٣.١٥ انفساخ الإجارة بالموت, والعذر القاهر، والغصب..., استئجار الأجير والظئر


حكم انفساخ الإجارة بالموت
قال ابن قدامة: القول بعدم انفساخها بموت أحد المتعاقدَيْن هو: قول الحنابلة، ومالك, والشافعي, وإسحاق, والبتي, وأبي ثور, وابن المنذر؛ لأنه عقد لازم. يعني عقد الإجارة عقد لازم, يعني: ملزم للطرفين, فلا ينفسخ بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه, يعني: الشيء المستأجَر: دارًا, أو أرضًا, أو سيارة. فلا ينفسخ بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه. كما لو زوَّج أمته ثم مات.
و قال الثوري, وأصحاب الرأي -أبو حنيفة, وأصحابه-، والليث: تنفسخ الإجارة بموت أحد المتعاقدين؛ لأن استيفاء المنفعة يتعذَّر بالموت؛ لأنه استحق بالعقد استيفاءها على ملك المؤجر, فإذا مات المؤجر زال ملكه عن العين, وانتقلت العين وملكيتها إلى ورثته. فالمنافع تحدث على ملك الوارث, فلا يستحق المستأجر استيفاءها؛ لأنه ما عقد مع الوارث, وإنما عقد مع المورث. وإذا مات المستأجر لم يمكن إيجاب الأجر في تركته.
وإن مات المكتري -يعني: المستأجر- ولم يكن له وراث يقوم مقامه في استيفاء المنفعة, أو كان هذا الوارث غائبًا, كمن يموت في طريق مكة ويخلف جمَله الذي اكتراه, وليس له عليه شيء يحمله, ولا وارث له حاضر يقوم مقامه, كيف يكون الحكم حينئذ؟ ظاهر كلام أحمد: أن الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدة؛ لأنه قد جاء أمر غالب قهري، يمنع المستأجر عن منفعة العين؛ لأنه مات فأشبه ما لو غُصبت، ولأن بقاء العقد حينئذ ضرر في حق المكتري، حيث يثبت على ورثته الأجرة, وضرر في حق المكري؛ لأن المكتري يجب عليه الكراء من غير منفعة, والمكري يمتنع عليه التصرف مع ظهور امتناع الكراء عليه.

٣.١٥ انفساخ الإجارة بالموت, والعذر القاهر، والغصب..., استئجار الأجير والظئر


إذا أجر الموقوف عليه الوقف مدة فمات في أثنائها, وانتقل إلى من بعده ففيه وجهان:
أحدهما: لا تنفسخ الإجارة.
والثاني: أنها تنفسخ فيما بقي من المدة.

هل تنفسخ الإجارة بالعذر القاهر

إن جاء أمر غالب يحجز المستأجرَ عن منفعة ما وقع عليه العقد، لزمه من الأجر بمقدار مدة انتفاع. فإذا تلفت العين المؤجرة قبل قبضها من مالكها، انفسخت الإجارة بالإجماع. وإذا تلفت بعد القبض قبل الانتفاع، تنفسخ الإجارة. أن تتلف بعد مضي شيء من المدة, يعني: استفاد المستأجِر بضعة أيام, أو أشهر من سنة, فإن الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدة. أما ما استفاده في المدة التي قضاها قبل التلف، فعليه أجرته.


٣.١٥ انفساخ الإجارة بالموت, والعذر القاهر، والغصب..., استئجار الأجير والظئر


فسخ الإجارة بالغصب ونحوه

إن كان قبل القبض، انفسخت. أما إن كان بعد مضي مدة, فإن الأجر يثبت في المدة الماضية, ولا يثبت منذ الغصب. وإن لم يفسخ المستأجر حتى انقضت مدة الإجارة, فله الخيار بين الفسخ والرجوع بالمسمى -أي الأجرة- وبين البقاء على العقد, ومطالبة الغاصب بأجر المثل؛ لأن المعقود عليه لم يفت مطلقًا. فالعين ما تزال موجودة وإن كانت مغصوبة, والمنفعة أيضًا قائمة وإن كان تعذر الاستيفاء بسبب العين نفيها كهروب العبد، فالمستأجر بالخيار بين فسخ العقد, وبين المطالبة بالبديل, يعني: بعبد آخر مثلاً. وإن حدث خوف عام بين الناس كالحروب ونحوها، ثبت للمستأجر خيار الفسخ.

