![]() |
الركن من كلِّ شيءٍ جانبه الأقوى، يقال: ركنت إلى فلانٍ أي: اعتمدت عليه، وقد يُطلق الركنُ في اللغة ويُراد به العز والمنعة، وبه فسرت الآية الكريمة: ((أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)) [هود: ٨٠]. |
![]() |
وأما في الاصطلاح: فالركن ما توقف عليه وجود الشيء وكان جزءًا منه؛ كالركوع أو السجود بالنسبة للصلاة. |
![]() |
نفرق بين الركن والشرط، فنقول: الركن ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان جزءًا منه، والشرط ما يتوقف عليه وجود الشيء وليس جزءًا منه؛ كالوضوء بالنسبة للصلاة. فيتفقان في أن الشيء لا يتم ولا يصح إلا بهما، فلا صلاة بدون وضوءٍ وهو شرطٌ، ولا صلاة بدون ركوعٍ وهو ركن، ويختلفان في أن الشرط خارجٌ عن ماهية الشيء وليس جزءًا منه، والركن داخلٌ في ماهية الشيء وهو جزءٌ منه. |
![]() |
اتفق الفقهاء على أن الصيغة التي هي الإيجاب والقبول ركنٌ من أركان النكاح واختلفوا في ما عدا ذلك، فركن النكاح المتفق عليه بين الفقهاء عند الكل الصيغة، واختلفوا في ما عدا ذلك؛ فركن النكاح عند الحنفية الصيغة فقط وما عدا ذلك فهو شرطٌ. وعند المالكية أربعة: الصيغة، والولي، والصداق، والمحل، ويقصدون بالمحل الزوج والزوجة. |
![]() |
وأركان النكاح عند الشافعية: الصيغة، والولي، والشاهدان، والزوج والزوجة، وعند الحنابلة: الصيغة، والزوجان فقط. |
![]() |
الإيجاب: الإيجاب في اللغة: الإثبات؛ يقال: أوجبت البيع فوجب إيجابًا ومواجبةً أي: لزم وثبت. |
![]() |
وفي الاصطلاح عند جمهور الفقهاء غير الحنفية أن الإيجاب هو ما صدر من ولي المرأة أو من يقوم مقامه كوكيله، سواءٌ صدر ذلك أولًا قبل قَبول الزوج أو وليه أو وكيله أو صدر ثانيًا بعد خطبة الزوج أو وليه، فعلى كلِّ حالٍ ما صدر من ولي المرأة هو الإيجاب تقدم أو تأخر، هذا عند جمهور الفقهاء. | |
![]() |
أما الإيجاب عند الحنفية فهو: ما صدر أولًا سواءٌ صدر من المرأة أو وليها، أو صدر من الخاطب أو وليه، لا فرق بين هذا وذاك. |
![]() |
أما القبول في اللغة، فهو: من قَبِلْتُ الشيء أو العقد أقبله قَبولًا بالفتح أو قُبولًا بالضم، ومنه قول الله تعالى: ((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ)) [آل عمران: ٣٧]. |
![]() |
وفي الاصطلاح عند الجمهور؛ هو: ما صدر من الزوج أو وليه قبولًا لما أوجبه الموجب. | |
![]() |
وعند الحنفية أن القبول هو ما صدر ثانيًا سواءٌ من جانب الزوج أو وليه أو وكيله، أو من جانب الزوجة أو وليها أو وكيله. |
![]() |
الرأي الراجح: وبالنظر في اصطلاحي الجمهور والحنفية بالنسبة لتعريف كلٍّ من الإيجاب والقبول نجد أن تحديد الجمهور للإيجاب والقبول، وتقييد كلٍّ منهما بما ذُكر يوجد لَبْسًا في بعض الأحيان عند العامة؛ إذ قد يصعب على البعض تمييز هذا من ذاك، فاصطلاح الجمهور للإيجاب وتحديده في جانب المرأة أو وليها، والقبول وتحديده في جانب الزوج أو وليه قَبولًا لما أوجبه الموجب يوجد لَبْسًا عند بعض العامة الذين لا يستطيعون أن يميزوا هذا من ذاك، ولا أن يعرفوا الزوج أو وليه أو وكيله، ولا أن يعرفوا المرأة أو وليها أو وكيلها. |
