١.١٦ ضمان الأجير الخاص والمشترك, الإجارة على القُرَب والتعليم


ضمان الأجير الخاص والمشترك
هو: الذي يقع العقد عليه في مدة معلومة. استأجرت شخصًا معيَّنًا لعمل شيءٍ معيَّن في يوم معيَّن, ولا يعمل غيره فيه, ولا يعمل لغيري في هذا اليوم. يستحق المستأجر نفعه في جميعها. يعني: أن الأجير منقطع لي ولعملي, كرجل استُؤجِر لخدمة، أو عمل في بناء, أو خياطة, أو رعاية, يومًا كاملًا, أو شهرًا كاملًا, يعني مدة أو ساعة, سُمِّي: خاصاً لاختصاص المستأجر بنفعه في تلك المدة دون سائر الناس.

١.١٦ ضمان الأجير الخاص والمشترك, الإجارة على القُرَب والتعليم


صور من ضمان الأجير المشترك
وإذا استأجر الأجير المشترك أجيرًا خاصًّا ليعمل عنده, كالخياط في دكان يستأجر أجيرًا مدة يستعمله فيه, فتقبَّل صاحب الدكان خياطة ثوب, ودفعه إلى أجيره الخاص فخرَقه أو أفسده ذلك الأجير الخاص، لم يضمنْه لأنه أجير خاص. أما الضمان لصاحب الثوب، فإنما يكون على صاحب الدكان؛ لأنه أجير مشترك. فالعامل لا يضمن لأنه أجير خاص. أما صاحب الدكان فيضمن، لأنه أجير مشترك.
من هذا نعلم: أن الأجير المشترك عليه الضمان, والأجير الخاص ليس عليه الضمان إلا بالتعدِّي.
إذا دفع إلى حائك غزلًا فقال: "انسجه لي عشرة أذرع في عرض ذراع", فنسجه زائدًا على ما قدَّر له في الطول والعرض, فلا أجر له في الزيادة؛ لأنه غير مأمور بها. وعليه ضمان نقص الغزل المنسوج فيها. هذا هو الشاهد, عليه ضمان نقص الغزل المنسوج فيها؛ لأنها زيادة بغير أمر المكري أو المستأجر. فأما ما عدا الزائد فينظر فيه، فإن كان جاء به زائدًا في الطول وحد, ولم ينقص الأصل بالزيادة، فله ما سمى من الأجر.
إذا دفع إلى خياط ثوبًا فقال: "إن كان يُقطع قميصًا فاقطعْه", فقال الخياط: "هو يُقطع". وقطعه, فتبين أنه لم يكفِ كما قال الخياط. قال ابن قدامة: فعليه ضمانه؛ لأنه هو الذي غرَّ صاحب الثوب. وإن قال: "انظر, هذا يكفيني قميصًا؟"، قال: "نعم", قال: "اقطعْه", فقطعه فلم يكْفه، لم يضمن. وبهذا قال الشافعي, وأصحاب الرأي.
وقال أبو ثور: لا ضمان عليه في المسألتين؛ لأنه لو كان غرَّه في الأولى لكان قد غرَّه في الثانية.


١.١٦ ضمان الأجير الخاص والمشترك, الإجارة على القُرَب والتعليم


الإجارة على القُرَب, كالأذان والحج والإمامة
قال ابن قدامة: أحمد نص على: أن ذلك لا يجوز؛ وبه قال عطاء, والضحاك بن قيس, وأبو حنيفة, والزهري.
وهناك قول آخر للزهري: أنه كره، وإسحاق, ولم يحرِّم، كرِه: تعليم القرآن بأجر.
وعن أحمد رواية أخرى: يجوز ذلك. يعني: يجوز الإجارة على الإمامة, والأذان, وتعليم القرآن, ونحو ذلك... حكاها أبو الخطاب. ونقل أبو طالب عن أحمد أنه قال: "التعليم أحب إلي من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين".
أما جمهور العلماء فعلى: جواز ذلك. وممَّن أجاز ذلك: مالك, والشافعي, ورخص في أجور المعلمين أبو قلابة, وأبو ثور, وابن المنذر؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زوَّج رجلًا بما معه من القرآن، وهو متفق عليه.
وإذا جاز تعليم القرآن عوضًا في باب النكاح وقام مقام المهر, جاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة. وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {{أحق ما أخذتم عليه أجرًا: كتاب الله}}، وهو حديث صحيح.
أما أخذ الأجرة من بيت المال, ويسمَّى: رزقًا، لا أجرة.


١.١٦ ضمان الأجير الخاص والمشترك, الإجارة على القُرَب والتعليم


فأما الرزق من بيت المال، فيجوز على ما يتعدَّى نفعه من هذه الأمور كالإمامة, والخطابة؛ لأن بيت المال لمصالح المسلمين عامة، فإذا كان بذله لمن يتعدَّى نفعه إلى المسلمين محتاجًا إليه، كان من المصالح, وكان للآخذ أخذه لأنه من أهله. وجرى مجرى الوقف على من يقوم بهذه المصالح, بخلاف الأجر.

أجر المعلم بغير شرط
فإن أعُطي المعلِّم شيئًا من غير شرط, فظاهر كلام أحمد جوازه, وقال فيما نقل عنه أيوب بن سافري: "لا يطلب, ولا يشارط, وما أُعطي له بعد ذلك كان مكافأة قليلة كانت أو كثيرة. فإن أُعطي شيئًا أخذه".
وقال في رواية أحمد بن سعيد: "أكره أجر المعلِّم إذا شرط". وقال: "إذا كان المعلم لا يشارط ولا يطلب من أحد شيئًا، إن أتاه شيء قبِلَه", كأنه يراه أهون، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: {{ما أتاك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس فخُذْه, وتموَّلْ}}ه -يعني: انتفعْ به-؛{{ فإنه رزق ساقه الله إليك}}. وكرهه طائفة من أهل العلم.
ثم أضاف: "وإن أُعطي المعلِّم أجرًا على تعليم الصبي الخط, وحفْظه -تحفيظ القرآن- جاز", نص عليه أحمد.


١.١٦ ضمان الأجير الخاص والمشترك, الإجارة على القُرَب والتعليم


وهكذا لو كان إمام المسجد قَيِّمًا له, يُسرج قناديله يعني: يضيء مصابيح المسجد، ويكنسه, ويغلق بابه, ويفتحه، فهذه كلها أعمال تستحق الأجر, فأخذ أجرًا على خدمته, أو كان النائب في الحج يخدم المستنيب له في طريق الحج, ويشدّ له, ويرفع حِمْله, ويحج عن أبيه فدفع له أجرًا لخدمته, لم يمتنع ذلك -إن شاء الله تعالى-. يعني: الأمور كلها فيها الاعتبار بالنية, والرجوع إليها.
والأوْلى: أن ذلك يجوز في هذا الزمان الذي قلَّت فيه الأجور, وغلت فيه الأسعار, وإلا لم يجد الأئمة ما يعيشون به.