١.١٤ أحكام العارية وضمانها, والعمل عند تغير المستعار، عند ابن رشد والكاساني
١.١٤ أحكام العارية وضمانها, والعمل عند تغير المستعار، عند ابن رشد والكاساني
 |
قال مالك: المالك -أي: المعير- بالخيار، إن شاء أخذ المستعير بقلع غراسته -يعني: إن شاء المعير أن يأمر المستعير أن يخلع، ويقلع غراسته، ويهدم بناءه-، كان له ذلك. قال مالك: المالك أي الأصل الأصيل المعير -إن شاء أخذ المستعير- يعني: طالبه بقلع غراسه وبنائه، وإن شاء أعطاه قيمة ذلك مقلوعاً، إذا كان ممَّا له قيمة بعد القلع. وسواء عند مالك انقضت المدة المحدودة بالشرط, يعني: هو مستعير لمدة بضعة أشهر, أو أقل من ذلك، أو أكثر، أو انقضت بالعرف أو بالعادة. |
 |
هذا قول الإمام مالك: إن المعير بالخيار بين: أن يطالب المستعير بقلع غراسه وبنائه، وبين أن يعطيه قيمة ما غرس -قيمته لو كان مقلوعاً- وقيمة البناء لو كان مهدما. ولا يختلف الأمر في ذلك بين انقضاء مدة الإعارة، أو الشرط، أو العرف، أو العادة. |
 |
وقال الشافعي في هذه المسألة: إذا لم يشترط المعير عليه القلع، فليس له مطالبته بالقلع -يعني: لو كان اشترط عليه إن غرس شيئًا أن يقلعه، ولم يشترط فليس له مطالبته بالقلع؛ بل يُخيَّر المعير بين أن يبقيه بأجر يُعطاه، أو يُنقض بأرش -يعني: فرْق بقاء الزرع وقلعه، الأرش هو: الفرق-، أو يتملك ببدل. المعير يشتري هذا الغراس، وذلك البناء, فأيها أراد المعير أجبر عليه المستعير. يعني: كما قال الإمام مالك: المعير على الخيار؛ إلا أن الشافعي زاد الخيار بأن يبقيه مغروساً، ويأخذ أجرًا، أو يأمر بقلعه ويدفع أرشًا، أو يشتري منه ذلك ببدل؛ فأيها أراد المعير أجبر عليه المستعير. فإن أبى، كلِّف تفريغ الملك، يعني: تسليم الأرض خالية. إن أبى البيع، أو أخذ الأرش أو القلع، كلِّف تفريغ الملك. وفي جواز بيعته للنقد عنده خلاف. يعني: حكم أن يشتري المُعير الغراس الموجود كأنه مقلوع أو منقود؛ هذا فيه خلاف لأنه معرض للنقل. |
١.١٤ أحكام العارية وضمانها, والعمل عند تغير المستعار، عند ابن رشد والكاساني
بيان صفة الحكم
 |
علِمنا مما قاله ابن رشد: أن الحنفية يقولون بعدم الضمان، إلا أن الكاساني يقدِّم لنا نماذج من ضمان المستعير في بعض الأحوال. وصفة الحكم: أن الملك الثابت للمستعير ملك غير لازم؛ لأنه ملك لا يقابله عِوَض فلا يكون لازماً. وإن كانت مطلقة، كان للمعير أن يجبر المستعير على قلع الغرس، ونقض البناء؛ لأن في الترك ضررًا بالمُعير لأنه لا نهاية له. وإذا قلع ونقض البناء لا يضمن المعير شيئًا من قيمة الغرس والبناء؛ لأنه لو وجب عليه الضمان لوجب بسبب الغرور، وهو لم يغر المستعير ولا غرور من جهته؛ حيث أطلق العقد ولم يؤقت فيه وقتًا فأخرجه قبل الوقت؛ بل المستعير هو الذي غرر نفسه؛ حيث حمل المطلق على الأبدية، ولا أحد يعير إلى الأبد. |
 |
وإن كانت مؤقتة: أعطاه الأرض ستة أشهر، وهذه الستة الأشهر يمكن أن يبني فيها بناء مؤقتاً، أو أن يغرس فيها غرساً أو زرعاً ليجني، ويجني هذه الثمرة قبل هذه المدة، فإذا كانت العارية مؤقتة، وأخرجه المعير قبل الوقت، لم يكن للمعير ذلك، ولا يجبر المستعير على النقض وقلع الغراس. وحينئذ يكون المستعير بالخيار: إن شاء ضمن صاحب الأرض قيمة غرسه وبنائه قائماً سليماً، وترك ذلك عليه؛ لأنه لمَّا وقت للعارية وقتًا ثم أخرجه قبل الوقت فقد غرَّه فصار كفيلًا عنه فيما يلزمه من العهدة؛ إذ ضمان الغرور كفالة. أما إذا استعار أرضًا للزراعة فزرعها، ثم أراد صاحب الأرض أن يأخذها، لم يكن له ذلك حتى يحصد الزرع؛ بل يترك في يده إلى وقت الحصاد بأجر المثل، استحساناً في القياس أن يكون له ذلك، كما في البناء والغرس. |
١.١٤ أحكام العارية وضمانها, والعمل عند تغير المستعار، عند ابن رشد والكاساني
ما يغيِّر العارية من الأمانة إلى الضمان
 |
يقول: وأما بيان ما يوجب تغيّر حالها -يعني: عن الأمانة-، فالذي يغيِّر حال المستعار من الأمانة إلى الضمان هو: المغير حال الوديعة -أي: الإتلاف حقيقة-، أو معنى -يعني: يريد التعدي- بالمنع عن التسليم بعد الطلب، أو بعد انقضاء مدة الإعارة، وبترك الحفظ فيما لا يغاب عليه. وبالخلاف حتى لو حبس العارية بعد انقضاء المدة، أو بعد الطلب قبل انقضاء المدة، يضمن لأنه واجب الرد في هاتين الحالتين، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: {{العارية مؤدَّاة}}، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: {{على اليد ما أخذتْ حتى تردَّه}}. |
 |
ومن هذا يتبيَّن لنا: أن الحنفية أيضًا يوافقون الشافعية والمالكية في القول بضمان العارية إذا تعدَّى المستعير وأهمل وتلفت بسبب إهماله، أو بسبب استعماله استعمالاً غير متفق عليه. أما فيما عدا ذلك فهي كالأمانة، أو كالوديعة ليس فيها ضمان. |