![]() |
أما اصطلاح الحنفية في تحديد الإيجاب والقبول فهو أسهل فهمًا، وأيسر مأخذًا، وأسهل على السامع في تمييز الإيجاب والقبول من غير أن يسأل أحدًا أو يستفسر عمّن هو الخاطب، ومن هو ولي المرأة، فأيهما صدر كلامه أولًا فهو الموجب، وأيهما صدر كلامه ثانيًا فهو القابل، وهذا هو الرأي الراجح. |
![]() |
كلٌّ من الإيجاب والقبول قد يكون لفظًا، وقد يكون إشارةً، وقد يكون كتابةً، فالإيجاب والقبول الأصل فيه أن يكون لفظًا، وقد يكون إشارةً، وهذا من الأخرس، وقد يكون كتابة. |
![]() |
وألفاظ الإيجاب والقبول منها ما هو متفقٌ على انعقاد الزواج به، ومنها ما هو مختلفٌ فيه، ومنها ما هو متفقٌ على عدم انعقاد النكاح به. |
![]() |
هي لفظ أنكحت وتزوجت؛ لورودهما في القرآن الكريم، حيث قال تعالى: ((فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا)) [الأحزاب: ٣٧]. |
![]() |
ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه البخاري من حديث سهل بن سعد: {{أن النبي -صلى الله عليه وسلم- زوج رجلًا بامرأة فقال: أنكحتكها بما معك من القرآن}}، وفي روايةٍ أخرى: {{زوجتكها بما معك من القرآن}}، إذن الألفاظ المتفق على انعقاد النكاح بها لفظان فقط: أنكحت وتزوجت؛ لورودهما في الكتاب والسُّنة. |
![]() |
فيرى الحنفية والمالكية على الراجح جواز انعقاد النكاح بمثل هذه الألفاظ بشرط نيةٍ أو قرينةٍ تدل على النكاح كبيان المهر، وحضور الناس، وفهم الشهود للمقصود؛ لأن المطلوب التعرف على إرادة العاقدين، وليس للفظ اعتبارٌ، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ((وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)) [الأحزاب: ٥٠]، ووجه الاستدلال من الآية الكريمة أن الله تعالى أباح لنبيه -صلى الله عليه وسلم- النكاح بلفظ الهبة، وما أُبيح للنبي -صلى الله عليه وسلم- فنحن وهو فيه سواءٌ إلا أن يدل دليلٌ على التخصيص ولا دليل، ويناقش هذا الدليل بأن الخصوصية للنبي -صلى الله عليه وسلم- في صحة الزواج بدون مهرٍ لا باستعمال لفظ الهبة. |
![]() |
ويرى الشافعية والحنابلة أن النكاح لا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج؛ لورودهما في الكتاب والسُّنة -كما بينا- ولا يصح أن ينعقد بغيرهما من الألفاظ؛ لأن النكاح عقدٌ تُعتبر فيه النية مع اللفظ الخاص به، وهذا هو الرأي الراجح؛ لأن في النكاح نوعًا من التعبد؛ لورود الأحاديث الدالة على استحبابه؛ فيجب الاقتصار على الألفاظ الواردة فيه؛ وهي: الإنكاح أو التزويج فقط، كما أن الأبضاع ليست سلعةً تُباع وتُشترى وتؤجر، والتشديد في أمرها معروفٌ، فلا بد وأن يقتصر العقد على لفظي الإنكاح والتزويج احتياطًا فيها. |
![]() |
هل ينعقد النكاح بغير اللغة العربية؟ اختلف الفقهاء في ذلك؛ فيرى الحنفية جواز انعقاد النكاح باللغة العربية وبغيرها من اللغات، ويرى المالكية جواز الانتقال إلى غير العربية لمن يُحسنها؛ ولكن مع الكراهة، ويرى الشافعية والحنابلة أنه لا ينعقد إلا بالعربية لمن يُحسنها، ومن لا يُحسنها. |
