٣.١٦ الحِمى: معناه، الأصل فيه, حق الإمام في الحمى، نقضه, المنافع المشتركة


معنى "الحِمَى" والأصل فيه
أشار ابن قدامة إلى: أن معناه: أن يَحمي الإمام أرضًا من الموات، يمنع الناس رعي ما فيها من الكلأ، ليختص بها دونهم. ولا ينبغي أن يُقطع الإمام أحدًا من الموات، إلا ما يمكنه إحياؤه؛ لأن إقطاعه الكثير فيه: تعطيل وتضييق على الناس في حق مشترك بينهم.
كان هذا أسلوبًا معروفًا في الجاهلية، وكان بعض الأفراد يفعله، فنهى عن ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. أما الإمام فإنما يفعل ذلك لمصلحة الناس.
نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عما كان يفعله أهل الجاهلية، لما فيه من التضييق على الناس، ومنْعهم من الانتفاع بشيء لهم فيه حق. وروى الصعب بن جثامة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: {{لا حِمَى إلا لله ولِرسوله}}، رواه أبو داود.
وقال -عليه الصلاة والسلام-: {{الناس شركاء في ثلاث: في الماء، والنار، والكلأ}}، رواه الخلال.
إذن حماية الإمام لمصلحة المسلمين، كرعي خيل المجاهدين، وحفظ نَعَم الجزية وإبل الصدقة، وضوالّ الناس -الدواب التي تضل وتضيع من أصحابها-، كل هذا يحميه الإمام في هذا الحِمَى. ولا يحمي لنفسه حِمًى، إنما يحمي للمسلمين. فهذه المصالح التي يقوم الإمام بحفظها، وماشية الضعيف من الناس على وجه لا يستقر به من سواه من الناس؛ وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في صحيح قولين. يعني: جواز قيام الإمام بالحمى للمسلمين جائز عند جمهور العلماء.

٣.١٦ الحِمى: معناه، الأصل فيه, حق الإمام في الحمى، نقضه, المنافع المشتركة


وقال الشافعي قولًا آخر: ليس لغير النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يَحمي، لقوله: {{لا حِمَى إلا لله ولرسوله}}.
والراجح من أقوال الأئمة الفقهاء تبعًا لأقوال الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-، وفعل عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-، وعن سائر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أن حمى الأئمة جائز؛ لأنه إنما يكون لمصلحة المسلمين، كما فعل عمر -رضي الله تعالى عنه-.

حق الإمام في الحمى والغرض منه
وأشار الشربيني إلى: أن للإمام: أن يحمي بقعة موات لرعي نَعَم الجزية، ولرعي نَعَم الصدقة، ولرعي النَّعَم الضالة، ولرعي نعَم شخص ضعيف لا يقدر أو لا تقدر حيواناته على الرعي مع سائر أنعام الآخرين؛ لأنه لا يستطيع البعد أو الهجرة في طلب المرعى. الإمام يمنع الناس من رعي هذه البقعة -الحمى-، بحيث لا يضرهم بأن يكون هذا الحمى قليلًا من كثير، وبحيث يكون الباقي وراء الحمى يكفي بقية الناس.
ثم ذكر الخطيب الشربيني -رحمه الله-: "أنه -صلى الله عليه وسلم- حمَى النقيع لخيل المسلمين" رواه الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه".
إذن هو الأظهر وهو -كما رأينا-: قول جمهور الأئمة من: المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية.
ويحرم على الإمام وغيره من الولاة: أن يأخذ من أصحاب المواشي التي رعاها لهم ضالة؛ لأن صاحبها ضعيف أو لأنها للمساكين. لا يجوز, بل يحرم عليه: أن يأخذ من أصحاب المواشي عوضًا عن الرعي في الحِمى أو الموات، بلا خلاف. هذه واحدة.

٣.١٦ الحِمى: معناه، الأصل فيه, حق الإمام في الحمى، نقضه, المنافع المشتركة


وكذا يحرم عليه: أن يحمي الماء العِدّ يعني: الماء العذب لشرب خيل الجهاد؛ لأن الناس يحتاجونه، فإذا حماه وقع الناس في حرج, وكلمة العِدّ أيضًا لها معنى آخر غير العذب، أنه: الماء الجاري الذي له مادة لا تنقطع, يعني: مستمر الجريان. لا يجوز للإمام أن يحرم سائر المسلمين من هذا الماء، وأن يحميه لشرب خيل الجهاد فقط، أو إبل الصدقة فقط، أو غيرها؛ لأن الماء مادة ضرورية لكل الناس وقد لا يتوفر لهم غير هذا الماء العِدّ, فكان حراماً على الإمام أن يحميه عنه.

