١.١٤ أحكام العارية وضمانها, والعمل عند تغير المستعار، عند ابن رشد والكاساني


أحكام العارية، وضمانها
"العارية": اسم لما يُعار, وقيل: هي من: التعاور -أي: التناوب-؛ لأن كل مستعير يأخذ المستعار فترة.
أما حقيقتها شرعًا فهي: إباحة الانتفاع بما يحلّ الانتفاع به، مع بقاء عيْنه.


١.١٤ أحكام العارية وضمانها, والعمل عند تغير المستعار، عند ابن رشد والكاساني


العمل عند تغيّر المستعار
قال ابن رشد: إن الفقهاء اتفقوا في الإجارة على: أنها غير مضمونة إلا بالتعدي؛ وهذا كلام الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك.
ثم قال: يلزم الشافعي إذا سلم، أنه لا ضمان على المستأجر في الإجارة، ألا يكون عليه ضمان في العارية -إن سلم: أن سبب الضمان هو: الانتفاع-. فالأجير منتفع بالعين المستأجرة، والمستعير منتفع بالعين المعارة؛ لأنه إذا لم يضمن حيث قبض لمنفعتهما، فأحرى ألا يضمن حيث قبض لمنفعته، إذا كانت منفعة الدافع مؤثرة في إسقاط الضمان. وإذا اختلفا في اشتراط الضمان، اختلف الفقهاء في ذلك. فقال قوم: يضمن لأن المسلمين عند شروطهم. وقال قوم: لا يضمن لأن ذلك يتنافى مع الإعارة والتبادل، أو التعاون على المنافع، ويكون الشرط باطلًا.
إذا استعار المستعير أرضًا، وبنى عليها أو غرس فيها شجرًا، ثم طلب المُعير أرضه، هل يكون على المستعير ضمان لأنه تجاوز حدود المنفعة بالعارية؟ أو يكون على المعير ضمان هذا الغرس، وهذا البناء؟
يقول ابن رشد: اختلف عن مالك والشافعي -أي: الرواية عن كل منهما- إذا غرس المستعير، وبنى -أي غرس شجرًا في الأرض التي استعارها، أو بنى عليها-، ثم انقضت المدة التي استعار إليها, وهو مستعير لمدة شهر، أو لمدة سنة، أو بضعة أشهر, ماذا يكون العمل في الغرس، أو في البناء؟

١.١٤ أحكام العارية وضمانها, والعمل عند تغير المستعار، عند ابن رشد والكاساني


قال مالك: المالك -أي: المعير- بالخيار، إن شاء أخذ المستعير بقلع غراسته -يعني: إن شاء المعير أن يأمر المستعير أن يخلع، ويقلع غراسته، ويهدم بناءه-، كان له ذلك. قال مالك: المالك أي الأصل الأصيل المعير -إن شاء أخذ المستعير- يعني: طالبه بقلع غراسه وبنائه، وإن شاء أعطاه قيمة ذلك مقلوعاً، إذا كان ممَّا له قيمة بعد القلع. وسواء عند مالك انقضت المدة المحدودة بالشرط, يعني: هو مستعير لمدة بضعة أشهر, أو أقل من ذلك، أو أكثر، أو انقضت بالعرف أو بالعادة.
هذا قول الإمام مالك: إن المعير بالخيار بين: أن يطالب المستعير بقلع غراسه وبنائه، وبين أن يعطيه قيمة ما غرس -قيمته لو كان مقلوعاً- وقيمة البناء لو كان مهدما. ولا يختلف الأمر في ذلك بين انقضاء مدة الإعارة، أو الشرط، أو العرف، أو العادة.
وقال الشافعي في هذه المسألة: إذا لم يشترط المعير عليه القلع، فليس له مطالبته بالقلع -يعني: لو كان اشترط عليه إن غرس شيئًا أن يقلعه، ولم يشترط فليس له مطالبته بالقلع؛ بل يُخيَّر المعير بين أن يبقيه بأجر يُعطاه، أو يُنقض بأرش -يعني: فرْق بقاء الزرع وقلعه، الأرش هو: الفرق-، أو يتملك ببدل. المعير يشتري هذا الغراس، وذلك البناء, فأيها أراد المعير أجبر عليه المستعير. يعني: كما قال الإمام مالك: المعير على الخيار؛ إلا أن الشافعي زاد الخيار بأن يبقيه مغروساً، ويأخذ أجرًا، أو يأمر بقلعه ويدفع أرشًا، أو يشتري منه ذلك ببدل؛ فأيها أراد المعير أجبر عليه المستعير. فإن أبى، كلِّف تفريغ الملك، يعني: تسليم الأرض خالية. إن أبى البيع، أو أخذ الأرش أو القلع، كلِّف تفريغ الملك. وفي جواز بيعته للنقد عنده خلاف. يعني: حكم أن يشتري المُعير الغراس الموجود كأنه مقلوع أو منقود؛ هذا فيه خلاف لأنه معرض للنقل.

