وبالنظر في هذه التعريفات للرضاع تبين لنا أنها قريبة المعنى، بيد أن الشافعية قيدوا أن تكون المرأة حية، بينما لم يتعرض لذلك غيرهم، كما أن الحنابلة زادوا في تعريفهم ثاب عن حملٍ، بينما لم يتعرض لذلك غيرهم؛ لأن لبن البكر التي لم تُمس بنكاحٍ إذا حصل لها ذلك، لم يحرم في رواية عندهم، وكذلك لبن المرأة العجوز التي مص الطفل ثديها، فنزل له لبن، كما سنبين ذلك في محله إن شاء الله تعالى.
١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع
١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع
حكم الرضاع
 |
اتفق الفقهاء من الصحابة، والتابعين، وأئمة المذاهب كلها، على أن المرأة إذا أرضعت بلبنها ولد غيرها، فقد ثبت بذلك صلة القرابة الرضاعية بينها وبين من أرضعته، وثبت تحريم الزواج بينهما، وينتشر التحريم كذلك إلى أصولها، وفروعها، وأصول زوجها وفروعه، ولا يتعدى التحريم إلى غير المرتضع؛ فيباح لأخيه نكاح من أرضعت أخاه، وبنتها، وأمهاتها، ويباح لأخته نكاح صاحب اللبن، وأباه، وبنيه. |
 |
وكذلك لا ينتشر التحريم إلى من فوق المرتضع من آبائه، وأمهاته، ومن في درجته، من أعمامه، وعماته، وأخواله، وخالاته، فلأبي المرتضع من النسب وأجداده، أن ينكحوا أم الطفل من الرضاعة، وأمهاتها، وأخواتها، وبناتها، وأن ينكحوا أمهات صاحب اللبن، وأخواته، وبناته؛ إذ نظير هذا من النسب حلال، فللأخ من الأب أن يتزوج أخت أخيه من الأم، وللأخ من الأم أن ينكح أخت أخيه من الأب، وكذلك ينكح الرجل أم ابنه من النسب، وأختها، وأم أمها، وبنتها؛ فإنما حرمتا بالمصاهرة. |
دليله
يستدل على التحريم بسبب الرضاع، بالكتاب، والسنة، والإجماع:
١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع
الفريق الأول
يرى أن قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم، رُوي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وطاوس، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، ومكحول، والزهري، وقتادة، والحكم، وبه قال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، ومالك، وأحمد -في رواية.
واشترط القاضي عبد الوهاب المالكي للرضاع المحرم شروطًا ستة:
وصول اللبن من المرضعة إلى حلق الرضيع، أو جوفه، من أي المنافذ، سواء كان من طريق الفم، أو سعوط -يعني من طريق الأنف- وسواء كان بإرضاع، أو وجور قليلًا أو كثيرًا.
أن يكون من أنثى بكرًا كانت، أم ثيبًا، موطوءة، أم غيرها، فأما لو در لرجلٍ لبن، فأرضع به طفلًا لم يحرم به تحريم الرضاعة.
أن ذلك مقصور على الآدميات، فلو ارتضع طفلان من لبن بهيمة، لم يثبت بينهما أخوة الرضاع.
أن يكون في الحولين، أو زيادة عليها بأيامٍ يسيرة، دون ما زاد على ذلك.
أن يكون الرضيع محتاجًا إلى اللبن، فأما لو فُطم الطفل قبل الحولين واستغنى عن اللبن بالطعام مدة، ثم أُرضع، لم يثبت به التحريم، وإن كان في الحولين.
أن يكون اللبن إما منفردًا بنفسه، وإما مختلطًا بما لم يُستهلك فيه، فأما إن خالط ما يستهلك فيه، من طبيخ أو دواءٍ أو غير ذلك فلا يحرم.