![]() |
والراجح عندي -والله أعلم- هو رأي الأحناف ومن وافقهم وهم المالكية؛ لأن لفظ النكاح أو التزويج لا يتعلق به إعجازٌ فيكتفى بترجمته؛ ولكن بشرطين: |
![]() |
أولهما: الإتيان بعبارةٍ تُعدُّ في اللغة التي نطق بها صريحةٌ في النكاح. | |
![]() |
الشرط الثاني: أن يفهم الشاهدان ما نطق به العاقدان. |
![]() |
هل يجوز أن ينعقد النكاح بعاقدٍ واحدٍ موجب وقابل في نفس الوقت؟ الأصل في العقود أن يتولى طرفاها عاقدان موجب وقابل، ولكن عقد النكاح استُثني من هذا الأصل، فيجوز عند الحنفية أن يتولى طرفاه عاقدٌ واحدٌ؛ موجبٌ وقابلٌ، ويتصور ذلك في خمس صور: |
![]() |
إذا كان العاقدان حاضرين في مجلس العقد قادرين على النطق، فلا يجوز انعقاد النكاح في حقِّهما بالكتابة أو الإشارة؛ حتى ولو كانت الكتابة بينةٌ وواضحةٌ، والإشارة مفهمة في الدلالة على إنشاء العقد؛ لأن اللفظ هو الأصل في التعبير عن الإرادة، ولا نلجأ إلى الكتابة أو الإشارة إلا عند الضرورة، كما أنه لا يمكن للشهود سماع كلام العاقدين في حال الكتابة. |
![]() |
أما إذا كان العاقد غائبًا عن مجلس العقد كأن كان مسافرًا مثلًا فيجوز عند الحنفية انعقاد النكاح بالكتابة أو إرسال رسول إذا حضر شاهدان عند وصول الكتاب أو الرسول؛ لأن الكتاب من الغائب خطابه. |
![]() |
ومثال الكتاب: أن يكتب رجل لخطيبته تزوجتك أو زوجيني نفسك، فقالت المرأة في مجلس وصول الكتاب: قبلت الزواج بحضور الشاهدين، ومن ثَمّ يصح الزواج؛ لأن سماع الشاهدين شطري العقد الإيجاب والقبول شرطٌ لصحة الزواج. | |
![]() |
ومثال إرسال الرسول: أن يرسل الخاطب إلى خطيبته الغائبة عن المجلس شخصًا يبلغها الإيجاب مشافهةً، فإذا قبلت في مجلس بلوغ الرسالة بحضور شاهدين تم الزواج. هذا عند الحنفية. |
![]() |
الشروط الأول: أن تكون بلفظ العربية للقادر عليها، وتجوز بغيرها لغير القادر عليها. |
![]() |
الشرط الثاني: أن تكون الصيغة منجزة ليتحقق بها المقصود من العقد، وتترتب عليها آثاره في الحال، فلا ينعقد النكاح بالتأقيت كأن يقول الولي: "زوجتك في أول ذي الحجة" مثلًا، كما لا ينعقد مع التعليق كأن يقول الولي: "إذا نجحت ابنتي في الامتحان هذا العام فقد زوجتك". |
![]() |
الشرط الثالث: أن يتم الإيجاب والقبول في مجلسٍ واحدٍ بحضور الشهود، فلو تعدد المجلس لم ينعقد العقد، وهو الذي يسميه الفقهاء اتحاد المجلس. |
![]() |
الشرط الرابع: أن لا يرجع الموجب عن إيجابه قبل قبول القابل، فإن رجع لم ينعقد العقد ما لم يقبل الآخر. |
![]() |
الشرط الخامس: أن لا يفصل بين الإيجاب والقبول بكلامٍ خارجٍ عن صيغة النكاح. |
![]() |
أولًا: تعريف الولي: الولي في اللغة: من ولي فلانٌ الأمر أي قام به، والولاية في اللغة النُّصرة. |
![]() |
وأما في الاصطلاح: فهي تنفيذ القول على الغير شاء أو أبَى. والمقصود بالولاية في النكاح: الولاية على النفس، وتنقسم إلى قسمين: |
