١.٢ تعريف النكاح لغة وشرعًا وحكمه


تعريف النكاح لغة وشرعًا

النكاح في اللغة

الضم والجمع، ومنه تناكحت الأشجار: إذا تمايلت، والعرب تستعمله بمعنى الوطء والعقد جميعًا؛ لأنه معقود من غيره؛ ولأنهما لا يُفهمان إلا بقرينة، أو تحمله على الاشتراك فيهما، أي أن العرب تحمل كلمة النكاح على الاشتراك في الوطء، والعقد، ولكنهم يفرقون بينهما بقولهم: نكح فلان فلانة، أو بنت فلان، يريدون أنه تزوجها وعقد عليها، فإذا ما قالوا: نكح فلان فلانة أو بنت فلان، ويريدون العقد كان ذلك جائزًا، وإذا قالوا: نكح زوجته أو امرأته، لم يريدوا به إلا المجامعة.

النكاح في اصطلاح الفقهاء
عرفه الحنفية بقولهم: عقد يفيد ملك المتعة، أي حل استمتاع الرجل من امرأة لم يمنع من نكاحها مانع شرعي.
وعرفه المالكية بقولهم: عقد لحل تمتعٍ بأنثى غير محرم، ومجوسية، وأمة كتابية بصيغة.

١.٢ تعريف النكاح لغة وشرعًا وحكمه


وعرفه الشافعية بقولهم: عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح أو نحوه.
وعرفه الحنابلة بقولهم: عقد يعتبر فيه لفظ إنكاح أو تزويج في الجملة.

وبالنظر في هذه التعاريف نجدها تنتهي إلى معنى واحد، وهو أن القصد من الزواج هو ملك المتعة أو حلها بين الزوجين، وهذا هو مقصده عند الناس، لكن القصد الأسمى من النكاح في الشرع، وعند أهل الفكر والنظر؛ هو التناسل، وحفظ النوع الإنساني، وأن يجد كل واحد من العاقدين في صاحبه الأُنس الروحي الذي يؤلف بينهما، وتكون به الراحة وسط شدائد الحياة؛ ولذلك قال الحق -سبحانه وتعالى: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)) [الروم: ٢١].

والفقهاء أنفسهم لاحظوا هذا المعنى، فقال الإمام السرخسي: ليس المقصود بهذا العقد قضاء الشهوة، وإنما المقصود ما بيناه من أسباب المصلحة، ولكن الله -تعالى- علق به قضاء الشهوة؛ ليرغب فيه المطيع والعاصي، المطيع للمعاني الدينية، والعاصي لقضاء الشهوة، بمنزلة الإمارة، ففيها قضاء شهوة الجاه، والنفوس ترغب فيها لهذا المعنى أكثر من الرغبة في النكاح، حتى تُطلب ببذل النفوس وجر العساكر، لكن ليس المقصود بها قضاء شهوة الجاه، بل المقصود بها إظهار الحق والعدل.


١.٢ تعريف النكاح لغة وشرعًا وحكمه


وإذا كانت تعريفات الفقهاء لا تكشف عن المقصود من عقد النكاح في نظر الشارع، فلا بد إذن من تعريف يكشف عن حقيقة هذا العقد، ولعل التعريف الموضح لذلك أن نقول: إنه عقد يفيد حل العشرة بين الرجل والمرأة- بما يحقق ما يقتضيه الطبع الإنساني- وتعاونهما -مدى الحياة- وتحديد ما لكل منهما من حقوق، وما عليه من واجبات.

حكم النكاح

إذا ما أطلقت كلمة الحكم، فإنه يندرج تحتها أمران:
الأمر الأول: الحكم التكليفي من ناحية الوجوب، أو الندب، أو الحرمة، أو الكراهة، أو الإباحة.
الأمر الثاني: الحكم بمعنى الأثر المترتب على الشيء.

وهنا نتحدث عن حكم النكاح التكليفي، أي الصفة الشرعية الموضوعة للنكاح:
يرى جمهور الفقهاء أن النكاح مندوب إليه، ويرى الظاهرية أنه واجب، ويرى متأخرو المالكية أنه في حق بعض الناس واجب، وفي حق بعضهم مندوب إليه، وفي حق بعضهم مباح، وذلك حسب ما يخاف الشخص على نفسه في وقوع الزنا.