١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع
الفريق الثاني
يرى تحديد عدد الرضعات المحرِّمات، وأن التحريم بسبب الرضاع يتقيد بعدد، وهؤلاء انقسموا فيما بينهم على أربعة فرق:
يرى أنه لا يحرم من الرضاع إلا الثلاث رضعات فما فوق، فإن ارتضع واحدةً أو ثنتين لا يثبت بهما تحريم، ونُسب هذا القول إلى ابن مسعود، وابن الزبير، وعائشة، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، وإسحاق، وأبي ثور، وهو رواية عن الإمام أحمد.
يرى أنه لا يحرم إلا خمس رضعات فما فوق، رُوي ذلك عن أم المؤمنين عائشة، وهو ما اختاره الإمام الشافعي.
يرى أنه لا يحرم إلا سبع رضعات، رُوي ذلك أيضًا عن أم المؤمنين عائشة.
يرى أنه لا يحرم إلا عشر رضعات، وهي رواية أيضًا رُويت عن أم المؤمنين عائشة.
سبب اختلاف الفقهاء في تحديد مقدار الرضاع المحرم
سبب الاختلاف هو معارضة عموم الكتاب، للأحاديث الواردة في التحديد.
١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع
فأما عموم الكتاب فقول الله وتعالى: ((وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ))، وهذا يقتضي ما ينطبق عليه اسم الإرضاع، والأحاديث المتعارضة في ذلك راجعة إلى حديثين في المعنى:
عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: {{لا تحرم المصة والمصتان أو الرضعة والرضعتان}}، وفي رواية أخرى: {{لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان}}.
حديث السيدة سهلة زوجة أبي حذيفة في مولاها سالم أنه قال لها النبي -صلى الله عليه وسلم: {{أرضعيه خمس رضعات}}. وحديث عائشة -رضي الله عنها- في هذا المعنى أيضًا قالت: ((كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات، ثم نسخن بخمسٍ معلومات، فتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهن مما يُقرأ من القرآن)).
فمن رجح ظاهر القرآن على هذه الأحاديث؛ قال: تحرم المصة، والمصتان، والأكثر من ذلك. ومن جعلها مفسرة للآية، وجمع بينها وبين الآية، ورجح مفهوم دليل الخطاب في قوله -صلى الله عليه وسلم: {{لا تحرم المصة والمصتان}}، على مفهوم دليل الخطاب في حديث سالم، قال: الثلاثة فما فوقها هي التي تحرم؛ وذلك أن دليل الخطاب في قوله: {{لا تحرم المصة والمصتان}} يقتضي أن ما دونهما لا يحرم، ودليل الخطاب في قوله صلى الله عليه وسلم: {{أرضعيه خمس رضعات}} يقتضي أن ما دونها لا يحرم.
الراجح هو رأي الجمهور القائل بأن قليلَ الرضاع وكثيره سواء في التحريم؛ لقوة أدلتهم، ورد ما ورد عليها من مناقشات، إلا أنه إذا تم النكاح بالفعل بين اثنين بينهما قرابة رضاعية أقل من خمس رضاعات ودخل بها؛ فإننا حينئذ نأخذ برأي الشافعية القائل بأن الرضاع المحرم خمس رضعات، فما فوق؛ لقوة أدلتهم، ولكن بشرط أن يكون أقل من خمس رضعات، فإن زاد عن خمس رضعات؛ يحرم ويجب التفريق بينهما.
١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع
|
 |
أدلة القائلين بأنه لا يحرم إلا خمس رضعات فما فوق: استدلوا بما رواه مسلم من حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمسٍ معلومات، فتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهن فيما يقرأ من القرآن))؛ ووجه الدلالة هو أن الحديث نص صريح في تحريم الرضاع بخمس رضعات. |
ضابط الرضعة
متى التقم المرتضع الثدي فامتص منه ثم تركه باختياره من غير عارض؛ كان ذلك رضعة، أما القطع لعارض؛ للتنفس، أو استراحة
يسيرة، أو لشيء يلهيه، ثم يعود عن قريب لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أن الآكل إذا قطع أكلته بذلك، ثم عاد
من قريب لم يكن ذلك أكلتين، بل واحدة.