١.١٤ أحكام العارية وضمانها, والعمل عند تغير المستعار، عند ابن رشد والكاساني


فرأي الشافعي: أن أخذه المستعير بالقلع دون أرش -أي: دفع قيمة للمستعير- ظلم. ورأي مالك: أن عليه إخلاء المحل: الأرض، وليس في ذلك ظلم. والعرف في ذلك يتنزل منزلة الشروط. كذلك عند مالك: أنه إن استعمل العارية استعمالاً ينقصها عن الاستعمال المأذون فيه، ضمن ما نقصها بالاستعمال. يعني: لو أن مستعيراً استعار أرضًا، وأحدث فيها شيئًا، أو استعمالاً أدى إلى نقصان قيمتها، ضمن ما نقصها.
الفقهاء اختلفوا أيضًا في الرجل يسأله جاره أن يعيره جداره -الحائط بين البيتيْن- ليغرس فيه خشبة ليضع عليها سقف بيته. وهذا الجدار لا يضر صاحب الجدار. وهذه الخشبة التي سيضعها على جدار جاره لا تضر صاحب الجدار. هذا أيضًا محل اختلاف في هذا الباب:
قال مالك وأبو حنيفة: لا يقضى عليه به، يعني: لا يلزمه القاضي بذلك، أي: بالسماح، أو الإذن للجار أن يضع خشبة في جدار بيته، لا يقضى عليه بذلك؛ إذ العارية لا يقضى بها، إنما هي مسألة تقوم على المودة، وبذل المنفعة للآخرين.
وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود، وجماعة أهل الحديث: يقضى بذلك, يعني: يلزم لما هو معروف أيضًا من حديث الزبير بن العوام، وجاره في مسألة ري الأرض؛ فبعد أن حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يسقي الزبير، ثم يطلق الماء، قال له ذلك الرجل: "أن كان ابن عمتك" يعني: جاملتَه في الحكم. فالشاهد من هذا أن القضاء أيضًا وارد في العارية، لما فيه من منفعة، أو تبادل المنافع بين الناس.


١.١٤ أحكام العارية وضمانها, والعمل عند تغير المستعار، عند ابن رشد والكاساني


بيان صفة الحكم
علِمنا مما قاله ابن رشد: أن الحنفية يقولون بعدم الضمان، إلا أن الكاساني يقدِّم لنا نماذج من ضمان المستعير في بعض الأحوال. وصفة الحكم: أن الملك الثابت للمستعير ملك غير لازم؛ لأنه ملك لا يقابله عِوَض فلا يكون لازماً. وإن كانت مطلقة، كان للمعير أن يجبر المستعير على قلع الغرس، ونقض البناء؛ لأن في الترك ضررًا بالمُعير لأنه لا نهاية له. وإذا قلع ونقض البناء لا يضمن المعير شيئًا من قيمة الغرس والبناء؛ لأنه لو وجب عليه الضمان لوجب بسبب الغرور، وهو لم يغر المستعير ولا غرور من جهته؛ حيث أطلق العقد ولم يؤقت فيه وقتًا فأخرجه قبل الوقت؛ بل المستعير هو الذي غرر نفسه؛ حيث حمل المطلق على الأبدية، ولا أحد يعير إلى الأبد.
وإن كانت مؤقتة: أعطاه الأرض ستة أشهر، وهذه الستة الأشهر يمكن أن يبني فيها بناء مؤقتاً، أو أن يغرس فيها غرساً أو زرعاً ليجني، ويجني هذه الثمرة قبل هذه المدة، فإذا كانت العارية مؤقتة، وأخرجه المعير قبل الوقت، لم يكن للمعير ذلك، ولا يجبر المستعير على النقض وقلع الغراس. وحينئذ يكون المستعير بالخيار: إن شاء ضمن صاحب الأرض قيمة غرسه وبنائه قائماً سليماً، وترك ذلك عليه؛ لأنه لمَّا وقت للعارية وقتًا ثم أخرجه قبل الوقت فقد غرَّه فصار كفيلًا عنه فيما يلزمه من العهدة؛ إذ ضمان الغرور كفالة. أما إذا استعار أرضًا للزراعة فزرعها، ثم أراد صاحب الأرض أن يأخذها، لم يكن له ذلك حتى يحصد الزرع؛ بل يترك في يده إلى وقت الحصاد بأجر المثل، استحساناً في القياس أن يكون له ذلك، كما في البناء والغرس.


