5.2 ضوابط فهم السنة والحاجة لخدمتها خدمة تليق بها


معالم وضوابط لحسن فهم السنة النبوية

أولًا: فهم السنة في ضوء القرآن الكريم
من الواجب لكي تفهم السنة فهمًا صحيحًا بعيدًا عن التحريف والانتحال، وسوء التأويل أن تفهم في ضوء القرآن، وفي دائرة توجيهاتها الربانية المقطوع بصدقها إذا أخبرت، وعدلها إذا حكمت: (( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )) [الأنعام: 115]، فالقرآن هو روح الوجود الإسلامي، وأساس بنيانه، وهو بمثابة الدستور الأصلي الذي ترجع إليه كل القوانين في الإسلام، والسنة النبوية هي شارحة هذا الدستور ومفصلة؛ فهي البيان النظري والتطبيق العملي للقرآن، ومهمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يبين للناس ما نزل إليهم، وما كان للبيان أن يناقض المبين، ولا للفرع أن يعارض الأصل.
فالبيان النبوي يدور أبدًا في فلك الكتاب العزيز لا يتخطاه، ولهذا لا توجد سنة صحيحة ثابتة تعارض محكمات القرآن وبيناته الواضحة، وإذا ظن بعض الناس وجود ذلك فلا بد أن تكون السنة غير صحيحة، أو يكون فهمنا لها غير صحيح، أو يكون التعارض وهميًّا لا حقيقيًّا، ومعني هذا أن تفهم السنة في ضوء القرآن، ولهذا كان حديث الغرانيق المزعوم مردودًا بلا ريب؛ لأنه مناف للقرآن، وحديث "شاوروهن وخالفوهن" مردود للآية: (( فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ )) [البقرة: 233]،

5.2 ضوابط فهم السنة والحاجة لخدمتها خدمة تليق بها


وإذا اختلفت أفهام الفقهاء أو الشراح في الاستنباط من السنن فأولاها وأسعدها بالصواب ما أيده القرآن، كما لا بد أن نحذر من التوسع في دعوة معارضة القرآن كما فعلت المعتزلة دون أن يكون لذلك أساس صحيح، كنفي أحاديث الشفاعة.

ثانيًا: جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد
من اللازم لفهم السنة فهمًا صحيحًا أن تجمع الأحاديث الصحيحة في الموضوع الواحد بحيث يرد متشابهها إلى محكمها، ويحمل مطلقها على مقيدها، ويفسر عامها بخاصها، وبذلك يتضح المعنى المراد منها، ولا يضرب بعضها ببعض، وإذا كان من المقرر أن السنة تفسر القرآن الكريم، وتبينه بمعنى أنها تفصل مجمله، وتفسر مبهمة، وتخصص عامه، وتقيد إطلاقه، فأولى ثم أولى أن يراعى ذلك في السنة بعضها مع بعض، ومثاله الأحاديث التي وردت في إسبال الإزار، وقد أريد بها في مجموعها الخيلاء، وليست على إطلاقها؛ لأن الاكتفاء بظاهر حديث واحد دون النظر في سائر الأحاديث، وسائر النصوص المتعلقة بموضوعه كثيرًا ما يوقع في الخطأ، ويبعده عن جادة الصواب، وعن المقصود الذي سيق له الحديث.


5.2 ضوابط فهم السنة والحاجة لخدمتها خدمة تليق بها


ثالثًا: الجمع أو الترجيح بين مختلف الحديث
الأصل في نصوص الشريعة الثابتة أن لا تتعارض؛ لأن الحق لا يعارض الحق، فإذا افترض وجود تعارض فإنما في ظاهر الأمر لا في الحقيقة، والواقع، وكان علينا أن نزيل هذا التعارض المدعى، وإذا أمكن إزالة التعارض بالجمع والتوفيق بين النصين بدون تكلف واعتساف بحيث يعمل بكل منهما، فهو أولى من اللجوء إلى الترجيح بينهما؛ لأن الترجيح يعني إهمال أحد النصين، وتقديم الآخر عليه، ومثال ذلك حديث النظر من النساء إلى الرجال، وزيارة النساء للقبور، وأحاديث العزل، ونحوها.

