٤.١ المقصود من الخطبة والشروط الواجب توافرها فيها


ولقد شرع لنا الإسلام قبل عقد النكاح ما يُسَمّى في الشريعة الإسلامية بـ))الخِطْبَة))، ونتحدث الآن عن عن ((الخِطْبَة)) كمقدمةٍ مهمّة يتوقف على نجاحها صحةُ عقد النكاح وسعادة الزوجين.

تعريف ((الخِطْبَة))
فـ((الخِطْبَة)) في اللغة مصدر بمنزلة الخَطْب، يقال: خَطَبَ المرأةَ يَخْطِبُها خَطْبًا وخِطْبةً، واخْتَطَبَ القومُ فلانًا إذا دعوه لتزويج صاحبتهم، فالخِطْبَة في اللغة مصدر خَطَبَ يَخْطِبُ، فهو خَاطِب فهي مَخْطُوبَة.

٤.١ المقصود من الخطبة والشروط الواجب توافرها فيها


حكم الخِطْبَة وشروطها

بما أن ((الخِطْبَة)) مقدمةٌ للزواج فإنها تأخذ حكمه، فإذا كان الزواج بالمرأة ممنوعًا شرعًا كانت ((الخِطْبَة)) ممنوعة كذلك، وإذا كان الزواج مباحًا كانت ((الخِطْبَة)) مباحة كذلك.
وقد يمنع من ((الخِطْبَة)) والزواج مانع شرعي مؤقت؛ لذلك يُشْتَرطُ لجواز الخِطْبَة شرطان:

أولهما: ألا يحرم الزواج بالمرأة شرعًا، فإذا كانت المرأة محرّمة على التأبيد كالأخت وبنتها، أو على التأقيت كزوجة الغير أو أخت زوجته؛ فإنه لا يجوز خِطبتها بأي حال من الأحوال.
أما إذا كانت معتدّةً من زواج سابق؛ فإنه يحرم التصريح بخِطبتها باتفاق الفقهاء، سواء أكانت عدتها عِدة وفاة أم طلاق؛ رجعيٍّ أم بائنٍ؛ لمفهوم قول الحق سبحانه وتعالى: ((وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا)) [البقرة: ٢٣٥].
والتصريح هو ما يقطع بالرغبة في الزواج، كأن يقول لها: إذا انقضت عِدتك تزوجتك. وعلة تحريم التصريح بـ((الخِطْبَة)) أنه ربما تكذب المرأةُ في انقضاء العدة انتقامًا من زوجها المطلق.

٤.١ المقصود من الخطبة والشروط الواجب توافرها فيها


أما التعريض بـ((الْخِطْبَة)) فهو أن يكون بعبارةٍ تحتمل ((الخِطْبَة)) وتحتمل غيرها، كأن يقول لها: ((إنني أريد الزواج)) فإنه يجوز للمعتدّة عِدّة وفاة؛ للنص على ذلك؛ حيث قال عز من قائل: ((وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ)) فهذه الآية خاصّة بالمعتدة عِدّة وفاة؛ لورودها عقب قوله تعالى ((وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)) [البقرة: ٢٣٤].
أما المطلقة طلاقًا رجعيًّا أو بائنًا بينونةً صغرى أو كبرى؛ فلا تجوز خطبتها بأي حال من الأحوال، لا تصريحًا ولا تعريضًا؛ لأن الرجعية زوجة حكمية، شأنها شأن امرأة في عصمة زوجها لم يسبق عليها الطلاق.
والمطلقة طلاقًا بائنًا بينونةً صغرى وإن انتهت الحياة الزوجية بينهما ولا سبيل إلى إعادتها مرة ثانية إلا بعقد ومهر جديدين مع رضا المرأة بذلك، لكن الأمل في إعادة الحياة الزوجية بينهما قائم. والمطلقة طلاقًا بائنًا بينونةً كبرى، فهي؛ وإن كانت لا تحل لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره، لا تجوز خطبتها في العدة، لا تصريحًا ولا تعريضًا؛ خوفًا من وقوع العداوة بين الخاطب والمطلق الذي لا يزال ينفق عليها وهي في العدة.
الشرط الثاني: ألا تكون المرأة مخطوبة سابقًا لخاطب آخر، وأجيب على طلبه، ويستدل على هذا الشرط بقوله -صلى الله عليه وسلم: {{لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له}}. في رواية أخرى: {{نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب}}.

٤.١ المقصود من الخطبة والشروط الواجب توافرها فيها


ووجه الاستدلال من الحديثين الشريفين: هو أن النهي صريح في تحريم الخطبة الثانية إذا تمت الموافقة للخاطب الأول؛ لما في ذلك من إيذائه، وزرع للعداوة بين الخاطب الأول والثاني، فإن عدل الخاطب الأول عن الخطبة، أو أذن للثاني، جازت خطبة الثاني، ولا حرمة عليه في ذلك.