![]() |
ذهب جمهور الفقهاء غير الحنفية إلى أن الولاية في النكاح ولاية إجبار أو ولاية شركة، فليس للمرأة عند الجمهور أن تنفرد بإنشاء العقد، بل لا بد من مشاركة الولي لها في اختيار الزوج بعد اتفاق الولي معها على الزواج، فلا بد من اشتراكهما معًا في الاختيار -يشترك الولي مع المرأة في اختيار الزوج- وبعد ذلك ينفرد الولي بإنشاء العقد، وهذه الولاية على النفس يسميها جمهور الفقهاء ولاية إجبار. | |
![]() |
وذهب الحنفية إلى أن الولاية في النكاح ولاية استحباب؛ لأنهم يرون أن البالغة العاقلة ليس لأحدٍ عليها سلطانٌ في شأن زواجها، ولكن يُستحسن أن يتولى الولي بالنيابة عنها صيغة النكاح. |
![]() |
حكم الولاية في عقد النكاح: يرى الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد أن الولاية في النكاح ركنٌ فلا يصح العقد إلا بولي، ويرى الحنفية إلى أن الولاية في النكاح ليست شرطًا ولا ركنًا؛ فيجوز عندهم أن تتولى المرأة البالغة العاقلة إنشاء العقد بنفسها لنفسها أو لغيرها، أذن الولي في ذلك أم لم يأذن، ولكن الحنفية اشترطوا أن تتولى المرأة العقد بشرط أن تعقد على كفءٍ، وبمهر المثل، ويرى صاحباه: محمد بن الحسن، وأبو يوسف؛ أنه يجوز لها ذلك؛ ولكن بشرط إذن الولي، فإن أذن لها الولي عقدت وإن لم يأذن فلا. |
![]() |
أولًا: أدلة أصحاب الرأي الأول، وهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد؛ الذين يرون أن الولاية ركن في النكاح فلا يصح العقد إلا بولي، واستدلوا بالكتاب وبالسُّنة وبالمعقول. |
![]() |
فمن الكتاب: قوله تعالى: ((فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا)) [البقرة: ٢٣٠]، ووجه الاستدلال من الآية هو أن الله -تعالى- أضاف النكاح إلى المرأة بقوله: ((حَتَّى تَنكِحَ)). |
![]() |
ومن السُّنة: استدل بقوله صلى الله عليه وسلم: {{الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها}} أي: سكوتها، وفي رواية: {{الثيب أحق بنفسها من وليها}}، ووجه الاستدلال من الحديث أنه أفاد حكمين: |
![]() |
أدلة أصحاب الرأي الثالث وهما الإمام أبو يوسف، ومحمد بن الحسن صاحبي الإمام أبي حنيفة، فإنهما قد استدلا على ما ذهبا إليه، وهو جواز تولي المرأة إنشاء عقد الزواج لنفسها بنفسها بشرط إذن الولي في ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: {{أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ}}، ... |
| ... ووجه الاستدلال من الحديث هو أنه صلى الله عليه وسلم أثبت أن نكاح المرأة بغير إذن وليها باطل، والإذن أعم من أن يكون سابقًا أو لاحقًا؛ لذلك فإذا أذن الولي بعد العقد صار العقد صحيحًا نافذًا. | |
![]() |
وقد ناقش الإمام ابن حزم أدلة الحنفية؛ فقال: هذا كله منسوخ بإبطاله عليه الصلاة والسلام النكاح بغير ولي، وسائر الأحاديث التي فيها أن نساءً أُنْكحن بغير إذن أهلهن، فرد عليه الصلاة والسلام نكاحهن، وجعل إليهن إجازة ذلك إن شئن، فكلها أخبارٌ لا تصح؛ لأنها إما مرسلة، وإما من رواية علي بن غِراب، وهو ضعيفٌ. |
