١.١ أهمية الأسرة واهتمام الإسلام بذلك


ينبثق نظام الأسرة من مَعِين الفطرة وأصل الخلقة، وقاعدة التكوين الأولى للأحياء جميعًا وللمخلوقات كافةً، يقول عز من قائل: ((وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) [الذاريات: ٤٩] كما يقول عز شأنه: ((سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ)) [يس: ٣٦].
إن النظام الإسلامي يجعل الأسرة هي العمود الفقري الذي يقوم عليه المجتمع الإسلامي، وقد أحاطها الإسلام برعاية عظيمة في كل مراحل تكوينها، وقد استغرق تنظيمها وحمايتها وتطهيرها من فوضى الجاهلية جَهدًا كبيرًا، وأحاطها كذلك بكل المقومات اللازمة لإقامة هذه القاعدة الأساسية الكبرى للمجتمع المسلم.
ونظرًا لأهمية هذه القاعدة في تكوين النظام الاجتماعي، رَبَطَها الإسلام بجاذبية الفطرة بين الجنسين؛ حيث أودع في كل طَرَف رغبةً ملحّةً للطرف الآخر؛ لتحقيق المودة والسكينة التي يبحث عنها كلٌّ منهما لدى الآخر؛ وما ذاك إلا لتتجه لإقامة الأسرة القوية، وتكوين البيت الصالح الذي يتكون من مجموعهما المجتمع الصالح، يقول عز شأنه وجل سلطانه: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)) [الروم: ٢١] كما يقول عز شأنه وجل سلطانه: ((وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا)) [النحل: ٨٠].
إن الأسرة هي الوضع الفطري الذي ارتضاه الله تعالى لحياة الناس منذ فجر الخليقة، واتخذ من الأنبياء والرسل مثلًا يحتذى في ذلك، فقال عز شأنه: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً)) [الرعد: ٣٨].

١.١ أهمية الأسرة واهتمام الإسلام بذلك


إن الفطرة التي فَطَرَ الله الزوجين عليها، وهذه المودة التي يتتوق إليها كل طرف ويبحث عنها لدى الطرف الآخر، وتلك السكينة التي تظلّل هذه الخليّة الناشئة، وهذه الرحمة التي تغمر قلبي طرفيها، هذه المعاني كلها تجعل الرجل يندفع للارتباط بمن شاء، مضحِّيًا من أجلها بماله، ومغيِّرًا طريقة حياته؛ مستبدلًا بروابطه السابقة روابطَ أخرى، وهي التي تجعل المرأة أيضًا تقبل الانفصال عن أهلها ذوي الغيرة عليها، وتترك أبويها وإخوانها وسائر أهلها؛ لترتبط بالزواج برجلٍ غريبٍ عنها، تقاسمه السرّاء والضرّاء، وتسكن إليه ويسكن إليها، ويكون بينهما من المودة والرحمة أقوى من كل ما يكون بين ذوي القربى؛ وما ذاك إلا لثقتها بأن صلتها به ستكون أقوى من أية صلة، وعيشتها معه أهنأ من كل عيشة، وهذا ميثاقٌ فطريٌّ من أغلظ المواثيق وأشدّها إحكامًا.
وإننا- بتوفيق الله تعالى وعونه- من خلال حديثنا عن فقه الأسرة، سنفصّل القول في الأحكام التي وضعها الشرع من خلال القرآن والسنة، كرابط قويّ إيمانيّ يربط أواصر هذه الأسرة منذ نشأتها حتى يشاء الله -سبحانه وتعالى.

الكتب المؤلفة في فقه الأسرة
الكتب المؤلفة في فقه الأسرة كثيرة؛ وهي مستمدة -كما نعلم- من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، التي توضح لنا الأحكام الشرعية التي شرعها الله -سبحانه وتعالى- كروابط إيمانية تربط هذه الأسرة وتؤسس بنيانها على تقوى من الله ورضوان.

١.١ أهمية الأسرة واهتمام الإسلام بذلك


وأهم هذه المؤلفات كُتب الفقه المذهبية؛ سواء كُتب الحنفية، أو المالكية، أو الشافعية، أو الحنابلة، أو غيرهما من المذاهب الفقهية الأخرى؛ كمذهب الظاهرية، ومذهب الشيعة الإمامية والزيدية، وغيرهما.
والكتب التي تتحدث عن فقه الأسرة على وجه الخصوص للأئمة والعلماء المعاصرين كثيرة، وعلى رأسها:
(الأحوال الشخصية) للإمام محمد أبي زهرة رحمه الله.
(الأحوال الشخصية) للأستاذ الدكتور مصطفى شحاتة رحمه الله.
(الأحوال الشخصية) لفضيلة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله.
(فقه الأسرة) للأستاذ الدكتور أحمد علي طه ريان.
(الأحوال الشخصية للمسلمين) للأستاذ الدكتور فرج زهران الدمرداش.