صفة الخطبة

هل للخطبة لفظ مقيد شرعًا لا تتم إلا به، كعقد الزواج مثلًا؟
الجواب: لم يرد نص عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن أحد من الفقهاء، يفيد تقييد الخطبة بلفظ معين، بل الأمر متروك في ذلك إلى ما تعارف عليه الناس، ويدل على طلب الزواج تعريضًا، أو تصريحًا، إذن ليس للخطبة لفظ شرعي مقيد لا تتم إلا به، بل تتم الخطبة بما تعارف عليه الناس.



٤.١ المقصود من الخطبة والشروط الواجب توافرها فيها


حكم الخطبة التكليفي
الخطبة مقدمة لعقد النكاح، وكما سنعرف -إن شاء الله- فإن النكاح تعتريه الأحكام التكليفية الخمس: فقد يكون حرامًا إذا تيقن الزوج ظلم زوجته إذا تزوج، وقد يكون مكروهًا إذا خشي ظلم زوجته إذا تزوج، وقد يكون واجبًا إذا تيقن الوقوع في الحرام إن لم يتزوج، وكان قادرًا ماديًّا على ذلك، وقد يكون مندوبًا إذا ما خشي الوقوع في الحرام إن لم يتزوج، وفيما عدا ذلك يكون مباحًا.
والخطبة بما أنها مقدمة لعقد الزواج، تعتريها -أيضًا- هذه الأحكام التكليفية الخمس: فإذا كان النكاح واجبًا كانت الخطبة واجبة، وإذا كان مندوبًا كانت الخطبة مندوبة، وإذا كان حرامًا كانت الخطبة حرامًا، وإذا كان مكروهًا كانت الخطبة مكروهة، وإذا كان مباحًا كانت الخطبة مباحة، هذا عن حكم الخطبة من الناحية التكليفية.

رؤية المخطوبة

هل أباح لنا الشارع أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته، وما العلة في ذلك؟

٤.١ المقصود من الخطبة والشروط الواجب توافرها فيها


لقد أباح الشارع الحكيم للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته، ويستدل على ذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم: {{إذا خطب أحدكم امرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل}}، وفي رواية أخرى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لرجل تزوج امرأة: {{أنظرت إليها؟}} قال: لا. قال: {{اذهب فانظر إليها}}.
ووجه الدلالة من الحديثين الشريفين:
أنه يندب تقديم النظر إلى من يريد نكاحها؛ لكي يكون ذلك أدوم إلى العِشرة بينهما، ولكن النظر الذي أباحه الشارع للخاطب إلى مخطوبته مقيد بشروط ثلاثة، فما شروط إباحة نظر الخاطب إلى مخطوبته؟
ألا يكون النظر إليها بشهوة، وإلَّا حرم.
عدم الخلوة أثناء النظر.
أن يكون قد عزم على خطبتها، ولديه رغبة في ذلك.

أما عن موضع النظر فهو محل خلاف بين الفقهاء:

٤.١ المقصود من الخطبة والشروط الواجب توافرها فيها


يرى الحنفية: أن الخاطب ينظر إلى الوجه، والكفين، والقدمين، وذلك لأن الوجه هو مصدر للجمال، ولأن الكفين والقدمين، يدلان على خصوبة البدن، أو عدم خصوبته.

وينضبط التكرار بثلاث مرات؛ لما رُوي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للسيدة عائشة -رضي الله عنها: {{أريتك في المنام ثلاث ليال}}؛ ولأن المعرفة تحصل بذلك غالبًا.

٤.١ المقصود من الخطبة والشروط الواجب توافرها فيها


والأَولى أن يُضبط النظر بمدى الحاجة إليه، أي تحقق الغرض منه، الذي شُرع النظر من أجله، ألا وهو تأمل المحاسن، والتحقق من الملامح التي تستريح إليها نفس الخاطب.
أما بالنسبة للضرير فلقد أرشدنا رسولنا -صلى الله عليه وسلم- إلى هذا الأمر، فإن تعذر على الخاطب النظر، فما عليه إلا أن يبعث امرأةً يثق بها، تنظر إلى من يريد خطبتها، وتخبره بصفتها، فلقد رُوي: ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث أم سليم إلى امرأة، وقال لها: انظري عرقوبها، وشمي معاطفها)) وفي رواية أخرى: ((وشمي عوارضها))، وهي الأسنان التي في عرض الفم، وهي ما بين الثنايا والأضراس، واحدها: عارض، والمراد بذلك اختبار رائحة الفم، وأما المعاطف فهي ناحيتا العنق، والقصد من ذلك معرفة نظافة هذه المرأة، أو عدم نظافتها.
ومن السنة أيضًا أن تنظر المخطوبة إلى من يريد خطبتها، والعلة في ذلك أن المرأة يعجبها من الرجل ما يعجب الرجل منها.

