حِلّ استمتاع كل من الزوجين بالآخر بالطريق المشروع ما لا يمنع من ذلك مانع شرعي كالحيض أو النفاس أو الإحرام، أو إذا حلف الزوج على زوجته يمين ظهار كأن قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي. فإنها تحرم عليه حتى يكفر عن يمينه؛ لقول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)) [المؤمنون: ٥، ٦]، وقول الله تعالى: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)) [البقرة: ٢٢١]، وقول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)) [المجادلة: ٣]، وقوله صلى الله عليه وسلم: {{لا يَنكِح المُحرِم ولا يُنْكَح ولا يَخْطُب}}.
XXXXXXXXXXXXXX
ملك الحبس والقيد، ومعناه منع المرأة من الخروج إلا بإذن الزوج؛ لقوله الله تعالى: ((أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم)) [الطلاق: ٦]، فوجه الدلالة أن الأمر بالإسكان نهي عن الخروج، وكذلك قول الله الحق سبحانه وتعالى: ((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)) [الأحزاب: ٣٣].
XXXXXXXXXXXXX
وجوب المهر المسمى على الزوج للزوجة؛ لأن المهر عوض عن ملك البضع، أي: ملك الاستمتاع بالزوجة.
XXXXXXXXXXXXX
وجوب النفقة بأنواعها الثلاثة: الطعام، والكسوة، والسكنى، ما لم تمتنع الزوجة عن زوجها بغير حق، فإذا امتنعت سقطت نفقتها، ودليل اللزوم، قول الحق سبحانه وتعالى: ((وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)) [البقرة: ٢٣٣]، وقول الحق سبحانه وتعالى: ((لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّه)) [الطلاق: ٧]، وقوله عز وجل: ((أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ)) [الطلاق: ٦]، والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق؛ لأنها لا تمكّن من الخروج لتكتسب؛ لكونها عاجزة لأصل الخلقة لضعف بنيتها.
XXXXXXXXXXXXX
ثبوت حرمة المصاهرة، وهي حرمة الزوجة على أصول الزوج وفروعه، وحرمة أصول الزوجة وفروعها على الزوج، لكن تثبت الحرمة في بعض الحالات بنفس عقد الزواج وفي بعضها يشترط الدخول.
XXXXXXXXXXXXX
ثبوت نسب الأولاد من الزوج بمجرد وجود الزواج في الظاهر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: {{الولد للفراش وللعاهر الحَجَر}}. وفي رواية أخرى: {{وللعاهر الحِجْر}} والعاهر: الزاني، ومعنى كلمة: "وللعاهر الحجر"؛ أي: الخيبة، وقيل: المراد بـ"الحجر" أي: يرجم بالحجارة إذا زنا، ولكنه لا يرجم بالحجارة كل زان بل المحصن فقط، وظاهر الحديث يدل على أن الولد إنما يلحق بالأب بعد ثبوت الفراش، وهو لا يثبت إلا بعد إمكان الوطء في النكاح الصحيح باتفاق الفقهاء، أو الفاسد عند جمهور الفقهاء.
XXXXXXXXXXXXXX
XXXXXXXXXXXXXX
XXXXXXXXXXXXXX
ثبوت حق الإرث بين الزوجين إذا مات أحدهما أثناء الزوجية أو في العدة، من طلاق رجعي باتفاق أو من طلاق بائن في مرض الموت عند الجمهور غير الشافعية؛ حتى ولو بعد العدة عند المالكية والحنابلة؛ لقول الله تعالى: ((وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ...)) إلى أن قال: ((فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن)) [النساء: ١٢].
XXXXXXXXXXXXX
وجوب العدل بين النساء في حقوقهن عند التعدد، فإن كان للرجل أكثر من امرأة فإنه يجب عليه العدل بينهن في حقوقهن من البيتوتة والنفقة، أي: المبيت والنفقة، فقد نَدَب -سبحانه وتعالى- إلى نكاح الواحدة عند خوف ترك العدل في الزيادة، فدلّ على أن العدل بينهن في القسم، وهو توزيع الزمان على زوجاته، إن كن اثنتين فأكثر؛ فقال تعالى: ((فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً)) [النساء: ٣] أي: إن خفتم ألا تعدلوا في القسم والنفقة في نكاح الثنتين أو الثلاث أو الأربع فواحدة، وقوله تعالى: ((ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا)) [النساء: ٣] أي: تجوروا، والجور حرام فكان العدل واجب ضرورة، وقالت السيدة عائشة: {{كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقسم بين زوجاته فيعدل، ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك}}، وقال صلى الله عليه وسلم: {{من كانت له امرأتان يميل لأحدهما على الأخرى جاء يوم القيامة يجرّ أحد شقيه ساقطًا أو مائلًا}}.