١.٢ تعريف النكاح لغة وشرعًا وحكمه


وسبب اختلافهم كما قال العلامة ابن رشد -رحمه الله: هل تحمل صيغة الأمر بالنكاح في قوله تعالى: ((فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاء)) [النساء: ٣] وقوله صلى الله عليه وسلم: {{تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم}}، وما أشبه ذلك من الأخبار الواردة في ذلك، على الوجوب، أم على الندب، أم على الإباحة؟ فمن حملها على الوجوب قال بوجوب النكاح، وهم الظاهرية، ومن حملها على الندب، وهم جمهور الفقهاء قالوا: إن النكاح مندوب إليه، ومن لم يحملها على هذا ولا ذاك، قال: إن النكاح الأصل فيه الإباحة.
ولكننا بعد الرجوع وتحقيق هذه المسألة، وتأصيلها، تبين لنا أن النكاح من الناحية التكليفية تعتريه الأحكام التكليفية الخمس:
فقد يكون النكاح واجبًا: وذلك إذا ما تيقن الرجل وقوعه في الزنا إن لم يتزوج، فيجب عليه أن يتزوج؛ حتى لا يقع في الحرام.
وقد يكون النكاح مندوبًا: وذلك إذا ما خشي الوقوع في الزنا، لم يتيقن، ولكنه خشي، وخاف أن يقع في الزنا إن لم يتزوج، وكانت لديه القدرة المادية على مؤن النكاح في الحالتين.
وقد يكون النكاح حرامًا: إذا تيقن الزوج ظلم زوجته -ماديًّا أو غير مادي- إن تزوج؛ فما أدى إلى حرام فهو حرام.
وقد يكون مكروهًا: وذلك إذا ما خشي ظلم الزوجة ماديًّا أو غيره.
وفيما عدا هذه الأحوال الأربع فإنه يكون مباحًا.


١.٢ تعريف النكاح لغة وشرعًا وحكمه


أدلة مشروعية النكاح

يستدل على مشروعيته بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة:
فمن الكتاب أدلة كثيرة؛ منها:
قول الله تعالى: ((فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ)) [النساء: ٣].
فوجه الاستدلال من الآية الكريمة: أن الله تعالى أمر المسلمين بالإنكاح معلقًا هذا الأمر بالاستطابة، أي ممن يحل الزواج بهن.
كما يستدل كذلك على النكاح من القرآن الكريم، بقول الله تعالى: ((وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)) [النور: ٣٢]، فلقد أمر الله -عز وجل- عباده في هذه الآية الكريمة بتزويج الأيامى، والأيامى: جمع أيم، وهو من لا زوج له ذكرًا، أو امرأة، بكرًا كان أم ثيبًا، والأمر هنا للنهي.

ويستدل على مشروعية النكاح من السنة بأحاديث كثيرة، أيضًا؛ منها:
ما رواه البخاري ومسلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)).

١.٢ تعريف النكاح لغة وشرعًا وحكمه


قال العلامة الخطابي يرحمه الله: المراد بالباءة: النكاح. قال النووي: واختلف العلماء في المعنى المراد بالباءة هنا على قولين، يرجعان إلى معنى واحد، أصحهما: أن المراد: معناها اللغوي؛ وهو الجماع، وتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه، فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ليدفع شهوته، ويقطع شر منيِّه كي يقطعه الوجاء، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشبان الذين هم مظنة شهوة النساء، ولا ينفكون عنها غالبًا.
والقول الثاني: أن المراد بالباءة مؤن النكاح، سميت باسم ما يلازمها، وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطعها فليصم ليدفع شهوته.
وأما الوجاء: فهو رض الخصيتين؛ أي: انتزاعهما، والمراد هنا: أن الصوم يقطع الشهوة، ويقطع شر المني، كما يفعله الوجاء، وفي الحديث: الأمر بالنكاح لمن استطاعه، وتاقت إليه نفسه، أي: اشتاقت إليه نفسه.
ومن الإجماع: فإن الأمة الإسلامية قد أجمعت على مشروعية النكاح، من لدن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى وقتنا هذا، ولم ينكر ذلك أحد.