أما إذا قطعت المرضعة عليه الرضعة، ثم أعادتها؛ فالمسألة فيها وجهان:
 |
الوجه الأول: يرى أنها رضعة واحدة، ولو قطعته مرارًا. |
 |
الوجه الثاني: يرى أنها ليست برضعة واحدة، بل هي رضعات، وكذلك إذا انتقل الرضيع من ثدي امرأة إلى ثدي أخرى قبل تمام الرضعة؛ فقيل: تحسب واحدة؛ قياسًا على ما لو انتقل من ثدي المرأة إلى ثديها الآخر، وقيل: تحسب رضعات متفرقات. |
١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع
رضاع الكبير
ونقصد بالكبير ما زاد عن الحولين، ولقد اتفق الفقهاء على التحريم بسبب الرضاع إذا كان في الحولين، واختلفوا في رضاع الكبير، وهو ما زاد عن الحولين؛ هل هو محرم، أم لا؟ على فريقين:
يرى جمهور الفقهاء أن رضاع الكبير لا يحرِّم؛ وهو مذهب ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة -رضي الله عنهم أجمعين.
ويرى أهل الظاهر أن رضاع الكبير يحرم كرضاع الصغير تمامًا، وهو مذهب السيدة عائشة -رضي الله عنها.
١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع
وسبب اختلافهم هو تعارض الآثار في ذلك؛ حيث ورد في المسألة حديثان:
حديث سالم مولى أبي حذيفة؛ الذي فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لزوجة سيدنا أبي حذيفة: {{أرضعيه تحرمي عليه}}.
ما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث أم المؤمنين عائشة قالت: ((دخل علي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعندي رجلٌ، فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه؛ فقلت: يا رسول الله؛ إنه أخي من الرضاعة؛ فقال صلى الله عليه وسلم: انظرن مَن إخوانكن من الرضاعة؛ فإن الرضاعة من المجاعة)).
١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع
فمن ذهب إلى ترجيح هذا الحديث قال: لا يحرم اللبن الذي لا يقوم للمرضع مقام الغذاء، ولا يكون اللبن كذلك إلا إذا كان في الحولين أو دونهما.
إلا أن حديث سالم واقعة عين، وكان سائر أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ما عدا عائشة يرون أن ذلك كان رخصة لسالم، ومن رجح حديث سالم، وعلل حديث عائشة بأنها لم تعمل به، قال: يحرم رضاع الكبير.
والقائلون بأن رضاع الكبير لا يحرم، ولكن الذي يحرم هو رضاع الصغير؛ اختلفوا فيما بينهم في حد الصغر المحرِّم على عدة مذاهب:
يرى أن حد الصغر حولان كاملان، ذهب إلى ذلك الإمام أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، والإمام الشافعي.
وهو مذهب الإمام أبي حنيفة؛ ويرى أن حد الصغر الذي يحرم ثلاثون شهرًا -أي: سنتين كاملتين وستة أشهر.
وهو مذهب الإمام مالك في المشهور عنه: يحرم في الحولين، وما قاربهما، وما زاد عن الحولين قليلًا، ولا حرمة له بعد ذلك، ثم روي عنه اعتبار أيام يسيرة بعد الحولين، وروى عنه الوليد بن مسلم: أن ما كان بعد الحولين من الرضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة؛ فإنه عندي من الحولين.
والذي رواه عنه أصحاب الموطأ، وكان يقرأ عليه إلى أن مات -يرحمه الله- قوله فيه: وما كان من الرضاع بعد الحولين؛ كان قليله وكثيره لا يحرم شيئًا، إنما هو بمنزلة الطعام. وقال: إذا فطم الصبي قبل الحولين -وهذه جزئية انفرد بها الإمام مالك، وتابعه، فقهاء المالكية- واستغنى بالطعام عن الرضاع، ثم ارتضع بعد ذلك فيما دون الحولين، وقبل أن يتم الحولين؛ فهذا الرضاع لا يثبت به تحريم.