5.2 ضوابط فهم السنة والحاجة لخدمتها خدمة تليق بها


رابعًا: فهم الأحاديث في ضوء أسبابها، وملابساتها، ومقاصدها
ومن حسن الفقه في السنة النبوية النظر فيما بني من الأحاديث على أسباب خاصة، أو ارتبط بعلة معينة منصوص عليها في الحديث، أو مستنبطة منه، أو مفهوم من الواقع الذي سيق فيه الحديث، لا بد من فهم الحديث فهمًا سليمًا دقيقًا من معرفة الملابسات التي سيق فيها النص، وجاء بيانًا لها، وعلاجًا لظروفها؛ حتى يتحدد المراد من الحديث بدقة، ولا يتعرض لشطحات الظنون، أو الجري وراء ظاهر غير مقصود، فلا بد من التفرقة بين ما هو خاص وما هو عام، وما هو مؤقت وما هو خالد، وما هو جزئي وما هو كلي، فلكل حكمه، والنظر إلى السياق والملابسات والأسباب تساعد على سداد الفهم، واستقامته لمن وفقه الله.
مثال ذلك حديث (( أنتم أعلم بأمر دنياكم )) الذي ورد في قصة تأبير النخل، ولا يفهم فيه التهرب من أحكام الشريعة في المجالات المدنية ونحوها، ولذا كان للصحابة والتابعين منهج في النظر إلى علل النصوص وظروفها، كموقف عثمان وعلي من ضالة الإبل، وموقف عمر من عدم تقسيم الأرض المفتوحة، أو ما بني من نصوص على عرف تغير مثل: (( البر بالبر كيلًا بكيل )) فصار "وزنًا بوزن"، وتقدير نصاب زكاة النقود بالذهب أو بالفضة، وتغير العاقلة الدية في عهد عمر -رضي الله عنه. كما ينبغي أن يراعى أيضًا السنة بين اللفظ والروح، وبين الظواهر والمقاصد.

5.2 ضوابط فهم السنة والحاجة لخدمتها خدمة تليق بها


خامسًا: التمييز بين الوسيلة المتغيرة، والهدف الثابت للحديث
ومن أسباب الخلط والزلل في فهم السنة أن بعض الناس خلطوا بين المقاصد والأهداف الثابتة التي تسعى السنة إلى تحقيقها، وبين الوسائل الآنية والبيئية التي تعينها أحيانًا للوصول إلى الهدف المنشود، فتراهم يركزون كل التركيز على هذه الوسائل كأنها مقصودة لذاتها، مع أن الذي يتعمق في فهم السنة وأسرارها يتبين له أن المهم هو الهدف، وهو الثابت والدائم، والوسائل قد تتغير بتغير البيئة أو العصر أو العرف أو غير ذلك من المؤثرات، كأحاديث الأدوية، والأغذية، والأعشاب، والحبوب، وغيرها، مما وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم- للتداوي به في علاج بعض العلل والأمراض البدنية، كذلك العدة في القتال، وهي تتغير من عصر إلى عصر، ومن بيئة إلى أخرى، بل هي لا بد متغيرة، فإذا نص الحديث على شيء منها (( ألا إن القوة الرمي )) ؛ فإنما ذلك لبيان الواقع لا ليقيدنا بها ويجمدنا عنها.
سادسًا: التفريق بين الحقيقة والمجاز في فهم الحديث
اللغة العربية لغة للمجاز فيها نصيب موفور، والمجاز أبلغ من الحقيقة كما هو مقرر في علوم البلاغة، والرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- أبلغ من نطق بالضاد، وكلامه تنزيل من التنزيل، فلا عجب أن يكون في أحاديثه الكثير من المجاز والاستعارة التمثيلية، وكل ما يخرج باللفظ أو الجملة عن دلالاتها المطابقية الأصلية، وإنما يعرف المجاز في الكلام بالقرائن الدالة عليه سواء كانت قرائن مقالية أم حالية، ومن ذلك ما ينسب فيه الكلام والحوار إلى الحيوانات والطيور والجمادات والمعاني،

5.2 ضوابط فهم السنة والحاجة لخدمتها خدمة تليق بها


وحمل الكلام على المجاز في بعض الأحيان يكون متعينًا، وإلا زلت القدم، وسقط المرء في الغلط، كما قال -صلى الله عليه وسلم- لنسائه: (( أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا )) .
كما ينبغي أن نحذر من التوسع في التأويلات المجازية، وأن نرد التأويلات المرفوضة ولا كرامة، ونرد على من أنكر المجاز كذلك.