والبداءة في القسم وفي مقدار الدور يرجع إلى الزوج، ويطوف على نسائه في منازلهن؛ اقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويمنع جمع المرأتين مع الرجل في فرش واحد، وإن كان بدون وطء، فلو كان عمل الزوج ليلًا كالحارس قسَّم نهاره، والمريض في وجوب القسم عليه كالصحيح البالغ العاقل؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: أين أنا غدًا؟ يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت السيدة عائشة حتى مات عندها.
ونتساءل: هل يجب على الزوج الوطء في القسم إذا قسم؟ لا يجب، وإنما الواجب عليه المبيت فقط، إلا إذا أراد إضرار المرأة فيجب ترك الضرر، لكن يستحب القسم في الاستمتاع لأنه أكمل في العدل.
ولا قسم على الزوج إذا سافر، ولا يجب عليه أن يبيت عند الأخرى مقابل أيام السفر؛ لأن مدة السفر ضائعة، لكن الأفضل أن يقرع بينهن فيخرج بمن خرجت قرعتها؛ تطييبًا لقلوبهن ودفعًا لتهمة الميل عن نفسه، قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها: [[كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يخرج شهرًا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه]].
وإذا سافرت المرأة بغير إذن زوجها سقط حقها في القسم والنفقة؛ لأن القسم للأُنس، والنفقة للتمكين من الاستمتاع، وقد منعته ذلك بالسفر، أما إذا سافرت بإذن الزوج فإن كان لغرضه -أي: لقضاء مصلحة له- قضى لها، وإن كان لغرضها لا يقضي لها.
وإذا وهبت المرأة حقها في القسم في جميع الزمان أو في بعضه لبعض ضرائرها جاز لها ذلك؛ لأنه حق ثابت لها؛ فلها أن تستوفيه ولها أن تتركه، وقد ثبت أن السيدة سودة بنت زمعة إحدى أمهات للمؤمنين وهبت يومها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للسيدة عائشة، ولكن لا تجوز الهبة بغير رضا الزوج، فإن رضيت الواهبة ورضي الزوج جاز ذلك بلا خلاف، وإذا أخذت الواهبة مالًا على ترك نوبتها لم يجز أخذه، ولزمها رده إلى من أخذته منه، وعلى الزوج أن يقضي لها زمن هبتها؛ لأنها تركته بشرط العوض ولم يسلم العوض لها فترجع بالمعوض؛ لأن هذه معاوضة القسم بالمال، فيكون في معنى البيع ولا يجوز هذا البيع.
والبكر والثيب والجديدة والقديمة عند الحنفية سواء؛ لإطلاق قول الله تعالى: ((وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)) [النساء: ١٩]، وغاية المعاشرة بالمعروف القسم؛ ...
... ولأن القسم من حقوق الزواج، ولا تفاوت بين النساء في الحقوق، ويرى المالكية والشافعية والحنابلة أن الجديدة إن كانت بكرًا خصّها الزوج بسبع ليال متتالية بلا قضاء للباقيات، وإن كانت ثيبًا خصّها بثلاث ليال متتالية بلا قضاء للباقيات، ثم بعد هذا الزمان يقسم بعده؛ مستدلين على ذلك بالأدلة التالية:
الدليل الأول: عن أم سلمة {{أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما تزوجها أقام عندها ثلاثة أيام، وقال لها: إنه ليس بك هوان على أهلك، فإن شئت سبَّعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي}}.
الدليل الثاني: عن أنس قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: {{للبكر سبع وللثيب ثلاث}}.
الدليل الثالث: عن أنس قال: [[لما أخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- صفية أقام عندها ثلاثًا وكانت ثيبًا]].
ووجه الدلالة أن هذه الأحاديث دلت على أن البكر تؤثر بسبع ليال، وتؤثر الثيب بثلاث، ثم بعد ذلك يقسم، وهذا هو الراجح.