![]() |
العضل في اللغة المنع، يقال: عضل الولي حُرمته أي: منعها التزويج، ومنه قول الله تعالى: ((فَلا تَعْضُلُوهُنَّ)) [البقرة: ٢٣٢] أي: تمنعوهن يقال: أردت أمرًا فعضلتني عنه أي: منعتني منه وضيقت علي. إذن العضل في اللغة المنع. |
![]() |
وأما في الاصطلاح فهو: منع المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك ورغب كلُّ واحدٍ منهما في صاحبه. |
![]() |
وحكمه: حرامٌ؛ لأنه ظلم، فيحرم على الولي أن يعضل موليته ويمنعها من التزويج بالكفء الذي تقدم لها واختارته زوجًا لها طالما كان كفئًا والمهر مهر المثل، ويُستدل على التحريم بقول الله تعالى: ((وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ)) [البقرة: ٢٣٢]، ووجه الاستدلال من الآية الكريمة هو أن الآية صريحة في النهي عن العضل، وسبب نزولها أنها نزلت في معقل بن يسار مع أخته التي كانت تحت أبي الدحداح -أي: زوجة له- ثم طلقها وتركها حتى انقضت عدتها ثم ندم وعاد يخطبها فرضيت هي أن تعود إليه، وأبَى وامتنع معقل أن يزوجها منه مرةً ثانيةً، وقال لها: وجهي من وجهك حرامٌ إن تزوجتيه، فنزلت هذه الآية، فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معقلًا فقال: إن كنت مؤمنًا فلا تمنع أختك من أبي الدحداح، فقال معقلٌ: "آمنت بالله" وزوجها منه. |
![]() |
ونتساءل: مَن الذي يزوج إذا عضل الولي؟ اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: |
![]() |
أولًا: إذا طلبت المرأة البالغة العاقلة الرشيدة من وليها الأقرب تزويجها من كفءٍ وبمهر مثل، فامتنع فإنه يكون عاضلًا. |
![]() |
ثانيًا: إذا دعته إلى تزويجها بأقل من مهر المثل أو بنقدٍ غير نقد البلد؛ لأن المهر حقٌّ خالصٌ لها، فامتنع في هذه الحالة أيضًا فإنه يكون عاضلًا. |
![]() |
ثالثًا: إذا طلبت التزويج من رجلٍ وادعت بأنه كفءٌ وأنكر الولي كفاءته، فإن الأمر في هذه الحالة يُرفع إلى القاضي، فإن لم تثبت كفاءة الزوج لم يعتبر عاضلًا، وإن ثبتت كفاءته لها ورفض كان عاضلًا، ويلزمه القاضي بالتزويج، فإن امتنع؛ زوَّجها القاضي على رأي الجمهور القائل بأن الولاية تنتقل إلى السلطان، أو الولي الأبعد على رأي الحنابلة القائل بأن الولاية تنتقل إلى الولي الأبعد. |
![]() |
اختلف الفقهاء أيضًا في هذه المسألة على مذهبين: |
![]() |
المذهب الأول: يرى الحنفية، والمالكية، والحنابلة في رواية أن الولاية تنتقل إلى الأبعد. | |
![]() |
المذهب الثاني: مذهب الشافعية، والحنابلة في الرواية الثانية يرون أن الولاية تنتقل إلى السلطان. |
![]() |
وسبب الاختلاف هل الغيبة -غيبة الولي الأقرب- بمنزلة موته أم لا؟ فمن قال بأنها بمنزلة موت قال: بأن الولاية تنتقل إلى الأبعد، ومن قال: إنها ليست بمنزلة الموت قال بأن الولاية تنتقل إلى السلطان. |
![]() |
استدل أصحاب الرأي الأول القائل بأن الولاية تنتقل إلى الأبعد بقوله -صلى الله عليه وسلم: {{السلطان ولي من لا ولي له}} ووجه الدلالة هو أن هذه المرأة لها ولي وهو الأبعد، فلا تنتقل إلى السلطان بل تنتقل إلى الأبعد كما لو مات الأقرب. |
