٤.٥ حكم الشك في الرضاع، ووسائل إثبات الرضاع، وأخذ الأجرة على الرضاع


الشك في الرضاع

من القواعد المقررة في الفقه الإسلامي قاعدة: "اليقين لا يزول بالشك"، وتطبيقًا لهذه القاعدة لو وقع الشك في أصل الرضاع: هل حدث أو لم يحدث؟ فإن الأصل عدم حدوثه؛ لأن الشك إذا طرأ على اليقين؛ سقط حكمه، وإذا حدث الشك في عدد الرضعات عند من يقول باشتراط العدد في التحريم، فإنه يبنى على الأقل، فلو وقع الشك مثلًا أَرَضع أربعًا أم ثلاثًا؛ فإننا نبني على الأقل، وهو الثلاث، ونعتبر أنه رضع ثلاثًا.
ثبوت الرضاع


أولًا: ثبوته بالشهادة

اختلفت كلمة الفقهاء في عدد الشهود الذين يثبت الرضاع المحرم بشهادتهم على مذاهب أربعة:

٤.٥ حكم الشك في الرضاع، ووسائل إثبات الرضاع، وأخذ الأجرة على الرضاع


يثبت الرضاع بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وذلك عند الحنفية، والمالكية -في رواية- والشافعية، وزاد الشافعية: أنه يثبت كذلك بأربع نسوة؛ لأن كل امرأتين برجل.

٤.٥ حكم الشك في الرضاع، ووسائل إثبات الرضاع، وأخذ الأجرة على الرضاع


الأدلة
استدل أصحاب المذهب الأول بدليلين:
الدليل الأول: قول عمر رضي الله عنه: "لا يقبل في الرضاع إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين".
الدليل الثاني: أن سبب نزول هذه الحرمة مما يطلع عليه الرجال، فلا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين؛ قياسًا على حرمة الطلاق.

والدليل عليه على أن هذه الشهادة كانت عن ضعف، فإنه قال: "جاءت امرأة سوداء تستطعمنا؛ فأبينا أن نطعمها، فجاءت تشهد على الرضاع" وبالإجماع بمثل هذه الشهادة لا تثبت حرمة.
ونوقش قول ابن عباس بأنه قول لا يقتضيه قياس، ولا يهتدي إليه رأي، فالظاهر أنه لا يقوله إلا توقيفًا.
وأرى أن الراجح في هذه المسألة هو الرأي الأول -رأي الحنفية والمالكية -في رواية- والشافعية؛ لقوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة.
هذا وقد نص الشافعية، والحنابلة على أنه يقبل في الرضاع شهادة المرضع على فعل نفسها استدلالًا بحديث عقبة بن الحارث السابق، ولم تقبل شهادتها عند الحنفية.


٤.٥ حكم الشك في الرضاع، ووسائل إثبات الرضاع، وأخذ الأجرة على الرضاع


المناقشات
مناقشة أدلة أصحاب المذهب الثاني: يناقش ما استدلوا به عن عمر -رضي الله عنه- بأنه قبل في الشهادة على الرضاع شهادة
امرأتين بما يأتي:

لم أقف لهذا الأثر على أصل في كتب الأثر، غير أن الإمام الماوردي قد ذكره في كتابه: (الحاوي) ولكن لم نعثر له
على أصل.
معارضة هذا المروي عن عمر لما رواه عنه البيهقي، واستدل به أصحاب المذهب الأول، وهو قوله: "لا يقبل في الرضاع إلا
شهادة رجلين أو رجل وامرأتين".


٤.٥ حكم الشك في الرضاع، ووسائل إثبات الرضاع، وأخذ الأجرة على الرضاع


ثانيا: الإقرار
الإقرار في اللغة: الثبوت والاعتراف، وعدم الإنكار.
وفي الاصطلاح: إخبار من يصح إخباره بحق غيره عليه.
واتفق الفقهاء على أنه إذا أقر الزوج بالرضاع قائلًا: هذه أختي أو عمتي أو ابنتي من الرضاع مثلًا، وأصر على إقراره؛ فسخ النكاح بينهما قبل الدخول أو بعده، وكذلك اتفقوا على أنه إذا كانت المقرة به هي الزوجة قائلة: هذا أخي من الرضاع -مثلًا- وكذبها الزوج لا يفسخ النكاح بينهما؛ لأن الحرمة ليست إليها، كما اتفقوا على أنه إذا أقرا به معًا، وثبتا على إقرارهما؛ انفسخ النكاح بينهما قبل الدخول أو بعده.
وكذلك اتفقوا على أنه إذا رجع المقر منهما في إقراره الذي أشهد عليه لا يجوز له الرجوع، ولا يقبل الرجوع، وزاد المالكية: أنه إذا تصادق أبوا الزوجين الصغيرين قبل عقد النكاح على أن ولديهما أخوان من الرضاع؛ فإن إقرارهما يقبل، ويفسخ النكاح إن وقع، وإذا كان إقرارهما بعد عقد النكاح؛ فإن ذلك لا يقبل منهما، والنكاح ثابت بين الزوجين.
وحكم السفيهين كالصغيرين، أما الكبيران غير السفيهين؛ فحكمهما معًا كالأجانب، والمقصود بالأبوين أب الزوج، وأب الزوجة أو أب أحدهما وأم الآخر، ولا يشمل أم كل منهما.
واختلف الفقهاء فيما لو رجع المقر منهما في إقراره الذي لم يشهد عليه؛ هل يقبل رجوعه ويفسخ النكاح بينهما أو لا يقبل؟ على مذهبين:


٤.٥ حكم الشك في الرضاع، ووسائل إثبات الرضاع، وأخذ الأجرة على الرضاع


يرى الحنفية أنه يقبل الرجوع في الإقرار الذي لم يشهد عليه.

الأدلة
أولًا: دليل الحنفية: استدلوا بأن الرضاع لما كان مما يخفى؛ لأنه لا يعلم إلا بالسماع من غيره؛ لم يمنع التناقض فيه؛ لاحتمال أنه لما أقر به على ما أخبره به غيره؛ تبين له كذبه؛ فرجع عن إقراره، ولا فرق في ذلك بين كونه أقر مرة أو أكثر من مرة.
ثانيًا: دليل الجمهور: استدلوا بأنه لما أقر بما يتضمن تحريمها عليه؛ لم يقبل رجوعه عنه، قياسًا على ما لو أقر بالطلاق ثم رجع.

٤.٥ حكم الشك في الرضاع، ووسائل إثبات الرضاع، وأخذ الأجرة على الرضاع


وأرى أن الراجح هو رأي جمهور الفقهاء أصحاب المذهب الثاني القائل بعدم قبول الرجوع فيه؛ لقوة ما استدلوا به.
وما رجحته في هذه المسألة سبقني إليه العلامة ابن المنذر عندما استعرض أقوال أهل العلم في هذه المسألة، ثم قال: قول الشافعية أصح، وإذا تقرر ثبوت التحريم بإقرار كل واحد منهما، فإنهما يمنعان من النكاح، فإن تناكحا، فسخ النكاح عليهما، ولا مهر لها إن لم يدخل بها، سواء أكان الإقرار من جهتها أم من جهته؛ لفساد النكاح بينهما، وإن دخل بها أقيم عليهما الحد إن علما تحريم الرضاع بينهما، ولا حد عليهما إن لم يعلما، ولا مهر لها إن حُدَّت، ولها المهر إن لم تحد.

الاختلاف في الرضاع
ذكر الشافعية أنه إذا ادعى الزوج رضاعًا محرمًا، وأنكرت الزوجة؛ انفسخ النكاح بينهما مؤاخذة له بقوله: ولها المهر المسمى -إن كان صحيحًا- وإلا فمهر المثل -إن كان قد دخل بها- لاستقراره بالدخول، ولها نصفه قبل الدخول؛ لأن سبب الفرقة جاء من جهته، وإن ادعته الزوجة، فأنكر الزوج صدق بيمينه -إن كانت الزوجة قد زوجت برضاها- وإن لم تزوج برضاها، فالأصح تصديقها بيمينها؛ لاحتمال ما تدعيه ولم يسبق منها ما يناقضه، وقيل: يصدق الزوج بيمينه؛ لاستدامة النكاح الجاري على الصحة ظاهرًا.

٤.٥ حكم الشك في الرضاع، ووسائل إثبات الرضاع، وأخذ الأجرة على الرضاع


كما قال الشافعية أيضًا -ووافقهم الحنابلة على ذلك: إذا ادعى الزوج رضاعًا محرمًا، وأنكرت الزوجة، وشهدت بذلك أمه أو ابنته؛ لم تقبل شهادتهما؛ لأن شهادة الوالدة لولدها، والولد لوالده غير مقبولة.
وإن شهدت بذلك أمها أو ابنتها؛ قبلت شهادتهما قولًا واحدًا عند الشافعية، وعند الحنابلة روايتان: إحداهما: تقبل، والأخرى: لا تقبل، وإن ادعت ذلك المرأة وأنكره الزوج، فشهدت بذلك له أمها أو ابنتها؛ لم تقبل شهادتهما، وإن شهدت لها أم الزوج أو ابنته؛ قبلت شهادتهما قولًا واحدًا عند الشافعية، وعند الحنابلة روايتان: إحداهما: تقبل، والأخرى: لا تقبل.