وجوب طاعة الزوجة لزوجها إذا دعاها للفراش؛ لقول الله تعالى: ((وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)) [البقرة: ٢٢٨]، قيل: لها المهر والنفقة، وعليها أن تطيعه في نفسها وتحفظه في غيبته مقابل المهر والنفقة.
XXXXXXXXXXXXX
ولاية التأديب للزوج إذا لم تطعه فيما يلزم طاعته، كأن نشزت أو خرجت بلا إذن، أو تركت حقًّا من حقوق الله تعالى كالطهارة أو الصلاة، أو أغلقت الباب دونه، أو خانته في نفسها أو ماله، ويبدأ بما بدأ به القرآن في التأديب: الوعظ، ثم النصح والإرشاد والرفق واللين، ثم الهجر في المضجع والاعتزال وترك الجماع والمراجعة، ثم الضرب غير المبرح، ويُستدل على ذلك بقول الله تعالى: ((وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ)) [النساء: ٣٤]، فظاهر الآية وإن كان بحرف الواو الموضوعة للجمع المطلق، لكن المراد منه الجمع على سبيل الترتيب، والواو تحتمل الترتيب، فإن نفع الضرب -الوسيلة الثالثة- وإلا بعث حكمًا من أهلها وحكمًا من أهله؛ لقول الحق سبحانه وتعالى: ((وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا)) [النساء: ٣٥].
XXXXXXXXXXXXX
المعاشرة بالمعروف من كفّ الأذى وإيفاء الحقوق وحسن المعاملة؛ لقول الله تعالى: ((وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ))، ولقوله صلى الله عليه وسلم: {{خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي}}، [[واستوصوا بالنساء خيرًا]]، والمرأة أيضًا مندوبة إلى المعاشرة الجميلة مع زوجها بالإحسان واللطف في الكلام، والقول المعروف الذي تطيب به نفس الزوج.
XXXXXXXXXXXXX
٣.٣ أنواع النكاح وحكم كل نوع
ثانيا: الزواج غير اللازم
ويقصد بالزواج غير اللازم: الذي توفرت أركانه وشروط انعقاده وشروط صحته وشروط نفاذه واختل منه شرط من شروط اللزوم، وحكم هذا العقد حكم اللازم، إلا أنه يثبت فيه الحق للزوج أو للزوجة بالفسخ، ويكون الزواج قابلًا للفسخ وتترتب عليه جميع الآثار التي ترتبت على النكاح اللازم، إلا أن الفرق بينه وبين اللازم أن كلًّا من الزوجين أو أحدهما يثبت له حق الفسخ ويكون الزواج قابلًا للفسخ.
الزواج الموقوف، والزواج الفاسد
الزواج الموقوف
وهو الزواج الذي توفرت أركانه وشروط انعقاده وشروط صحته، إلا أنه اختل منه شرط من شروط النفاذ، وبالتالي لم يصل إلى المجموعة الرابعة من الشروط وهي شروط اللزوم، اختل منه شرط من شروط النفاذ، فيكون المقصود بالزواج الموقوف: الذي افتقد شرطًا من شروط النفاذ.
٣.٣ أنواع النكاح وحكم كل نوع
وحكمه أن هذا الزواج لا يترتب عليه أي أثر من آثار الزواج قبل إجازته ممن له حق الإجازة، ومن ثمّ فلا يحلّ فيه الدخول بالزوجة ولا تجب فيه نفقة ولا طاعة ولا يثبت به حق التوارث بين الزوجين بموت أحدهما، فإن أجيز ممن له حق الإجازة صار نافذًا وترتبت عليه أحكام الزواج اللازم، ومثالهم مثلًا نكاح الفضولي الذي يعقد لغيره من غير ولاية تامة عليه ولا وكالة عنه، ومثاله أيضًا تزويج الصغير والصغيرة المميزين بدون إذن الولي، إن حصل الدخول قبل إجازة من له حق الإجازة كان الدخول معصية، لكن يسقط الحد لشبهة العقد، ويثبت النسب، ويجب الأقل من المسمى أو مهر المثل، ولا عدة في زواج الموقوف من قبل الإجازة.
الزواج الفاسد
الزواج الفاسد عند الحنفية: هو ما افتقد شرطًا من شروط الصحة كالزواج بغير شهود، أو الزواج بخمس في عقد واحد، أو الجمع بين المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها، أو زواج امرأة الغير بلا علم أنها متزوجة، أو نكاح المحارم مع العلم التام بعدم الحلّ، فكل ذلك فاسد عند الإمام أبي حنيفة وباطل عند صاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن.