وهو مذهب الإمام زُفَر بن الهذيل أحد تلاميذ الإمام أبي حنيفة؛ يرى أن حد الرضاع المحرم ثلاث سنوات.
١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع
|
 |
وأورد العلامة ابن القيم في كتابه زاد المعاد أدلةَ كلام الفريقين، والاعتراضات الواردة من كليهما على الآخر باستفاضة، وأوجز كلامه في: (زاد المعاد) وفي كتاب آخر له بعنوان: (فتاوي إمام المتقين) فقال -بعد ما ذكر حديث سهلة بنت سهيل المذكور: فأخذت طائفة من السلف بهذه الفتوى؛ منهم عائشة، ولم يأخذ أكثر أهل العلم، وقدموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرم بما قبل الفطام، وبالصغر، وبالحولين؛ لوجوه: |
كثرتها وانفراد حديث سالم؛ كثرة الأحاديث التي توقت الرضاع المحرم بأنه في الصغر، وبأنه في الحولين، وانفراد حديث سالم.
أن جميع أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- خلا السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- في شق المنع.
أنه أحوط -أي الأخذ بتحريم الرضاع في الحولين أحوط.
أن رضاع الكبير لا ينبت لحمًا، ولا ينشز عظمًا، فلا تحصل به البعضية التي هي سبب في التحريم.
أنه يحتمل أن هذا كان مختصًّا بسالم وحده؛ ولهذا لم يجئ هذا الحكم إلا في قصته.
{{أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل على عائشة وعندها رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه وغضب؛ فقالت: إنه أخي من الرضاعة، فقال: انظرن من إخوانكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة}} متفق عليه، واللفظ لمسلم.
ثم قال: في قصة سالم مسلك آخر، وهو أن هذا كان موضع حاجة، فإن سالمًا كان قد تبناه أبو حذيفة ورباه، ولم يكن له منه، ومن الدخول على أهله بدٌّ؛ فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك، فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد، ولعل هذا المسلك أقوى المسالك، وإليه ذهب فقهاء الحنابلة.
١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع
ما وصل إلى الجوف من غير رضاع
اختلف الفقهاء في وصول اللبن إلى جوف الطفل بالوجور -والوجور إدخال الدواء وغيره في وسط الفم، يقال: وجرت الصبي وأوجرته، والوَجور -بفتح الواو: الدواء نفسه- أو السعوط -والسعوط معناه: إدخال اللبن في أنف الصبي- أو الحقنة؛ كإدخاله من الدبر.
 |
أولًا: وصول اللبن عن طريق الوجور أو السعوط:
اختلف الفقهاء في ثبوت التحريم بذلك على مذهبين:
|
|
 |
المذهب الأول: يرى الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة -في رواية- ثبوت التحريم بهما. |
|
 |
المذهب الثاني: ويرى الحنابلة -في رواية ثانية- أنه لا يثبت بهما تحريم. |
وسبب اختلافهم؛ هل المعتبر وصول اللبن كيفما وصل إلى الجوف، أو وصوله على الجهة المعتادة؟ فمن رأى وصوله على الجهة المعتادة -وهو الذي ينطلق عليه اسم الرضاع- قال: لا يحرم الوجور ولا السعوط، وهم الحنابلة في رواية، ومن رأى وصول اللبن إلى الجوف كيفما وصل؛ سواء بالتقام الثدي ومصه، وشرب لبنه أو بالوجور، أو بالسعوط، قال: يحرم.
والراجح في هذه المسألة هو رأي الحنفية، ومن وافقهم؛ لقوة أدلتهم، وسلامتها من المناقشة.