حكم إرضاع الأم ولدها
اتفق الفقهاء على أن كل أم يلزمها إرضاع ولدها؛ لقول الحق -سبحانه وتعالى: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ)) [البقرة: ٢٣٣].
ووجه الدلالة هو أن قوله تعالى: ((يُرْضِعْنَ)) خبر في معنى الأمر -أي: ليرضعن- فأمر الزوجات بإرضاع أولادهن، وأوجب لهن على الأزواج النفقة والكسوة، والزوجية قائمة، وذلك الإرضاع الواجب عليها في أحوال ثلاثة:
إذا لم يوجد غيرها.
إذا وجد غيرها وطلب أجرة على الرضاع ولا مال للطفل ولا لأبيه.

٤.٥ حكم الشك في الرضاع، ووسائل إثبات الرضاع، وأخذ الأجرة على الرضاع


إذا امتنع الطفل عن الرضاع من ثدي غيرها.
ولا يلزمها في ما عدا هذه الأحوال الثلاثة، سواء أكانت شريفة أم غيرها.
إلا أن الإمام مالك -يرحمه الله- قال: يلزمها إرضاعه، وتجبر عليه إن كانت غير شريفة قادرة على إرضاعه، ولا يلزمها إن كانت شريفة، وحجتهم في ذلك هو تخصيص قول الله تعالى: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ))، بالعرف، فالعرف عند الإمام مالك خصص هذا العموم في الآية، وهو كما قال الإمام القرطبي: أصل لم يفتطن إليه إلا مالك، والأصل البديع فيه أن هذا أمر كان في الجاهلية في ذوي الحسب، وجاء الإسلام فلم يغيره، وتمادى ذوو الثروة والأحساب على تفريغ الأمهات للمتعة بدفع الرضعاء للمراضع إلى زمانه؛ فقال به، وإلى زماننا؛ فتحققناه شرعًا".
وإذا لم يجب على الأم إرضاع ولدها في غير هذه الأحوال الثلاثة سالفة الذكر؛ فإنه يترتب على عدم الوجوب ما يأتي:
أولًا: إن تبرعت الأم بإرضاع ولدها، فإنها لا تمنع من ذلك.
ثانيًا: إذا أرادت الأم إرضاع ولدها بأجرة، ووجدت من سترضعه بدون أجرة؛ فإنه ينزع من أمه، ويسلم لمن سترضعه بدون أجرة، وقيل: لا ينزع؛ لزيادة شفقتها عليه.

٤.٥ حكم الشك في الرضاع، ووسائل إثبات الرضاع، وأخذ الأجرة على الرضاع


ثالثًا: إذا طلبت الأم أجرة على إرضاع ولدها، وكان هناك مرضع غيرها بأجرة كذلك؛ فالأم أحق به من غيرها؛ لأن الأم أحنى وأشفق، ولبنها أمرأ من لبن غيرها، والمرضع المستأجرة تسمى ظئرًا، ويجب عليها إرضاع الطفل في المكان الذي اتفق معها على إرضاعه فيه، ولا تتعداه، حتى لو اتفق معها على إرضاعه في بيتها.
إذا أرضعت الأم ولدها، فهل تستحق أجرة على إرضاعه أو لا تستحق؟ خلاف بين الأئمة الأربعة على مذهبين:

يرى الحنفية، والشافعية -في أحد الوجهين: أنها لا تستحق أجرة على إرضاع ولدها، سواء أكانت الزوجية قائمة بينهما، أم كانت مطلقة؛ طلاقًا رجعيًّا أم بائنًا، وعند الحنفية -في إحدى الروايتين- تستحق البائن أجرة.

٤.٥ حكم الشك في الرضاع، ووسائل إثبات الرضاع، وأخذ الأجرة على الرضاع


الأدلة
أولًا: استدل أصحاب المذهب الأول بدليلين
إذا استأجر الأب زوجته أو معتدته؛ لترضع ولدها؛ لم يجز؛ لأن الإرضاع مستحق عليها وواجب عليها ديانة؛ لقول الحق -سبحانه وتعالى: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ)) إلا إذا عجزت عنه، فإذا أقدمت عليه بالأجرة؛ ظهرت قدرتها على إرضاعه؛ فكان الرضاع واجبًا عليها، فمن ثم لا يجوز لها أخذ الأجرة على فعل الواجب.
وأرى أن الراجح هو المذهب الثاني؛ لقوة أدلتهم في نظرهم.

٤.٥ حكم الشك في الرضاع، ووسائل إثبات الرضاع، وأخذ الأجرة على الرضاع


ثانيًا: أدلة أصحاب المذهب الثاني: استدل المالكية، ومن وافقهم على وجوب استحقاق الأم أجرة لإرضاع، ولدها بدليلين:
أن الرضاع عمل، يجوز أخذ الأجرة عليه بعد البينونة، فجاز أخذ الأجرة عليه قبله.