٢.١٦ إحياء الموات: حكمه، أقسامه، المعمور, الحريم وأنواعه


معنى "الموات"، وحدوده، وحكم إحيائه, ودليله
"الموات": الأرض التي لا ماء لها ولا يُنتفع بها. وقال الماوردي والروياني: حدّ "الموات" عند الشافعي: ما لم يكن عامرًا، ولا حريمًا لعامر.
أما الأصل في مشروعية الموات وإحيائها فعدّة أخبار، منها: خبر: {{مَن عمَر أرضًا ليست لأحد, فهو أحق بها}} يعني: في تملُّكها، وكلمة "التعمير" تساوي كلمة: الإحياء.

بيان أقسام الإحياء، وحكم إحياء الكافر والذمي لأراضي المسلمي
الإحياء أصلي وهو: ما لم يعمر قط، وطارئ وهو: ما خرّب بعد عمارة الجاهلية.
ولا يشترط في نفي العمارة التحقق، يعني: لا يلزم حتى أحيي هذه الأرض أو تلك أن أتحقق من أنها لم تُعمر، وإنما يكفي النظر إلى أنها ليست عامرة. بل يكفي عدم تحقق العمارة بألا يرى أثرها ولا دليلًا عليها من شجر ونهر وجدر وأوتاد ونحوها.
وحكمها الحكم الشرعي في هذه الحالة: إن كانت تلك الأرض ببلاد الإسلام، فللمسلم تملُّكها بالإحياء, ولا يحتاج ذلك إلى إذن من الإمام، اكتفاء بإذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث السابق وغيره: {{مَن أحيا أرضًا ميتة، فله فيها أجْر}}. ولكن يستحب استئذان الإمام، خروجًا من الخلاف.

٢.١٦ إحياء الموات: حكمه، أقسامه، المعمور, الحريم وأنواعه


يعني: بعض الأئمة لم يُجز الإحياء إلا بإذن الإمام.
ويُستثنى من إطلاق تملك الأرض التي لم تعمر: ما تعلق بها حق المسلمين عمومًا, فلا يجوز تملكه؛ لأنه منفعة عامة كالطريق والمقبرة, وكذلك عرفة ومزدلفة ومنى، وما حماه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما عمره الكافر في موات دار الإسلام -يعني: أراضي المسلمين- فإنه لا يملكه، مع أنه أحيا. والحديث عام: {{من أحيا أرضًا}}, إلا أن هذا لا يشمل الذمي، وليس إحياء الأرض المذكورة لذمي ولا غيره من الكفار كما فهم بالأولى حتى ولو أذن له فيه الإمام، إذ إن الذمي لا يتملك أرض المسلمين, سواء أكان ذلك بالإحياء أو بإذن الإمام؛ لأن تملك الذمي أو غير المسلم للأراضي الإسلامية: استعلاء, وهو ممتنع عليهم على غير المسلمين بدارنا. فلو أحيا ذمي أرضًا نُزعت منه، ولا أجرة له في إحيائها. فلو نزعه منه مسلم وأحياها، ملكها المسلم وإن لم يأذن له الإمام. لو أحياها ثم زرعها.
ولو زرعها الذمي وزهد فيها، صرف الإمام الغلة في المصالح العامة، ولا يحل لأحد تملك الغلة؛ لأنها كانت ملكًا لذلك الذمي. أما الذي يجوز للذمي والمستأمَن فهو: الاحتطاب وقطع الحشائش أيضًا والاصطياد بدار المسلمين، ونقل التراب من دارنا لا ضرر علينا في نقله. أما الحربي فيمنع من ذلك. ولو أخذ شيئًا من ذلك مَلَكه كما قاله المتولي.

٢.١٦ إحياء الموات: حكمه، أقسامه، المعمور, الحريم وأنواعه


وإن كانت تلك الأرض ببلاد الكفار -يعني: التي تسمّى دار حرب-, فلهم -أي: لغير المسلمين- إحياؤها مطلقًا؛ لأنه من حقوق دارهم ولا ضرر علينا فيه. ومن أحياها منهم تملَّكها، فيملكونه بالإحياء كالصيد. وكذا للمسلم أيضًا إحياؤها إذا لم يدفعوه أو يمنعوه من ذلك كما يفعل المسلمون الذين يقيمون بالبلاد غير الإسلامية. فللمسلم أيضًا إحياء الأرض في الديار غير الإسلامية إن كانت هذه الأرض مما لا يذبّون -يعني: يدفعون- المسلمين عنها؛ فهي كموات دارنا، ولا يملكها المسلم بالاستيلاء لأنها غير مملوكة لهم حتى يملك عليهم. فإن ذبّوهم عنها فليس له إحياؤها. والمراد بدار الإسلام: كل بلدة بناها المسلمون كبغداد والبصرة، أو أسلم أهلها عليها كالمدينة واليمن، أو فتحت عنوة كخيبر وسواد العراق, أو صلحًا على أن تكون الرقبة لنا، وهم يسكنون بخراج.

حكم المعمور
ما كان معمورًا من بلاد الإسلام أو غيرها، فهو لمالكه إن عرف، مسلمًا كان أو ذميًّا أو نحوه، أو لوارثه. ولا يملك ما خرب منه بالإحياء، لأنه سبق أن وقع الملك عليه. أما ما أعرض عنه الكافر قبل القدرة عليه، فإنه يملك بالإحياء. فإن لم يعرف مالكه ولكن الآثار تدل على: أن العمارة إسلامية، فهذا المعمور مال ضائع. وكذلك لو خربت قرية للمسلمين وتعطلت ولم يعرف مالكها، فهل للإمام إعطاؤها لمن يَعمرها؟ وجهان للشافعية.

٢.١٦ إحياء الموات: حكمه، أقسامه، المعمور, الحريم وأنواعه


وأما الجُزر التي تربيها الأنهار التي تكون في وسط النهر، فإن كان أصلها من أراضي بلاد كما هو مشاهد في نهر النيل، فحكمها حكم تلك البلدة، وإلا بأن ربيت من أرض النهر وليست حريمًا لمعمور، فهي موات.

حكم الحريم وبيان أنواعه
المراد بـ"الحريم": المَرافق التابعة لهذا الجزء العامر, ولا يُملك بالإحياء حريم معمور؛ لأن مالك المعمور مالك له، ولأن مالك المعمور مستحق لمرافقه, و لا يملك بالإحياء حريم معمور.
من صوَر الحريم: حريم آبار القناة المحياة ما لو حفر فيه -أي: الحريم- نقص ماؤها أو خيف، يعني: كل حفر يضر بالقناة أو ينقص ماءها يُعتبر حريمًا لها. وحريم الدار المبنية في الموات: مطرح رماد وكناسة.