حكم لمس الخاطب خطيبته في الخطبة

اتفق الفقهاء على عدم جواز لمس الخاطب مخطوبته بيدٍ أو بغيرها، في أثناء الخطبة وقبل العقد عليها؛ وذلك لأنها أجنبية عنه، وإنما أباح له الشارع النظر -فقط- للحاجة؛ لأنه وسيلة إلى الترغيب في عقد النكاح، وكذلك لا يجوز له الخلوة بها، ولا الخروج معها بدون محرم لها، فطالما لم ينعقد العقد، فهي لا تزال محرمة عليه وغريبة عنه.


٤.١ المقصود من الخطبة والشروط الواجب توافرها فيها


الخلوة بالمخطوبة

ليست الخطبة إلا وعدًا بالزواج، ومن ثم فإنه لا يترتب عليها أي حكم من أحكام العقد، فيحرم خلوة الخاطب بالمخطوبة، أو معاشرتها بانفراد؛ لأنها لا تزال أجنبية عنه، ولقد حذرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الخلوة بالأجنبية إلا مع وجود محرم لها، كأبيها، أو أخيها، أو عمها، فقال صلى الله عليه وسلم: {{لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له؛ فإن ثالثهما الشيطان، إلا محرم}}.

العدول عن الخطبة

العدول عن الخطبة والأثر المترتب عليه:
قد يلزم الأمر فسخ الخطبة من أحد الطرفين، بمبرر أو بدون مبرر، فما الحكم إذا ما عدل أحد الطرفين، أو كلاهما عن الخطبة، بالنسبة لما دُفع من مهر، أو شبكة، أو هدايا؟


٤.١ المقصود من الخطبة والشروط الواجب توافرها فيها


اتفق الفقهاء على أن الخاطب إذا كان قد دفع لمخطوبته عند إعلان الخطبة المهر المسمى، والمتفق عليه، كله أو بعضه، وجب استرداده، أي أن المخطوبة ترد المهر كله إلى الخاطب؛ لأن المهر قد دُفع نظير عقد، ولكنه لم يتم، فيجب علينا أن نرده إلى الخاطب، أما ما يقدمه عادة من الهدايا التي تستهلك، فله حكم الهبة، له أن يرجع فيها، ما لم يكن هناك مانع من موانع الرجوع في الهبات، ومنها الهلاك، وخروج الموهوب عن ملك الموهوب له.
وفصل بعض الفقهاء بين أن يكون العدول من جهة الخاطب، أو من جهة المخطوبة، وهذا هو رأي السادة المالكية، فإذا عدل الخاطب عن الخطبة، فلا يرجع بشيء، ولو كان موجودًا، سواء ما قدمه من شبكة، أو هدايا، أما إذا عدلت المخطوبة؛ فللخاطب أن يسترد الهدايا، سواء أكانت قائمة، أم هالكة، فإن هلكت، أو استُهلكت وجبت قيمتها، وهذا حق وعدل، وهو رأي السادة المالكية، وبه أخذ القانون.
إذن إذا عدل كل من الطرفين عن الخطبة، أو أحدهما، وكان المهر قد دُفع، فباتفاق الفقهاء يسترد المهر كله، أو بعضه؛ لأنه دفع نظير عقد لم يتم، أما الشبكة والهدايا فإن كان العدول من جهته، لا يسترد شيئًا من هذه الشبكة أو الهدايا، أما إن كان العدول من جهتها، وجب عليها أن ترد له كل ما قدم من شبكة أو هدايا، فإن هلكت أو استهلكت، وجب رد قيمتها، وبهذا أخذ القانون.


٤.١ المقصود من الخطبة والشروط الواجب توافرها فيها


هل يجوز شرعًا للولي أن يعرض من له الولاية عليها، على من يراه مناسبًا لها؟ وما دليل ذلك؟
جواب: يجوز شرعًا للولي أن يعرض من له الولاية عليها، على من يراه مناسبًا لها، ويستدل على ذلك بقصة كليم الله موسى -عليه السلام- مع الرجل الصالح فالقرآن الكريم قد بين لنا بيانًا واضحًا جليًّا، أن الرجل الصالح قد عرض بنفسه إحدى بنتيه على كليم الله موسى -عليه السلام- عندما قال له: ((إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ)) [القصص: ٢٧].
ويستدل على ذلك أيضًا بما رُوي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وأرضاه- عندما تأيمت ابنته حفصة -أي مات زوجها- عرضها أولًا على أبي بكر ليتزوجها فأبى، ثم عرضها ثانيًا على عثمان فأبى، فتزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا يوجد مانع شرعي، بل من السنة أن يعرض الأب ابنته على من يرى فيه الخير والصلاح، ويراه مناسبًا للزواج بها.
ولقد روي عن الحسن البصري، عندما سأله رجل، وقال له: لي ابنة، فعلام تشير بي أن أزوجها؟ قال له: زوجها لمن لديه دين؛ لأنه إن أحب أكرم، وإن كره لم يظلم.