلاط اللبن بغيره
إذا اختلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى، بمعنى أن امرأة أخذت من ثديها بعضًا من اللبن، وامرأة أخرى أخذت من ثديها بعضًا من اللبن، واختلط هذا اللبن بذاك، ثم وصلا إلى جوف الصبي سواء عن طريق الوجور، أو السعوط؛ اختلف الفقهاء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: يرى الإمام أبو حنيفة، وأبو يوسف أن الحكم للأغلب منهما؛ يثبت به التحريم دون الآخر.
المذهب الثاني: يرى محمد بن الحسن، وزفر، والمالكية، والشافعية، والحنابلة ثبوتَ التحريم بلبنهما معًا بغض النظر عن القليل منهما أو الكثير.

وسبب اختلافهم: هل يبقى للبن حكم الحرمة إذا اختلط بغيره، أو لا يبقى كالحال في النجاسة إذا خالطت الطاهر؟

الأدلة
أولًا: استدل الإمام أبو حنيفة، وتلميذه أبو يوسف بقولهم: إن اعتبار الغالب وإلحاق المغلوب بالعدم أصل من أصول الشرع؛ فيجب اعتباره ما أمكن، كما إذا اختلط بالماء، أو بلبن شاة.

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


يجاب عن ذلك بأن الحكم متعلق بالمعنى دون الاسم، والمعنى حصول اللبن في جوفه، وقد حصل بالامتزاج غالبًا ومغلوبًا، كالنجاسة إذا غلب الماء عليها؛ ثبت حكمها مع زوال اسمها.
ثانيًا: وأصحاب المذهب الثاني أخذوا بالأحوط. والراجح في هذه المسألة هو الرأي الثاني القائل بثبوت التحريم بلبن المرأتين معًا؛ للاحتياط.
أما إذا اختلط لبن امرأة بطعام أو شراب؛ فذلك محل خلاف بين الفقهاء على أربعة مذاهب:
المذهب الأول: يرى الحنفية، والمزني من الشافعية، والحنابلة -في رواية- أنه إذا كان اللبن هو الغالب على المخالط له من طعام، أو شراب؛ ثبت به التحريم، وإن كان المخالط هو الأغلب؛ لم يثبت به تحريم.
المذهب الثاني: ويرى المالكية أنه إذا اختلط اللبن بغيره؛ سواء أكان غالبًا، أو مساويًا، واستهلك بسبب الخلط حتى لم يبق له طعم يميَّز؛ فلا يثبت به التحريم.
المذهب الثالث -وهو مذهب الشافعي ما عدا المزني- والحنابلة -في رواية ثانية: ثبوت التحريم باللبن المخالط لغيره، سواء أكان اللبن غالبًا، أم مغلوبًا.
المذهب الرابع: وهو رواية ثالثة عند الحنابلة؛ يرون فيها عدم التحريم مطلقًا؛ سواء أكان اللبن غالبًا، أو مغلوبًا.


١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


وسبب الاختلاف: هو هل يبقى للبن حكم الحرمة إذا اختلط بغيره، أو لا يبقى، كالحال في النجاسة إذا خالطت الحلال الطاهر.

الأدلة
أولًا: أدلة أصحاب المذهب الأول القائل بأن الحكم للأغلب: استدلوا بقولهم إن اعتبار الغالب وإلحاق المغلوب بالعدم أصل من أصول الشرع؛ فيجب اعتباره ما أمكن، كما إذا اختلط اللبن بالماء، أو بلبن شاة.
ثانيًا: دليل أصحاب المذهب الثاني: استدلوا بقولهم: إن أجزاء اللبن حصلت في بطنه، فأشبه ما لو كان لونه ظاهرًا.
ثالثًا: أدلة المذهب الثالث: بعد مزيد من البحث والاطلاع فيما تحت يدي من مصادر لأصحاب هذا المذهب؛ لم أحصل لهم على دليل.
رابعًا: دليل المذهب الرابع: كذلك لم نعثر لهم على دليل.
وأرى أن الراجح هو الرأي الثاني القائل بثبوت التحريم؛ سواء أكان اللبن غالبًا، أم مغلوبًا؛ لقوة ما استدلوا به، وسلامته من المناقشة.


