٣.١ الأسس الواجب مراعاتها لاختيار الزوج والزوجة


أسس اختيار الزوجة الصالحة

وحسن اختيار الزوجة فيه إسعاد للرجل، وتنشئة الأولاد نشأةً صالحةً تتميز بالاستقامة وحسن الخلق؛ ومن ثَمّ يقول صلى الله عليه وسلم: {{تخيّروا لنطفكم؛ فانكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم}}.

ومن أهم الصفات التي يجب الحرص على توافرها في الزوجة ما يأتي:
أولًا: أن تكون الزوجة ذات دِين وخُلُق؛ للحديث المتفق عليه الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: {{تُنْكَحُ المرأةُ لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدِينها؛ فاظفرْ بذات الدين تَرِبَتْ يَدَاكَ}}. ومعنى {{تَرِبَتْ يَدَاكَ}} أي: استغنيتَ إن فعلتَ ذلك، وظفرتَ بذات الدِّين. أو المعنى افتقرتَ إن خالفتَ ذلك ولم تظفرْ بذات الدين، والمراد بالدِّين هنا: الطاعات، والأعمال الصالحة، والعفة عن المحرمات.

٣.١ الأسس الواجب مراعاتها لاختيار الزوج والزوجة


وليس المراد بالصلاح في الرجل أو المرأة هو أداء الصلاة فقط أو الصيام فقط، بل هو مجموعة من الخصال الحميدة المكنونة في النفس، وما الصلاة والصيام، وغيرهما إلا قرائن تشير إلى ما يتمتع به الإنسان من هذه الخصال، فليس هناك سعادة في الحياة تعدل سعادة الزوج الذي رُزِقَ بزوجة صالحة؛ وذلك لأنها ستكون مصدرًا من مصادر الخير والبركة، فإن كان الزوج فقيرًا أغنته زوجته الصالحة بزهدها وقناعتها، وإن كان هذا الزوج فظًّا غليظ القلب ألانته بحلمها وعطفها، وإن كان هذا الزوج عاصيًا لله ولرسوله كانت هذه الزوجة الصالحة قدوة صالحة له، وغير ذلك من الجوانب، والتاريخ -حديثًا وقديمًا- خير شاهد على ذلك.
ثانيًا: أن تكون الزوجة ولودًا، واستدلوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: {{تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثرٌ بكمُ الأممَ يوم القيامة}} ويُعْرَف كون البكر ولودًا بكونها من نساءٍ يُعْرَفْنَ بكثرة الأولاد.
ثالثًا: أن تكون ذات خُلُق حسن؛ لعموم النصوص التي تحضُّ على مكارم الأخلاق؛ ولأن النكاح يُراد للعشرة، ولا تصلح العشرة مع الحمقاء ولا يطيب العيش معها، وربما تتعدّى ذلك إلى ولدها، وقد قيل: [[اجتنبوا الحمقاء؛ فإن ولدها ضياع؛ وصحبتها بلاء]].
رابعًا: أن تكون بِكرًا، أي لم يسبق لها الزواج؛ فعن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت لو أنك نزلت واديًا فيه شجرة قد أُكِلَ منها، ووجدت شجرًا لم يؤكل منها، في أيِّها كنت ترتع بعيرك؟ قال: {{في الذي لم يُرْتَعْ منها}} تعني: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يتزوج بِكرًا غيرها.

٣.١ الأسس الواجب مراعاتها لاختيار الزوج والزوجة


ودلالة هذا الحديث على أفضلية التزوج من البِكر ظاهرةٌ تؤخذ من النتيجة التي سلّم بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد ذكر مقدماتها، من تلك الفصيحة البليغة الصديقة بنت الصديق -رضي الله تعالى عنهما- هذا بالإضافة إلى ما في الأبكار من قرب العهد بالصبا، وما يشتملن عليه من الميل إلى الفكاهة واللعب، والنظر إلى الحياة بأملٍ ورغبةٍ في الاستمتاع، وذلك واضحٌ كلّ الوضوح مما جاء في حديث جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنهما: "أن عبد الله -أي والده- هلكَ وترك تسع بنات- أو قال: سبعًا- فتزوجتُ امرأةً ثيبًا، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{يا جابر؛ تزوجت؟}} قال: قلت: نعم. قال: {{فبكر أم ثيب؟}} قال: قلت: بل ثيب يا رسول الله. قال: {{فهلّا جارية تلاعبها وتلاعبك؟!}} (وفي رواية أخرى: {{تضاحكها وتضاحكك}} ) قال: قلت له: إن أبي هَلَكَ وترك تسع بناتٍ -أو سبعًا- وإني كرهت أن آتيهن أو أجيئهن بمثلهن، فأحببت أن أجيء بامرأةٍ تقوم عليهن وتصلحهن. قال: {{فبارك الله لك}}. أو قال لي خيرًا وفي رواية أخرى: امرأة تقوم عليهن وتمشِّطهن. قال: {{أصبتَ}}".
ويجب علينا قبل أن نترك الكلام على هذه الصفة -ألا وهي صفة البكارة- أن نشير إلى أن الحضَّ على تزوج البِكر لا يقتضي أبدًا كراهةَ التزوج بالثيب، بل قد تكون للزوج أغراض لا تتحقق إلا بزواجه من امرأة ثيب ذات خبرة كبيرة بأسباب الحياة، ولا سيما إذا كان هذا الزوج ذا عيالٍ من إخوةٍ صغارٍ كما كان سيدنا جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أو أطفال من زوجة سابقة، ويشهد لذلك ما فعله سيدنا جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنه.