١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع
لبن الفحل -أي: زوج المرأة المرضع
اتفق الفقهاء على أن المرأة التي لها زوج إذا أرضعت ولد غيرها بلبنها الناتج عن وطء زوجها لها؛ ثبت التحريم بالرضاع بينها وبين هذا الولد، ولكنهم اختلفوا في ثبوت التحريم بين صاحب اللبن -زوج المرضع- وبين هذا الولد على مذهبين:
 |
المذهب الأول: يرى الأئمة الأربعة، والأوزاعي، والثوري ثبوت التحريم بين صاحب اللبن وبين الولد الذي ارتضع من زوجته، وقال بذلك من الصحابة: أم المؤمنين عائشة، وعلي، وابن عباس -رضي الله عنهم أجمعين. |
 |
المذهب الثاني: ويرى طائفة من السلف والخلف عدم ثبوت التحريم بين صاحب اللبن وبين الولد الذي ارتضع من زوجته، نُسب ذلك إلى ابن الزبير، وابن عمر، وأبي سلمة، وابن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والنخعي، والقاسم، وغيرهم. |
الأدلة
 |
استدل الجمهور بما روي عن عائشة -رضي الله عنها: [[أن أفلح أخا أبي القُعَيس جاء يستأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة، بعد أن نزل الحجاب، قالت عائشة: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخبرته بالذي صنعت، فأمرني أن آذن له]]. |
١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع
|
|
... فليسوا لك بإخوة، فأرسلي فاسألي عن هذا؛ فأرسلت فسألت؛ وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متوافرون، فقالوا لها: إن الرضاعة عن قبل الرجل لا تحرم شيئًا، فأنكحيها إياه، فلم تزل عنده حتى هلك عنها"، ولم ينكر ذلك الصحابة -رضي الله عنهم- ومن المعلوم أن الرضاعة من جهة المرأة، لا من جهة الرجل. |
المناقشة:
 |
نوقش الدليل الأول من أدلة أصحاب المذهب الثاني القائلين بأن لبن الفحل لا يحرم؛ بأن سبب اللبن هو ماء الرجلِ والمرأةِ معًا، فوجب أن يكون الرضاع منهما قياسًا على الجد، لما كان سبب الولد أوجب تحريم ولد الولد به؛ لتعلقه بولده، وأيضًا فإن الوطء يدر اللبنَ؛ فللفحل فيه نصيب. |
 |
ونوقش الدليل الثاني لهم بأنه ليس التحريم بلبن الفحل الثابت بالحديث نسخًا للقرآن بالسنة؛ بل السنة أثبتت تحريم ما سكت عنه القرآن، أو خصصت ما لم يشمله عمومه، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- قال للسيدة عائشة -رضي الله عنها- ائذني لأفلح، فإنه عمك، فأثبت العمومة بلبن الفحل وحده، فإذا ثبتت العمومة بين المرضع، وبين أخي صاحب اللبن؛ فثبوت الأبوة بين المرتضع وبين صاحب اللبن أولى. |
وما رجحته في هذه المسألة سبقني إليه العلامة ابن القيم -رحمه الله- حيث قال ما نصه: "الحكم الثاني المستفاد من هذه السنة: أن لبن الفحل يحرم، وأن التحريم ينتشر منه كما ينتشر من المرأة، وهذا هو الحق الذي لا يجوز أن يقال بغيره، وإن خالف فيه من خالف من الصحابة، ومن بعدَهم، فسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحق أن تتبع، ويترك ما خالفها لأجلها، ولا تترك هي لأجل قول أحد؛ كائنًا من كان".
١.٥ بعض أحكام مانع الرضاع
 |
ونوقش الدليل الثالث لهم: بأن قولكم: إن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يرون التحريم بذلك، دعوى باطلة على جميع الصحابة، فلقد صح عن علي -رضي الله عنه- إثبات التحريم بلبن الفحل، وكذلك ابن عباس، وعائشة، وأما الذين سألتهم زينب بنت أم سلمة فأفتوها بالحل فمجهولون، أو لعلها سألت من لم تبلغه السنة الصحيحة منهم فأفتاها بما أفتاها به عبد الله بن الزبير، ولم يكن الصحابة آنذاك كلهم بالمدينة، بل كان معظمهم وأكابرهم بالشام، والعراق، ومصر. |
 |
وأرى أن الراجح هو الرأي الأول القائل: بثبوت التحريم بلبن الفحل؛ لقوة أدلتهم، وسلامتها من المناقشة. |