حكم استئجار الأجير بطعامه وكسوته
قال ابن قدامة: اختلفت الرواية عن أحمد فيمن استأجر أجيرًا بطعامه أو كسوته, أو جعل له أجرًا, وشَرط طعامه وكسوته. يعني: إضافة إلى الأجر، شرط طعامه وكسوته. رُوي عن أحمد: جواز ذلك؛ وهو مذهب مالك, وإسحاق, ورُوي عن أبي بكر, وعمر, وأبي موسى -رضي الله عنهم-: أنهم استأجروا الأُجراء بطعامهم وكسوتهم.

٣.١٥ انفساخ الإجارة بالموت, والعذر القاهر، والغصب..., استئجار الأجير والظئر


و رُوي عن أحمد: أن استئجار الأجير بطعامه وكسوته جائز أيضًا في الظئر دون غيرها من النساء. واختارها القاضي. وهذا مذهب أبي حنيفة, يعني: الظئر هي: التي تستأجر بالطعام, والكسوة, أو النقود لقول الله تعالى: ((وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)) (البقرة: ٢٣٣)، فأوجب لهن النفقة والكسوة على الرضاع, ولم يفرق بين المطلقة وغيرها. بل في الآية قرينة تدل على طلاقها؛ لأن الزوجة تجب نفقتها, وكسوتها, بالزوجية وإن لم ترضع؛ لأن الله تعالى قال: ((وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك)) (البقرة: ٢٣٣). والوارث ليس بزوج, ولأن المنفعة في الحضانة والرضاعة غير معلومة, فجاز أن يكون عوضها كذلك.
وهناك رواية ثالثة: لا يجوز الاستئجار بالطعام, والكسوة, لا للظئر ولا لغيرها بحال من الأحوال؛ وبه قال الشافعي, وأبو يوسف, ومحمد, وأبو ثور, وابن المنذر؛ لأن ذلك يختلف اختلافًا كثيرًا متباينًا, فيكون مجهولًا, والأجر من شرطه أن يكون معلومًا.

استئجار الظئر وشروطه
قال ابن قدامة: وأجمع أهل العلم على جواز استئجار الظئر وهي: المرضعة؛ لأنه في كتاب الله تعالى في قوله سبحانه: ((فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)) (الطلاق: ٦). واستَرضع النبي -صلى الله عليه وسلم- لولده إبراهيم.
وإن أطلق العقد على الرضاع، فهل تدخل فيه الحضانة، أو لا تدخل؟ فيها وجهان:

٣.١٥ انفساخ الإجارة بالموت, والعذر القاهر، والغصب..., استئجار الأجير والظئر


أحدهما: أن الحضانة لا تدخل في الرضاع؛ وهو قول أبي ثور, وابن المنذر؛ لأن العقد لم يتناولها.
والثاني: أنها تدخل بالتبعية؛ وهو قول أصحاب الرأي؛ لأن العُرف جار بأن المرضعة تحضن الصبي, فحُمل الإطلاق على ما جرى به العرف والعادة.
ولأصحاب الشافعي في هذه المسألة وجهان كهذين.

قول ابن قدامة
وقال ابن قدامة: يشترط لهذا العقد أربعة شروط:
أن تكون مدة الرضاع معلومة
معرفة الصبي بالمشاهدة. المرأة الظئر تشاهد الصبي؛ لأن الرضاع يختلف باختلاف الصبي في كبره, وصغره, ونهمته, وقناعته.
موضع الرضاع, لأنه يختلف فيشق عليها في بيته, ويسهل عليها الرضاع في بيتها.
معرفة العِوض, الأجرة: هل هي طعام, أو كساء؟ أو كلاهما؟ أو غيرهما من النقود ونحو ذلك.