نقض الحمى
قال الخطيب: والأظهر أن له -أي: الإمام- نقض أي: رفع ما حماه، كما قال من قبل ذلك: إن الأظهر: أن له أن يحمي. فالأظهر أيضًا: أن له أن ينقض ما حماه، وكذا ما حماه غيره من الأئمة قبله، إن ظهرت المصلحة في نقضه؛ لأننا في إباحة الحمى أو في نقضه إنما نبحث عن المصلحة. فإذا كانت المصلحة، كان للإمام أن يحمي ما يشاء مما لا يضيق ولا يوقع المسلمين في الحرج. وإذا انتهت المصلحة أو كانت المصلحة في إلغاء ذلك الحمى، كان كذلك.
وقيل: أمَّا ما حماه -صلى الله عليه وسلم-، هذه خصوصية وليس لأحد من الأئمة نقْضه؛ لأنه نصّ عليه. يعني: فعل النبي -عليه الصلاة والسلام- حُجة فلا ينقض؛ لأن نقضه يُعتبر إلغاءً للسنة، ولا يغير بحال ولو استغني عنه. فمن زرع فيه أو غرس أو بنى، خلع غرسه وزرعه وبناؤه.

٣.١٦ الحِمى: معناه، الأصل فيه, حق الإمام في الحمى، نقضه, المنافع المشتركة


وحكى صاحب "الرونق" قولًا وصحَّحه: أنه لا يجوز نقض ما حماه الخلفاء الأربعة -رضي الله تعالى عنهم-. قال السبكي: "وهذا غريب. والأوْلى: القول بأن ينقض اللاحق ما حماه الإمام السابق إذا كانت المصلحة في ذلك".

حكم المنافع المشتركة
المنافع المشتركة: هل تأخذ حكم حريم المعمور؟ أو تأخذ حكم حِمَى الإمام؟ أو تأخذ حكم الأرض الموات التي يجوز إحياؤها؟
بدأ بمنفعة الشارع التي هي المرور فقال: يجوز الجلوس فيه ولو في وسطه، دون أن يلحقه ضرر. ولا يشترط للجلوس في الشارع إذن الإمام. هذا انتهى وقته، وأصبح الآن في ظل الزحام الحديث والنهضة الحديثة, الجلوس في الشارع أو في الطرقات أو على الأرصفة يضرّ بالآخرين ويُمنع، وبالتالي يجوز للإمام بل ينبغي للإمام أن يُعزِّر من يفعل ذلك في ظل العدالة والمساواة. وليس للإمام ولا لغيره من الولاة أن يأخذ ممَّا يرتفق بالجلوس في الشارع ولو لبيع ونحوه عِوَضًا قطعًا. قال ابن الرفعة: "وفاعل ذلك لا أدري بأي وجه يلقى الله تعالى؛ لأنه يبيع المنفعة العامة للمسلمين أو المنفعة المشتركة ويأخذ العوض لنفسه".

٣.١٦ الحِمى: معناه، الأصل فيه, حق الإمام في الحمى، نقضه, المنافع المشتركة


وأما الارتفاق بأفنية المنازل في الأملاك يعني: البيوت التي لها حدائق أمامها، هل يجوز للمارة أن يرتفقوا بها؟ لا؛ لأن هذا يضرّ أصحابها، فإن أضر ذلك بأصحابها مُنعوا من الجلوس فيها إلا بإذنه. وحكم فناء المسجد أيضًا كفناء الدار. ما دمنا قد سمحنا بالجلوس في بعض الطرقات التي لا تضرّ بالمارة, فله أن يضع شمسية -مظلة وغيرها-، أي وسيلة ممّا لا يضر بالمارة كثوب وعباءة لجريان العادة به. فإن كان مثبتًا ببناء لم يَجُز؛ لأن هذا المثبت قد يمنع الآخرين من الانتفاع بهذا الجزء من الشارع.