سابعًا: التفريق بين الغيب والشهادة
تعرضت السنة لموضوعات تتعلق بعالم الغيب بعضها يتصل بغير المنظور من عالمنا هذا مثل الملائكة الذين جندهم الله تعالى لوظائف شتى، ومثل الجن، ومنهم الشياطين، ومثل العرش، والكرسي، واللوح، والقلم، وبعض هذه الغيبيات يتصل بالحياة البرزخية والحياة الآخرة، وما فيها كالحديث عن الميزان، والصراط، والشفاعة، والجنة ونعيمها، والنار وعذابها من حسي ومعنوي، إلى غير ذلك، وكل هذه الأمور أو جلها تعرض لها القرآن، ولكن السنة المشرفة فصلت فيها وتوسعت، فلا ينقل من ذلك إلا ما صح عنه -صلى الله عليه وسلم- وقد يذكر من الغيبيات ما يخالف مألوف الناس فلا ينكر لذلك، فقد قدر علماؤنا أن الدين قد يأتي بما يحار فيه العقل، ولكن لا يمكن أن يأتي بما يحيله العقل، فلا يتناقض صحيح المنقول، وصريح المعقول بحال من الأحوال.

5.2 ضوابط فهم السنة والحاجة لخدمتها خدمة تليق بها


وقد ذكر الإمام الشاطبي في كتابه (الاعتصام) أن من خصال أهل الابتداع والانحراف ردهم للأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدعون أنها مخالفة للمعقول وغير جارية على مقتضى الدليل، فيجب ردها، ومن هنا رد المعتزلة الكثير من الأحاديث التي تحدثت على سؤال الملكين في القبر، وما يعقب ذلك من نعيم أو عذاب، وموقفهم من أحاديث الميزان والصراط، وموقفهم من رؤية المؤمنين لله تعالى في الجنة، وبعض الأحاديث التي تتحدث عن الجن وعلاقته ببني الإنسان إلى غير ذلك.
والموقف السليم الذي يفرضه منطق الإيمان، ولا يرفضه منطق العقل أن نقول في كل ما أثبته الدين من الغيبيات: "آمنا وصدقنا"، كما نقول في كل ما جاء به من التعبديات: "سمعنا وأطعنا"، أجل نؤمن بما جاء به النص، ولا نسأل عن كونه وكيفه، ولا نبحث عن تفاصيله؛ فإن عقولنا كثيرًا ما تعجز عن الإحاطة بهذه الأمور الغيبية؛ فإن الله الذي خلق الإنسان لم يؤهله لمثل هذا الإدراك؛ لأنه لا يحتاج إليه للقيام بمهمته في الأرض، والخطأ الأساسي الذي وقع فيه المنكرون هو قياس الغائب على الشاهد، والآخرة على الأولى؛ وهو قياس مع الفارق، فلكل دار قوانينها.

5.2 ضوابط فهم السنة والحاجة لخدمتها خدمة تليق بها


ثامنًا: التأكد من مدلولات ألفاظ الحديث
ومن المهم جدًّا لفهم السنة فهمًا صحيحًا التأكد من مدلولات الألفاظ التي جاءت بها السنة؛ فإن الألفاظ تتغير دلالاتها من عصر لآخر، ومن بيئة لأخرى، وهذا الأمر معروف لدى الدارسين لتطور اللغات وألفاظها، وأثر الزمان والمكان فيها؛ فقد يصطلح الناس على ألفاظ للدلالة على معاني معينة، ولا مشاحة في الاصطلاح، ولكن المخوف هنا هو حمل ما جاء في السنة من ألفاظ -ومثل ذلك القرآن- على المصطلح الحادث، وهنا يحدث الخلل والزلل، ومن لم يراعِ هذا الضابط يقع في أخطاء كثيرة كما نرى في عصرنا.