٣.٣ أنواع النكاح وحكم كل نوع
وليس للزواج الفاسد حكم قبل الدخول؛ فلا يترتب عليه شيء من آثار الزوجية، ومن ثمّ لا يحلّ فيه الدخول بالمرأة، ولا يجب فيه للمرأة مهر ولا نفقة، ولا تجب فيه عدة، ولا تثبت به حرمة المصاهرة، ولا يثبت به نسب ولا توارث، ويجب على الزوجين أن يتفرقا بأنفسهما، وإلا رفع الأمر إلى القاضي ليحكم بالتفريق بينهما، ويجوز فيه رفع دعوى الحسبة لإنكار المنكر من غير أن يكون للمدعي مصلحة شخصية، ويثبت لكل واحد منهما فسخه ولو بغير حضور صاحبه، دخل بها الزوج أم لم يدخل؛ خروجًا عن المعصية.
وإذا حصل دخول بالمرأة كان الدخول معصية، ووجب التفريق بينهما، لكن لا يقام عليهما حدّ الزنا، وإنما يعذرهما القاضي بما يراه زاجرًا لهما؛ لوجود شبهة العقد والحدود تدرأ بالشبهات، لكن يجب الحد بالدخول بالمحارم عند الصاحبين وهو الراجح؛ لأن التزويج في كل وطء حرام على التأبيد لا يوجب شبهة، وما ليس بحرام على التأبيد كالمحرم بالصهرية -أي: بالمصاهرة- كالأخت والعمّة، والنكاح بغير الشهود يكون العقد فيه شبهة، ولكن وطؤها بعد التفريق يُلزم الحد ولو دخل بشبهة، وكذلك يجب الحدّ بالدخول في نكاح منكوحة الغير ومعتدته، مع العلم بالحرمة لكونه زنا.
وبالرغم من كون الدخول في النكاح الفاسد معصية فإنه تترتب عليه الأحكام التالية عند الإمام أبي حنيفة:
وجوب المهر، فإن لم يكن المهر مسمى في العقد وجب مهر المثل مهما بلغ؛ لفساد التسمية ولوجود الدخول، ولأن الوطء في دار الإسلام لا يخلو عن عَقر -أي: عن حد- أو عُقْر -أي: مهر- وبما أن الحدّ قد انتفى لشبهة العقد فيكون الواجب هو المهر.
ثبوت نسب الولد إن وجد؛ احتياطًا لإحياء الولد وعدم ضياعه.
وجوب العدة على المرأة من حين التفريق بينهما؛ لأن النكاح الفاسد بعد الوطء ينعقد في حق الفراش، والفراش لا يزول قبل التفريق.
ثبوت حرمة المصاهرة فيحرم على الرجل الزواج بأصول المرأة وفروعها، وكذلك تحرم المرأة على أصوله وفروعه.
الزواج الباطل، ونكاح الشغار
الزواج الباطل
الزواج الباطل عند الحنفية هو الذي حصل فيه خلل في ركنه أو في شرط من شروط انعقاده، كزواج المسلمة بغير المسلم، وزواج المسلم بغير الكتابية كالمجوسية أو الوثنية ونحوهما.
٣.٣ أنواع النكاح وحكم كل نوع
وحكم الزواج الباطل أنه لا يترتب عليه أثر من آثار الزواج الصحيح، فلا يحل فيه الدخول بالمرأة، ولا يجب به مهر ولا نفقة ولا طاعة، ولا يثبت به توارث ولا مصاهرة، ويجب عدم التمكين من الدخول بينهما، فإن دخلا فرق القاضي بينهما جبرًا، ولا عدة فيه بعد التفريق كالموقوف قبل إجازته.
نكاح الشغار
الشغار يقال له: شغر البلد أي: خلا من الناس، وهو من باب قطع، والشِّغار -بكسر الشين- نوع من أنواع أنكحة الجاهلية، وهو أن يقول الرجل لآخر: زوجني ابنتك أو أختك على أن أزوجك ابنتي أو أختي، على أن يكون صداق كل منهما بضع الأخرى كأن كل منهما دفع مهرًا للآخر وأخلي البضع عنه. واتفق العلماء على أن الشغار نكاح غير جائز؛ لثبوت النهي عنه لخلوه عن المهر.