١.١٤ أحكام العارية وضمانها, والعمل عند تغير المستعار، عند ابن رشد والكاساني


بيان حال المستعار
يقول الكاساني -رحمه الله-: وأما بيان حال المستعار، فحاله: أنه أمانة في يد المستعير في حال الاستعمال بالإجماع. فأما في غير حال الاستعمال، فكذلك عندنا، يعني: هو أمانة أيضًا، وبالتالي يكون غير مضمون.
وعند الشافعي -رحمه الله- مضمون.
واحتج بما روي: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استعار من صفوان بن أمية درعًا يوم حنين، فقال صفوان: "أغصبًا يا محمد؟"، فقال -عليه الصلاة والسلام-: {{بل عارية مضمونة}}. ولأن العين مضمونة الرد حال قيامها، فكانت مضمونة القيمة حال هلاكها، كالمغصوب.
يردّ عليه الكاساني فيقول: لنا -يعني بعدم الضمان، وبأنها أمانة-: إنه لم يوجد من المستعير سبب وجوب الضمان؛ فلا يجب عليه الضمان كالوديعة، والإجارة. وإنما قلنا ذلك لأن الضمان لا يجب على المرء بدون فعله، وفعله الموجود منه ظاهرًا هو: العقد والقبض. وكل واحد منهما لا يصلح سببًا لوجوب الضمان؛ لأن العقد عقد تبرع بالمنفعة تمليكاً أو إباحة، على اختلاف الأصلين. وأما القبض فلوجهين: أحدهما: أن قبض مال الغير بغير إذنه لا يصلح سببًا لوجوب الضمان؛ فكيف إذا كان بالإذن؟ فبالإذن أوْلى. هذا ولأن قبض مال الغير بغير إذنه هو: إثبات اليد على مال الغير، وحفظه وصيانته عن الهلاك. وهذا إحسان في حق المالك. قال الله -تبارك وتعالى جل شأنه-: ((هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)) (الرحمن: ٦٠).


١.١٤ أحكام العارية وضمانها, والعمل عند تغير المستعار، عند ابن رشد والكاساني


ما يغيِّر العارية من الأمانة إلى الضمان
يقول: وأما بيان ما يوجب تغيّر حالها -يعني: عن الأمانة-، فالذي يغيِّر حال المستعار من الأمانة إلى الضمان هو: المغير حال الوديعة -أي: الإتلاف حقيقة-، أو معنى -يعني: يريد التعدي- بالمنع عن التسليم بعد الطلب، أو بعد انقضاء مدة الإعارة، وبترك الحفظ فيما لا يغاب عليه. وبالخلاف حتى لو حبس العارية بعد انقضاء المدة، أو بعد الطلب قبل انقضاء المدة، يضمن لأنه واجب الرد في هاتين الحالتين، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: {{العارية مؤدَّاة}}، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: {{على اليد ما أخذتْ حتى تردَّه}}.
ومن هذا يتبيَّن لنا: أن الحنفية أيضًا يوافقون الشافعية والمالكية في القول بضمان العارية إذا تعدَّى المستعير وأهمل وتلفت بسبب إهماله، أو بسبب استعماله استعمالاً غير متفق عليه. أما فيما عدا ذلك فهي كالأمانة، أو كالوديعة ليس فيها ضمان.