![]() |
واستدل أصحاب الرأي الثاني بأن ولاية الأقرب باقيةٌ عليها، بدليل أنه لو زوجها من مكانه لصح ذلك -لو زوجها الأقرب من مكانه لصح ذلك- وإنما تعذر الأمر لغيبته فناب عنه الحاكم. |
![]() |
والرأي الذي أراه راجحًا هو الرأي الأول القائل بأن الولاية تنتقل إلى الولي الأبعد؛ وعلة الترجيح أن الولي الأبعد من عصبتها، وينظر ما فيه المصلحة لمن له عليها الولاية كما لو كان الغائب حاضرًا تمامًا؛ لوجود القرابة الداعية إلى الشفقة بين الولي وبين من له عليها حقّ الولاية. |
![]() |
والأصل في الأبضاع الاحتياط لها، وما ذلك كله إلا من أجل الحفاظ عليها وصونًا لها عن الجحود؛ لذلك اشترط الشارع لعقد النكاح شاهدي عدلٍ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: {{لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدلٍ}}، ويشترط في الشاهدين عدة شروط: |
![]() |
الحرية. | |
![]() |
الذكورة، وهذا عند جمهور الفقهاء -كما سنعلم إن شاء الله- خلافًا للحنفية. | |
![]() |
العدالة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم: {{لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدلٍ}}، والعدالة صفةٌ تقتضي اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، وتأمر الإنسان بالمعروف وتنهاه عن المنكر. |
![]() |
السمع، وذلك بأن يكون كلٌّ من الشاهدين يسمع كلام العاقدين ويفهمه. | |
![]() |
البصر عند من يرى أن هذا شرطٌ من شروط الشاهدين، فلا بد وأن يكون كلٌّ منهما يرى العاقدين ويعلمهما، ويعرف الموجب ويعرف القابح، وهذا شرطٌ عند بعض الفقهاء. | |
![]() |
كون كلٌّ من الشاهدين ناطقًا رشيدًا ضابطًا. | |
![]() |
أن لا يكون وليًّا؛ كالأب مثلًا. |
![]() |
هل يجوز شرعًا أن ينعقد النكاح بشهادة رجلٍ وامرأتين؟ |
![]() |
يرى الحنفية والحنابلة في رواية جواز شهادة امرأتين مع الرجل على عقد النكاح، فلو انعقد النكاح بشهادة رجلٍ وامرأتين صح العقد عند الحنفية والحنابلة في رواية. | |
![]() |
ويرى المالكية، والشافعية، والحنابلة في الرواية الثانية عنهم عدم جواز شهادة امرأتين مع الرجل على عقد النكاح. |
![]() |
استدل أصحاب الرأي الأول وهم الحنفية والحنابلة في رواية بقوله -صلى الله عليه وسلم: {{لا نكاح إلا بشهود}} ذكره الشوكاني في (نيل الأوطار) ووجه الاستدلال من الحديث أنه متى اجتمع الرجل مع النساء غُلِبَ اسم التذكر فقيل: هم "الشهود"، ونُوقش هذا الخبر بأنه -الخبر- يقتضي من ينتفي النكاح بعدمه. |
![]() |
ويستدل على المذهب الثاني القائل بأن المرأة لا يجوز أن تشهد لعقد النكاح مع الرجل بقوله -صلى الله عليه وسلم: {{كل نكاح لا يحضره أربعة فهو سفاحٌ: خاطبٌ، وولي، وشاهدان}}. |
![]() |
والذي أراه راجحًا هو الرأي الثاني القائل بعدم جواز شهادة المرأة على عقد النكاح، وعلة الترجيح أن عقد النكاح يحضره الرجال في الغالب، والأصل في المرأة عدم مخالطتها للرجال. |