واختلفوا إذا وقع: هل يصحّ بمهر المثل أم لا؟ فقال الحنفية: يصحّ نكاح الشغار بفرض مهر المثل، أما النهي عنه في السنة فمحمول على الكراهة، والكراهة لا توجب فساد العقد، فيكون الشرع أوجب فيه أمرين: الكراهة، أو فرض مهر المثل. وقال المالكية والشافعية والحنابلة: إنه نكاح فاسد، ويفسخ قبل الدخول وبعده.
٣.٣ أنواع النكاح وحكم كل نوع
وسبب الخلاف: هل النهي عن الشغار معلل بعدم العوض أم غير معلل؟ فإن قلنا: غير معلل لزم الفسخ على الإطلاق، وإن قلنا: العلة عدم الصداق صحّ بفرض مهر المثل على ما رآه الحنفية بالأدلة.
وقد استدل المالكية والشافعية والحنابلة بما روي عن ابن عمر «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن نكاح الشغار».
والخلاصة أن نكاح الشغار باطل عند الجمهور، صحيح مكروه كراهة تحريمية عند الحنفية، فإذا وقع فسخ النكاح عند الجمهور قبل الدخول وبعده، ولكن إذا دخل يدفع الزوج المهر بالدخول وتقع به حرمة المصاهرة ويثبت به نسب الولد إن وجد.
نكاح المتعة والنكاح المؤقت
نكاح المتعة: وهو أن يقول الرجل لامرأته: أتمتع بك لمدة كذا، والنكاح المؤقت وهو: أن يتزوج امرأة عشرة أيامٍ مثلًا فهو باطل.
أما نكاح المتعة فبالإجماع ما عدا الشيعة عملًا برأي ابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين، ولكن الثابت عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنه عندما علم بتحريم النبي -صلى الله عليه وسلم- لنكاح المتعة أفتى بتحريمه.
وأما النكاح المؤقت فباطل عند جمهور الفقهاء وهو الأصحّ؛ لأنه في معنى المتعة، والعبرة في العقود بالمعاني، خلافًا لما أجازه الشيعة، وزُفَر أحد تلاميذ الإمام أبي حنيفة.
٣.٣ أنواع النكاح وحكم كل نوع
ولعلنا نتساءل: ما الفرق بين نكاح المتعة والنكاح المؤقت؟ الفرق من ناحية الصيغة فقط، وهو أن يقول في نكاح المتعة: أتمتع بك لمدة كذا، أما النكاح المؤقت فهو أن ينعقد بلفظ أتزوج لمدة عشرة أيام، أو أنكح لمدة عشرة أيام.
نكاح التحليل
ويقصد به تحليل المطلقة ثلاثًا لزوجها الذي طلقها طلاقًا بائنًا، وهذا النوع صحيح عند الإمام أبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه. وفي أصحّ القولين عند الشافعي والإمام مالك والإمام أحمد أنه باطل.
وسبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة أو في هذا النوع من أنواع الأنكحة هو اختلافهم في مفهوم قوله -صلى الله عليه وسلم: {{لعن الله المحلِّل والمحلَّل له}} فمن فهم من اللعن التأثيم فقط قال: إنه نكاح صحيح، ومن فهم من اللعن التأثيم وفساد العقل تشبيهًا بالنهي الذي يدلّ على فساد المنهي عنه قال: إن النكاح فاسد.
الترجيح: مذهب الجمهور القائل ببطلان نكاح التحليل هو الراجح؛ لقوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة.
٣.٣ أنواع النكاح وحكم كل نوع
الأدلة
استدل الإمام أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه بقوله: إنه نكاح غير مؤقت، فلا يبطله الشرط قياسًا على قوله: إذا قال لها: تزوجتك على أن أطلقك متى شئت، أو على ألا أطؤك فيصحّ العرض ويبطل الشرط.
ونوقش بأن القول ببطلان هذا النكاح هو ظاهر قول الصحابة -رضوان الله عليهم- لقوله -صلى الله عليه وسلم: {{لعن الله المحلِّل والمحلَّل له}}، ولا مخالف لهم فكان إجماع، ولأنه قصد به التحليل، فلم يصحّ كما لو شرطه.
واستدل الجمهور القائلين ببطلان هذا النكاح بقوله -صلى الله عليه وسلم: {{لعن الله المحلل والمحلل له}}، ووجه الاستدلال من الحديث هو أنه دليل على تحريم التحليل؛ لأنه لا يكون اللعن إلا على فاعل المحرم، وكل محرم منهي عنه، والنهي يقتضي فساد العقد، واللعن وإن كان ذلك للفاعل لكنه علق بوصفٍ يصحّ أن يكون علة الحكم.
