٢.١٥ الإجارة: حكمها, شروط صحتها, أنواعها, التملك للمنفعة والأجرة, تأجيل الأجر


اشتقاق الإجارة والأصل في حكمها

"الإجارة" مشتقة من: الأجر, يعني: الفعل: أجَر، يأْجُر، أو أجَر يأْجِر إجارةً، وأجْرًا. فالأجر هو: العوض مقابل العمل.
وهي: معاملة جائزة. الأصل في جوازها:

فقول الله تعالى: ((فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)) (الطلاق: ٦)، فالأجر في مقابل الرضاعة، وهذا أمر، والأمر من الله -سبحانه وتعالى- لتوضيح الجواز، أو للإلزام والإجبار. يعني: قد يكون الأمر للإباحة، وقد يكون للوجوب.
وقال الله تعالى أيضًا في قصة موسى مع الخضر: ((فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا)) (الكهف: ٧٧)، وهذا يدل على: جواز أخذ الأجر على إقامة وبناء الجدار.


٢.١٥ الإجارة: حكمها, شروط صحتها, أنواعها, التملك للمنفعة والأجرة, تأجيل الأجر


علاقة الإجارة بالبيع وشروط صحتها
قال ابن قدامة: الإجارة نوع من البيع. البيع: تمليك للعين، والإجارة: تمليك للمنفعة. والبيع: تمليك للثمن لصاحب السلعة، والإجارة أيضًا: تمليك الثمن لصاحب المنفعة التي استأجرها المحتاج إليه. والمنافع بمنزلة الأعيان؛ لأنه يصح تمليكها في حال الحياة وبعد الموت. وتضمن باليد، يعني: من اغتصبها يكون ضامنًا لها، وتضمن بالإتلاف، ويكون عوضها عيناً وديْناً.
تنعقد بلفظ الإجارة: "أجرتك"، والكراء: "أكريتك"؛ لأنهما موضوعان لها. يعني: هذان اللفظان أصل في عقد الإجارة.

هل تنعقد بلفظ البيع؟
اختلف العلماء في ذلك:

فمنهم من قال: تنعقد لأنها بيع.
ومنهم من قال: لا تنعقد لأن فيها معنًى خاصًّا، فافتقرت إلى لفظ يدل على ذلك المعنى. ولأن الإجارة تضاف إلى العين، يضاف إليها البيع إضافة واحدة؛ فاحتاج إلى لفظ يعرف ويفرق بينهما كالعقود المتباينة.


٢.١٥ الإجارة: حكمها, شروط صحتها, أنواعها, التملك للمنفعة والأجرة, تأجيل الأجر


وإذا وقعت الإجارة على مدة معلومة بأجرة معلومة، فقد ملك المستأجر المنافع، ومُلكت عليه الأجرة كاملة في وقت العقد، إلا أن يشترطا أجلاً. ولا تصح الإجارة إلا من جائز التصرف؛ لأنها عقد تمليك في الحياة فأشبهت البيع.

الخلاصة
فيتضح بما سبق أن:
المعقود عليه: المنافع، وليس العين؛ وهذا قول أكثر أهل العلم: أن المعقود عليه في الإجارة هو: المنفعة، وليست العين. ممّن قال بذلك: مالك، وأبو حنيفة، وأكثر أصحاب الشافعي، والحنابلة.
إذن هو: قول جمهور العلماء، وهو: الصحيح، لأن المعقود عليه في عقد الإجارة هو: المنفعة. وذكر بعضهم أنّ المعقود عليه: العين لأنها الموجودة والمضمونة.
أن الإجارة إذا وقعت على مدة، يجب أن تكون المدة معلومة كشهر، وسنة، وخمس سنوات، وعشر سنوات.
الإجارة إما أن تكون على منفعة لمدة معلومة، وإما أن تكون على عمل معلوم.


٢.١٥ الإجارة: حكمها, شروط صحتها, أنواعها, التملك للمنفعة والأجرة, تأجيل الأجر


يشترط في عوض الإجارة: كونه معلوماً، لا نعلم في ذلك خلافًا، وإلا وقع النزاع بينهما. وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: {{مَن استأجر أجيرًا، فليُعْلِمْه أجْرَه}}. ويعتبر العلم أيضًا بالرؤية، أو بالصفة, وكل ما جاز ثمناً في البيع جاز عوضًا في الإجارة.
الإجارة إذا تمت، وكانت على مدة معلومة -كما سبق أن أشرنا- ملك لمستأجر المنافع المعقود عليها إلى تلك المدة. ويكون حدوثها على ملكه، يعني: حدوث هذه الملكية على ملك المؤجِّر. وبهذا قال الشافعي. إذن المنافع تتملك بمجرد العقد، وتستمر الملكية إلى المدة المتفق عليها.
وقال أبو حنيفة: تحدث على ملك المؤجر، ولا يملكها المستأجر بالعقد. تحدث يعني: تقع، ولكن المستأجر لا يملكها بالعقد لأنها معدومة فلا تكون مملوكة.
ويردّ عليه: بأنها مقدرة الوجود لأنها جعلت موردًا للعقد، والعقد لا يردّ يعني: لا يقع، ولا يثبت إلا على موجود.


٢.١٥ الإجارة: حكمها, شروط صحتها, أنواعها, التملك للمنفعة والأجرة, تأجيل الأجر


حكم التملك للمنفعة والأجرة
المؤجر يملك الأجرة, كما أن المستأجر ملك المنفعة. عند الجمهور بمجرد العقد إذا أطلق، ولم يشترط أجلاً.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يملكها بالعقد، فلا يستحق المطالبة بها إلا يومًا بيوم، إلا أن يشترط تعجيلها. والحقيقة أن هذا الكلام فيه مشقة، وفيه حرج.

حكم تأجيل الأجر
قال ابن قدامة:إذا اشترط المستأجر تأجيل الأجر، فهو إلى أجله. وإن شرطه منجمًا -يعني: مفرقًا- يوماً بيوم، أو شهرًا بشهر، أو فصلًا بفصل، أو أقل من ذلك أو أكثر، فهو على ما اتفقا عليه، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم: {{المسلمون عند شروطهم، إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالاً}}.
وشرط التأجيل أو التقسيط ليس شرطًا ضارًا يُحلُّ حراماً أو يحرِّم حلالاً. و لأن إجارة العين كبيعها، وبيعها يصح بثمن حالّ أو مؤجَّل، فكذلك إجارتها.


٢.١٥ الإجارة: حكمها, شروط صحتها, أنواعها, التملك للمنفعة والأجرة, تأجيل الأجر


وإذا استوفى المستأجر المنافع، استقر الأجر في ذمته؛ لأنه قبض المعقود عليه -أي: المنفعة-، فاستقر عليه البدل يعني: العِوض.
وإن سلمت إليه العين التي وقعت الإجارة عليها، ومضت المدة ولا حاجز للمستأجر عن الانتفاع بها، استقر الأجر في ذمته.