٣.١ الأسس الواجب مراعاتها لاختيار الزوج والزوجة


خامسًا: أن تكون المرأة المراد الزواج منها قليلة المؤنة، أي خفيفة المهر والتكاليف، ويُسْتَدَلّ على ذلك بما روي عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: {{من يُمْنِ المرأة: تسهيل أمرها، وقلة صَدَاقِها}} وقال عروة: أول شؤم المرأة أن يكثر صداقها.

هذه من أهم الصفات التي حثت عليها النصوص الشرعية، لكن بعض الفقهاء أضاف صفاتٍ أخرى استفيدت من آثارٍ ضعيفةٍ، أو من بعض التجارب، أو من تأويل لبعض النصوص، من هذه الصفات:
أن تكون طيبةَ الأصل؛ تأويلًا لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: {{ولحسبها}} أما خبر {{تخيروا لنطفكم ولا تضعوها إلا في الأكفاء}} فقد قال فيه أبو حاتم الرازي: ليس له أصل. وقال ابن الصلاح: له أسانيد فيها مقال. وقال الخطيب في (تاريخه): كل طرقه واهية. وعندما صحّحه الحاكم ردّ عليه الذهبي ولم يوافقه بقوله: الحارث متّهم، وعكرمة ضعّفوه. وقد علّل الحنابلة ذلك بقولهم: ((ليكون ولدها نجيبًا)) فربما أشبه أهلها ونزع إليهم. وقالوا: لا ينبغي تزوج بنت زنا، أو لقيطة، ومن لا يعرف أبوها.
ألا تكون ذات قرابة قريبة، وذلك بأن تكون أجنبية أو ذات قرابة بعيدة؛ لما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قال: ((اغتربوا لا تضووا)) أي: تزوجوا بعيدة الأنساب ولا تتزوجوا قريبة النسب؛ حتى لا يأتي النسل ضعيفًا.

٣.١ الأسس الواجب مراعاتها لاختيار الزوج والزوجة


ونُقِلَ عن الشافعي -يرحمه الله- أنه قال: يُسْتَحَبُّ للرجل ألا يتزوج من عشيرته. وفي هذا يقول ابن قدامة في كتابه (المغني): الأوْلى حمل كلام الشافعي -رضي الله تعالى عنه- على عشيرته الأقربين. ولا يُسْتَشْكَلُ على ذلك بزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- من السيدة زينب بنت جحش -رضي الله تعالى عنها- من أنها بنت عمته؛ لأنه تزوجها بيانًا للجواز، ولا بتزوج علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- من فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لأنها بعيدة في الجملة؛ إذ هي بنت ابن عمه، وأيضًا بيانًا للجواز.
أن تكون على قدر مناسب للجمال؛ لأن الجمال أسكن للنفس، وأغض للبصر، وأكمل للمودة، ولقد ورد في بعض الأحاديث قيل: يا رسول الله؛ أيُّ النساء خير؟ قال: ((التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره)).
قال العلامة الماوردي -رحمه الله: لكنهم كرهوا ذوات الجمال البارع؛ لأن كل واحدة منهن تزهو بجمالها.
أن تكون عاقلةً. قال العلامة الإسنوي: ويتجه أن يراد بالعقل هنا العقل العرفي، وهو ما كان زيادة على مناط التكليف.
ألا يكون لها مطلق يرغب في نكاحها؛ لاحتمال تعلقها به أو تعلقه بها؛ فيفسد ذلك عليه حياته الزوجية بسبب الصلة التي كانت بينها وبين مطلقها، واطلاع كل منهما على أسرار الآخر وأخص خصوصياته.
فيجب أن يختارَ كلٌّ من الطرفين شريكَ حياته وفقًا لهذه المواصفات والضوابط الشرعية التي وضعها الله -سبحانه وتعالى- على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- ليسعد بذلك كلٌّ من الطرفين، فتسعد الزوجة بسعادة زوجها، والزوج بسعادة زوجته.

٣.١ الأسس الواجب مراعاتها لاختيار الزوج والزوجة


قال صاحب (الدر المختار): ويندب كونها دونه سنًّا وحسبًا وعزًّا ومالًا، وفوقه خُلُقًا وأدبًا وورعًا وجمالًا، أما دونه سنًّا -يعني أقل منه في السن- فحتى لا يسرع إليها العقم لو كانت أكبر منه، كما أن مظاهر الكِبَر تسرع إلى المرأة في سنٍّ يكون الرجل فيها قد بلغ أشده، وذلك في سن الأربعين. أما كونه دونه حسبًا وعِزًّا ومالًا؛ فذلك حتى تنقاد له ولا تحتقره؛ لأنها إن كانت فوقه في هذه الأمور ترفعت عليه، وهذا مشاهد في الواقع لا يحتاج إلى نصوص للاستشهاد عليه.

أسس اختيار الزوج
نظرًا لأن عقد النكاح من أعظم العقود خطرًا، وأجلها منزلةً؛ لما يترتب عليه من آثار شرعية؛ فلقد حثّ الإسلامُ الزوجةَ وولي
أمرها على أن يختارا الزوج الصالح الذي هو عنده دين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: {{إذا جاءكم من ترضون دينه وخُلُقَه فزوجوه؛
إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ». قالوا: يا رسول الله، وإن لم يكن له مال؟ قال: «إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض
وفسادٌ كبيرٌ}}
. قالها ثلاث مرات.
ويروى أن رجلًا ذهب إلى الإمام الحسن البصري -يرحمه الله- وقال: يا إمام، إن لي ابنةً، فعلام تشير أن أزوجها؟ قال: لمن لديه دين؛ لأنه إن أحب أكرم، وإن كره لم يظلم.