النكاح العرفي
ويقصد به الزواج غير المسجل رسميًّا عن طريق المحكمة، وقد انتشرت ظاهرة هذا الزواج في هذه الأيام لا سيما بين طلبة الجامعات، وعندما نعرف حكم الشرع في هذا الزواج المنتشر فإننا نراه باطلًا، ويجب فسخه قبل الدخول وبعده؛ للأسباب الآتية:
٣.٣ أنواع النكاح وحكم كل نوع
أولًا: تسمية هذا النوع باسم الزواج العرفي تسمية خاطئة وغير صحيحة؛ لأن الزواج العرفي هو الذي تعارف عليه الناس، ويدعى له القريب والبعيد، ويباركه الكل، وهو الزواج المسجل عن طريق المأذون الشرعي ويحضره الولي، بخلاف هذا النوع من الزواج غير المسجل والذي لا يعلمه أحد، ولا يعلمه الولي، فلم يعرفه الناس ولم يألفوه ولم يرتضوه، ومن ثم فتسميته بالزواج العرفي تسمية خاطئة، والتسمية الصحيحة له الزواج غير العرفي.
ثانيًا: الزواج المتعارف عليه بين الناس يتمّ في الغالب بواسطة الولي، وقد اتفق جمهور الفقهاء على أنه لا نكاح إلا بولي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"؛ ولقوله -صلى الله عليه وسلم: {{أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل}}، ولقد أخرج الإمام البخاري عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: ((كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء: منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته ثم يصدقها -أي: يعطيها الصداق- ثم ينكحها، فلما بعث محمد -صلى الله عليه وسلم- بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم)).
والنكاح الذي أبقاه النبي -صلى الله عليه وسلم- وهدم كل ما عداه هو النكاح الذي يحضره الولي، بدليل قولها رضي الله عنها: ((يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته)) فلقد أفاد الحديث أن الخاطب يخطب المرأة من وليها أو من أبيها، وليس منها هي.
٣.٣ أنواع النكاح وحكم كل نوع
ثالثًا: فيما يسمونه بالزواج العرفي تتولى المرأة تزويج نفسها بنفسها وهذا غير جائز شرعًا، كما يراه الجمهور؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم: {{لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها}} فأي وصفٍ أقسى وأفحش وأشد من الزنا توصف به المرأة التي تتزوج من غير ولي، حتى إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر عن المرأة التي ليس لها ولي أصلًا، أو لها أكثر من ولي وتنازعوا واختلفوا في اختيار الزوج الكفء أن هذه المرأة يزوجها الحاكم أو القاضي، ولم يأذن لها -صلى الله عليه وسلم- في تزويج نفسها بنفسها بمقتضى قوله: {{فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له}}، فلقد أفاد الحديث ضرورة حضور الولي حتى ولو كان الحاكم نفسه عند فقد المرأة وليها.
رابعًا: ما يسمونه بالزواج العرفي هو في الحقيقة نكاح سرٍّ؛ لأنه يتم في الخفاء ولا يكفي فيه الشهود وحدهم من غير الولي لما ذكر، والمالكية كما علمنا يشترطون في الزواج الإعلان والإشهار لقوله -صلى الله عليه وسلم: {{أعلنوا النكاح}}.
وما يسمونه بالنكاح العرفي يشبه نكاح الخدن الذي كان معروفًا في الجاهلية وأبطله الإسلام، وهو أن يكون للمرأة خليل في السر يعاشرها معاشرة الأزواج، قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): وهذا النوع من النكاح هو المذكور في قول الله تعالى: ((وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَان)) [النساء: ٢٥]، أي: أصحاب وخلّان، فالزواج العرفي هو هذا ولا فرق، غاية الأمر أن فاعليه قد تحايلوا على حلّه بحلول شاهدين وورقة مهملة، ثم تكون المعاشرة سرّية ولا يكون الحرام حلالًا أبدًا مهما تبجح فاعلوه وحبكوا من أجله الحيل.