السنة النبوية في حاجة إلى أن تخدم خدمة تليق بمكانة السنة، وبمنزلة الأمة الإسلامية
لا بد لنا أن نؤكد أن السنة النبوية التي هي المصدر المعصوم الثاني لهداية المسلمين، وهي المرجع التالي لكتاب الله في مجال التشريع والقضاء والفقه، وفي مجال الدعوة والتربية والتوجيه، في حاجة إلى أن تخدم خدمة تليق بمكانة السنة، وبمنزلة الأمة الإسلامية في القرن الخامس عشر الهجري، بل وهي تعيش هذا القرن الحادي والعشرين الميلادي، وهي خدمة لا بد أن تتعاون فيها المؤسسات العلمية الإسلامية حتى تخرج للعالم طيبة الأكل، ناضجة الثمار، وارفة الظلال.

5.2 ضوابط فهم السنة والحاجة لخدمتها خدمة تليق بها


إن السنة في حاجة إلى موسوعة شاملة لرجال الحديث، حاصرةً لجميع الرواة، ولكل ما قيل فيهم من وصف وتعريف، أو توثيق وتضعيف، حتى الوضاعين والكذابين، وموسوعة أخرى لمتون الأحاديث بأسانيدها، وبكل طرقها جامعة لكل ما روي من السنة ونسب إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- من كل المظان الممكنة، والمصادر المطبوعة والمخطوطة إلى نهاية الثلث الثاني من القرن الخامس الهجري، وهاتان الموسوعتان تهيئان لموسوعة ثالثة هي الهدف المنشود من وراء هذا العمل الكبير، وهي موسوعة الصحاح والحسان المنتقاة من الموسوعة الشاملة، وفقًا للمعايير العلمية الدقيقة التي وضع قواعدها الجهابذة من علماء الأمة السابقين، والتي ينبغي أن تكرم من قبل أهل الذكر والاختصاص من علماء الأمة المعاصرين.
ويجب أن تبوّب هذه الموسوعة المنتقاة تبويبًا جيدًا وجديدًا مستوعبًا، وتفهرس فهرسة حديثة شاملة، وتصنف تصنيفًا يخدم جميع العلوم الدينية، والإنسانية، والاجتماعية وسائر العلوم التي تعرضت لها السنة، ويفيد الباحثين في مجالاتها المتنوعة، ومما يعين على هذا كله استخدام ما علمه الله للإنسان في هذا العصر، وسخره له من أدوات وأجهزة متطورة أبرزها هذا الحاسوب، الذي سماه أحد إخواننا "حافظ عصرنا"، والحق أنه أكثر من حافظ، إنه إذا أحسنا الاستفادة منه يستطيع أن يقدم لنا خدمات علمية كبيرة ودقيقة ومتنوعة، لم يكن السابقون ليحلموا بها أو لتخطر على بالهم، وإني لأرجو أن يقوم مركز بحوث السنة والسيرة في قطر بالتعاون مع المراكز والمؤسسات المماثلة بدوره المنشود في هذا الميدان.