١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


تحول اللبن إلى جبن

إذا تحول اللبن بعد حلبه من المرأة إلى جبن، وأطعم إياه الصبي، فهل يثبت بتناوله ذلك تحريم، أو لا يثبت؟
يرى الحنفية أن ذلك لا يحرم. بينما يرى الشافعي أن ذلك يثبت به التحريم، ولم يتعرض المالكية والحنابلة لهذه المسألة في كتبهم.

الأدلة
استدل الحنفية على أن ذلك لا يحرم بقول الله تعالى: ((وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)) [النساء: ٢٣]، ووجه الدلالة هو أن اسم الرضاع مفقود في الجبن؛ فلا يثبت به تحريم؛ ولأن هذا أكل، والموجب للحرمة هو الشرب، وليس الأكل.
أما الشافعية، فإنهم قد استدلوا على ثبوت التحريم بقوله صلى الله عليه وسلم: {{إنما الرضاعة من المجاعة}}، ووجه الدلالة هو أن الإطعام أبلغ في سد المجاعة من مائع اللبن، فوجب أن يكون أخص بالتحريم.
المناقشة: ناقش الشافعية دليل الحنفية فقالوا: إن ما يتعلق به التحريم مائعًا؛ يتعلق به جامدًا كالنجاسة والخمر؛ ولأن انعقاد أجزائه لا يمنع من بقاء تحريمه، كما لو ثخن -أي: صار اللبن ثخينا؛ أي: غليظًا- ولأن تغيير صفته لا توجب تغيير حكمه، كما لو حمض -أي: صار حامضًا.
وأرى أن الراجح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الشافعية القائلون بثبوت التحريم بذلك؛ لقوة أدلتهم، وسلامتها من المناقشة.


١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


لبن الفحل -أي: زوج المرأة المرضع

اتفق الفقهاء على أن المرأة التي لها زوج إذا أرضعت ولد غيرها بلبنها الناتج عن وطء زوجها لها؛ ثبت التحريم بالرضاع بينها وبين هذا الولد، ولكنهم اختلفوا في ثبوت التحريم بين صاحب اللبن -زوج المرضع- وبين هذا الولد على مذهبين:
المذهب الأول: يرى الأئمة الأربعة، والأوزاعي، والثوري ثبوت التحريم بين صاحب اللبن وبين الولد الذي ارتضع من زوجته، وقال بذلك من الصحابة: أم المؤمنين عائشة، وعلي، وابن عباس -رضي الله عنهم أجمعين.
المذهب الثاني: ويرى طائفة من السلف والخلف عدم ثبوت التحريم بين صاحب اللبن وبين الولد الذي ارتضع من زوجته، نُسب ذلك إلى ابن الزبير، وابن عمر، وأبي سلمة، وابن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والنخعي، والقاسم، وغيرهم.

الأدلة
استدل الجمهور بما روي عن عائشة -رضي الله عنها: [[أن أفلح أخا أبي القُعَيس جاء يستأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة، بعد أن نزل الحجاب، قالت عائشة: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخبرته بالذي صنعت، فأمرني أن آذن له]].