٣.٣ أنواع النكاح وحكم كل نوع
خامسًا: التوثيق، أي: توثيق العقد على يد المأذون في الوثيقة الرسمية المعتبرة لدى الدولة أمر ضروري، ولا بد منه؛ حماية للمرأة وحفاظًا على حقوقها؛ لأن الزواج الذي يسمى بالعرف يتم بين شبابٍ في مرحلة المراهقة، لا يقدر المسئولية ولا يقصد من وراء هذا الزواج إلا المتعة الجسدية والشهوة الإنسية لا غير، ونكاح المتعة باطل باتفاق أهل العلم سلفًا وخلفًا؛ لأن الزواج مبناه على السكن والمودة وإنجاب الولد والذرية، كما أخبر بذلك رب العزة جل جلاله حيث قال: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)) [الروم: ٢١] فأين السكن هنا؟ أين السكن في الزواج العرفي؟ أين السكن في زواجٍ في الخفاء يختفي فيه الزوجان عن أعين الناس حتى يتقابلا ويلتقيا في مكانٍ سريٍّ خفية بعيدًا عن الأهل يقضيا الشهوة الجنسية؟ ما الفرق بين تصرفهما هذا وتصرف الزانيين؟ إنه هو بعينه ولا فرق، وأي مودة وأي رحمة هنا والزوج بهذه الورقة غير الموثقة يمتلك بها الزوجة ويمنعها من الزواج برجلٍ آخر في العلن، وعندما يتقدم لها زوج آخر عن طريق الأهل ويرتضونه زوجًا لابنتهم وهم لا يعلمون بخيبة أملها بهذا الزواج السري، فإنها تكون أمام أحد خيارين كلاهما أمرّ من الآخر، إما أن تقبل هذا الزواج خوفًا من أهلها، وفي هذه الحالة سيظهر الزوج الأول الورقة العرفية ويفضح أمرها وهذا سيجرّ عليها من المشاكل والأذى من أهلها ما لا تحمد عقباه، وإما أن ترفض كل زوجٍ يتقدم لها وهي بهذا تظل طوال حياتها أسيرة لورقةٍ سرية وذليلة لنزوة جنسية، فتكون بهذه معلقة لا هي متزوجة ولا هي مطلقة، وحينئذٍ تعض أصابع الندم وتتلوى حسرةً ومرارةً نتيجة طيشها واستهتارها وتفريطها في شرفها وعرضها، وماذا يفيد الندم وقد نفد السهم وحلّت الحقيقة والواقع محلّ الوهم والخيال، فيبقى الجرح نافذًا لا يندمج أبدًا.
٣.٣ أنواع النكاح وحكم كل نوع
سادسًا: يقول الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ((وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً)) [النحل: ٧٢]، ونتساءل: أين البنون والحفدة في زواجٍ سري؟ يحرص فيه الزوجان كل الحرص على قطع النسل ومنعه بالكلية؛ خشية افتضاح أمرهما وكشف ذلّ عارهما، وفي هذا ارتكاب لأمرين محظورين:
منع النسل وقطعه الذي تكون به عمارة الكون، والذي رغّب المولى -عز وجل- في الزواج من أجله بهذه الآية الكريمة التي استمعنا إليها، وبقوله صلى الله عليه وسلم: {{تناكحوا تناسلوا تكثروا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة}}.
سابعا: من الأسباب التي أدت إلى فساد ما يسمونه بالزواج العرفي وهو ليس بعرفي: من مآسي الزواج العرفي أن الشاب المراهق عندما يقضي غرضه ويشبع رغبته ممن تزوجها عرفيًّا، فإنه يتركها ذليلة مهينة لا حيلة لها تجاهه ولا سلاح بيدها تحصل به على حقوقها، وما ضاع عليها من سني حياتها؛ لأنها لا تستطيع أن تخبر أهلها بهذا العار الذي وصمتهم به، والفضيحة التي لوثت به شرفهم، ...
... كما أنها لا تستطيع أن تلجأ إلى القضاء، ولا أن تدنو من ساحته لطلب حقوقها كزوجة؛ من مؤخر صداقٍ -وعادة لا يكون لها ذلك- ونفقة ومتعةً وما إلى ذلك، فهذه الحقوق كلها قد ضاعت عليها؛ لأن دعواها لا تسمع؛ لعدم توثيق زواجها بموجب الفقرة الرابعة من المادة التاسعة والتسعين من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، والتي تقضي بعدم سماع دعوى الزوجية عند الإنكار، إلا إذا كانت العلاقة الزوجية ثابتة بوثيقة رسمية.