5.2 ضوابط فهم السنة والحاجة لخدمتها خدمة تليق بها


ثم إن السنة في حاجة إلى شروح جديدة تجلي الحقائق، وتوضح الغوامض، وتصحح المفاهيم، وترد على الشبهات والأباطيل، مكتوبة بلسان الناس ومنطقهم في هذا العصر لنبين لهم، لقد حظي القرآن في عصرنا -وحق له- بعلماء كبار عكفوا على تفسيره واستنباط لآلئه وجواهره، مخاطبين العقل الحديث بما أتيح لهم من معارف وثقافة جعلتهم يدخلون إلى العقول والقلوب من أوسع الأبواب، رأينا ذلك في تفاسير محمد رشيد رضا، وجمال الدين القاسمي، والطاهر بن عاشور، وأبي الأعلى المودودي، وسيد قطب، ومحمود شلتوت، وغيرهم.
ولم تحظَ كتب السنة، وبخاصة الصحيحين بالشروح من مثل هؤلاء العمالقة الذي يجمعون بين الأصالة والتجديد، هناك جهود مشكورة في شرح كتب السنن الأربعة؛ لإخواننا من علماء الهند وباكستان، ولكن يغلب عليه الطابع النقلي التقليدي؛ فهي لا تخاطب المثقف المعاصر، وعسى الله أن يوفق بعض الدعاة الكبار لشرح صحيحي الشيخين البخاري ومسلم شرحًا علميًّا عصريًّا، فتخدم بذلك الثقافة الإسلامية خدمة جلية وجليلة.
هذا؛ ولئن كانت طاعة الله تتمثل بطاعة كتاب الله تعالى، والالتزام التام بمحكمة، واتباع أوامره، واجتناب نواهيه، والتسليم بمتشابهه، والاعتبار بأخباره، والفهم لسننه، وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وطاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تظهر باتباع أوامره، وطاعته التامة في حياته، واتباع سنته بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم.

5.2 ضوابط فهم السنة والحاجة لخدمتها خدمة تليق بها


ومنذ ظهور الإسلام والاحتجاج بسنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم كالاحتجاج بكتاب الله تعالى، وفقًا لضوابط معروفة لأئمة المسلمين ومجتهديهم، والمسلمون -كل المسلمين- يعلمون من الدين بالضرورة العقلية والبداهة الفطرية حجية السنة من أقوال وأفعال وتقريرات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل ما تعلق بالتبليغ والتشريع والبيان، ولا يسع مؤمنًا بالله ورسله أن يقول بخلاف ذلك، وكيف يسع مسلمًا أن يقول غير ذلك، والسنة دائرة مع القرآن حيث دار تبين مجمله، وتفصل مبينه، وتوضح آياته، وتفسر بيناته، وتطبق شرائعه، وقد تخصص ما يبدو أنه مفيد للعموم، وتقيد ما يبدو أنه مفيد للإطلاق.
ولذلك كانت حجية السنة النبوية ضرورة دينية لم ينازع فيها أحد من المسلمين من سلف هذه الأمة، ثم نبتت نابتة كليلة الفهم، قليلة العلم، لم تفرق بين السنة من حيث كونها سنة ثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثبوتًا قاطعًا أو ظاهرًا، وبين طرق سنن الماضين وأخبار الغابرين، وماذا إن كان الاحتجاج بالخبر المنقول عن الأولين؟ وما مستوى الاحتجاج به؟ وما مرتبته بين وسائل الإدراك الإنساني؟ وهل يقوى على معارضة المحسوس أو المعقول إذا جاء على مناقضته أولًا، وقد توهمت تلك النابتة أن النقاش في هذه القضية المنهجية الفلسفية إنما هو جدال في حجية السنة النبوية ذاتها، فسحبت كل ذلك الجدل المنهجي الفلسفي إلى دائرة السنة النبوية باعتبار أن السنن أحاديث، وأن الأحاديث إخبار، وأن جل ذلك الجدل إنما هو في الإخبار، ولم تلتفت إلى الفروق الكبيرة الهائلة بين السنة النبوية ذاتها من حيث كونها سننًا، وبين طرائق نقلها، والإخبار بها من ناحية، كما لم تلتفت إلى الفروق بين مناهج الإخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومناهج الإخبار عن سواه، فكانت نتيجة ذلك الخلط أن ثار ذلك الجدل العجيب

