وقد ذكر الإمام الشاطبي في كتابه (الاعتصام) أن من خصال أهل الابتداع والانحراف ردهم للأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدعون أنها مخالفة للمعقول وغير جارية على مقتضى الدليل، فيجب ردها، ومن هنا رد المعتزلة الكثير من الأحاديث التي تحدثت على سؤال الملكين في القبر، وما يعقب ذلك من نعيم أو عذاب، وموقفهم من أحاديث الميزان والصراط، وموقفهم من رؤية المؤمنين لله تعالى في الجنة، وبعض الأحاديث التي تتحدث عن الجن وعلاقته ببني الإنسان إلى غير ذلك.
والموقف السليم الذي يفرضه منطق الإيمان، ولا يرفضه منطق العقل أن نقول في كل ما أثبته الدين من الغيبيات: "آمنا وصدقنا"، كما نقول في كل ما جاء به من التعبديات: "سمعنا وأطعنا"، أجل نؤمن بما جاء به النص، ولا نسأل عن كونه وكيفه، ولا نبحث عن تفاصيله؛ فإن عقولنا كثيرًا ما تعجز عن الإحاطة بهذه الأمور الغيبية؛ فإن الله الذي خلق الإنسان لم يؤهله لمثل هذا الإدراك؛ لأنه لا يحتاج إليه للقيام بمهمته في الأرض، والخطأ الأساسي الذي وقع فيه المنكرون هو قياس الغائب على الشاهد، والآخرة على الأولى؛ وهو قياس مع الفارق، فلكل دار قوانينها.