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


ووجه الدلالة: هو أن لبن الفحل يحرم، بدليل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أذن لعائشة في إذنها لأبي القعيس؛ لأنه عمها من الرضاعة.
وكذلك استدلوا بما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه سئل عن رجل تزوج بامرأتين، فأرضعت إحداهما جارية غيرها، وأرضعت الأخرى غلام غيرها؛ هل يتزوج الغلام الجارية؟ فقال: "لا، اللقاح واحد، لا تحل له".
وكذلك استدلوا بما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه سئل عن رجل تزوج بامرأتين، فأرضعت إحداهما جارية غيرها، وأرضعت الأخرى غلام غيرها؛ هل يتزوج الغلام الجارية؟ فقال: "لا، اللقاح واحد، لا تحل له".
اللبن لا ينفصل من الرجل، وإنما ينفصل من المرأة، فكيف تنتشر الحرمة إلى الرجل؟!
يقول الله تعالى: ((وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)) [النساء: ٢٣] فلو أثبتنا التحريم للرجل بالحديث؛ كنا قد نسخنا القرآن بالسنة.
إن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- هم أعلم بسنته، وكانوا لا يرون التحريم به؛ فقد صح عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن زمعة: "أن أمه زينب بنت أم سلمة أم المؤمنين -رضي الله عنهما- أرضعتها أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنها- امرأة الزبير بن العوام، قالت زينب: وكان يدخل علي وأنا أمتشط؛ فيأخذ بقرن من قرون رأسي، ويقول: أقبلي علي فحدثيني، أرى أنه أبي، وما ولد منه فهم إخوتي، ثم إن عبد الله بن الزبير أرسل إلي يخطب أم كلثوم ابنتي على حمزة بن الزبير -وكان حمزة ابن الكلبية- فقلت لرسوله، وهل تحل له، وإنما هي ابنة أخته، فقال: عبد الله إنما أردت بهذا المنع من قبلك: أما ما ولدت أسماء؛ فهم إخوتك، وما كان من غير أسماء، ...

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


... فليسوا لك بإخوة، فأرسلي فاسألي عن هذا؛ فأرسلت فسألت؛ وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متوافرون، فقالوا لها: إن الرضاعة عن قبل الرجل لا تحرم شيئًا، فأنكحيها إياه، فلم تزل عنده حتى هلك عنها"، ولم ينكر ذلك الصحابة -رضي الله عنهم- ومن المعلوم أن الرضاعة من جهة المرأة، لا من جهة الرجل.

المناقشة:
نوقش الدليل الأول من أدلة أصحاب المذهب الثاني القائلين بأن لبن الفحل لا يحرم؛ بأن سبب اللبن هو ماء الرجلِ والمرأةِ معًا، فوجب أن يكون الرضاع منهما قياسًا على الجد، لما كان سبب الولد أوجب تحريم ولد الولد به؛ لتعلقه بولده، وأيضًا فإن الوطء يدر اللبنَ؛ فللفحل فيه نصيب.
ونوقش الدليل الثاني لهم بأنه ليس التحريم بلبن الفحل الثابت بالحديث نسخًا للقرآن بالسنة؛ بل السنة أثبتت تحريم ما سكت عنه القرآن، أو خصصت ما لم يشمله عمومه، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- قال للسيدة عائشة -رضي الله عنها- ائذني لأفلح، فإنه عمك، فأثبت العمومة بلبن الفحل وحده، فإذا ثبتت العمومة بين المرضع، وبين أخي صاحب اللبن؛ فثبوت الأبوة بين المرتضع وبين صاحب اللبن أولى.
وما رجحته في هذه المسألة سبقني إليه العلامة ابن القيم -رحمه الله- حيث قال ما نصه: "الحكم الثاني المستفاد من هذه السنة: أن لبن الفحل يحرم، وأن التحريم ينتشر منه كما ينتشر من المرأة، وهذا هو الحق الذي لا يجوز أن يقال بغيره، وإن خالف فيه من خالف من الصحابة، ومن بعدَهم، فسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحق أن تتبع، ويترك ما خالفها لأجلها، ولا تترك هي لأجل قول أحد؛ كائنًا من كان".

١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع


ونوقش الدليل الثالث لهم: بأن قولكم: إن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يرون التحريم بذلك، دعوى باطلة على جميع الصحابة، فلقد صح عن علي -رضي الله عنه- إثبات التحريم بلبن الفحل، وكذلك ابن عباس، وعائشة، وأما الذين سألتهم زينب بنت أم سلمة فأفتوها بالحل فمجهولون، أو لعلها سألت من لم تبلغه السنة الصحيحة منهم فأفتاها بما أفتاها به عبد الله بن الزبير، ولم يكن الصحابة آنذاك كلهم بالمدينة، بل كان معظمهم وأكابرهم بالشام، والعراق، ومصر.
وأرى أن الراجح هو الرأي الأول القائل: بثبوت التحريم بلبن الفحل؛ لقوة أدلتهم، وسلامتها من المناقشة.