5.2 ضوابط فهم السنة والحاجة لخدمتها خدمة تليق بها


حول حجية السنة بذاتها، واحتل مساحات واسعة في الدراسات الأصولية والحديثية كان يمكن أن تخصص لمجالات مناهج فهم السنة، وطرائق فهمها، وبيان مناهج استفادة الدروس والعبر منها، ونحو ذلك من دراسات تيسر للمسلمين في كل مكان وزمان كيفية بناء أفكارهم وتصوراتهم وثقافتهم، ومناهج حياتهم ومجتمعاتهم، وفقًا لتوجيهات السنة والدروس المستفادة منها.
ولقد كان لتلك المعارك المفتعلة حول حجية الأخبار بعامة، وحجية أخبار الآحاد بخاصة آثار سلبية خطيرة أخرى في تكريس الفرقة، والاختلاف بين المسلمين، وتحويل البحث والدراسات الإسلامية في السنة في بعض الأحيان إلى موضوعات نظرية لا أثر إيجابيًّا لمعظمها، بل كان لكثير منها آثار سلبية في المجالات الفكرية والعملية الإيجابية، منها على سبيل المثال قضية مرتبة السنة النبوية من الكتاب، وقضية نسخ السنة بالكتاب، ونسخ الكتاب بها، استقراء العقل المسلم بما لا مزيد عليه في مجال التوثيق والرواية، وتصحيح الأسانيد ونقدها، فإذا نظرنا في مساحة نقض المتون ومناهج دراستها وتحليلها ظهر البون الشاسع بين الجهود الضخمة الهائلة التي بذلت في مجال نقد الأسانيد، والجهود المحدودة التي أنفقت في مجال نقد المتون، ووضع المناهج والمقاييس العلمية لدراستها وتحليلها، وإبراز علاقة الأحاديث المختلفة بالزمان والمكان والبيئة والواقع.

5.2 ضوابط فهم السنة والحاجة لخدمتها خدمة تليق بها


ولقد قام الفقهاء -رحمهم الله تعالى- بجهود كثيرة مشكورة في المجال التشريعي كان يمكن أن تفي بالغرض وتؤدي الحاجة لو شملت جميع جوانب السنة، وسائر أنواعها، ولكنها أتمت السنة التشريعية، وطبقت منهجها في مروياتها، ولما كانت السنة النبوية المطهرة تمثل في جملة المرحلة التطبيقية النبوية البيانية في ظروفها الزمانية والمكانية، وبكل خصائص المرحلة الموضوعية، والاجتماعية، والاقتصادية، والفكرية؛ فإن دراسة مناهج الفهم للسنة تعتبر من أكثر الدراسات الأصولية والحديثية ضرورة وأهمية؛ فلقد كانت تلك المرحلة تجسيدًا علميًّا لمنهج الله على أرض، وكان القرآن العظيم ذاته يقود حركة التطبيق والتجسيد للمنهج في الواقع، ويهيمن على سائر جوانبها ليصوغها وفقًا لمنهجه، ويجعلها التعبير الكامل عنه لترجع البشرية إليه دائمًا وأبدًا، فكثيرًا ما كانت آياته الكريمة تنزل بتقويم علمية التطبيق، ونقدها، وتحليلها، وتصويبها، وتسديدها، والاستدراك عليها، تجسد ذلك واضحًا في كثير من آيات سورة "آل عمران"، و"الأنفال"، وغيرهما.

5.2 ضوابط فهم السنة والحاجة لخدمتها خدمة تليق بها


ومن أجل ذلك ينبغي العمل على تحويل مجرى اهتمام الدراسة الأصولية والحديثية من القضايا المحسومة تاريخيًّا إلى القضايا التي لم تحسم بعد، فقضية الحجية قضية قد تم حسمها، فما يسع مسلمًا يؤمن بالله ورسوله أن ينكر حجية السنة.
والعمل على توجيه أنظار الباحثين في مجالات السنة النبوية للاستفادة من الحاسوب لتيسير السنة لمختلف صنوف العلماء والباحثين، والعناية بالتصنيف الموضوعي للسنة، والاستفادة من المناهج العلمية النافعة في هذا المجال لتحقيق أهدافنا في جعل السنة النبوية مصدرًا للمعرفة الإنسانية الاجتماعية بكل أنواعها، وعدم الاقتصار على جعلها مصدرًا للمعرفة الفقهية وحدها.
ومن ثم فإن قضية فهم السنة النبوية، وبلورة مناهج الفهم، ومقاييس ضوابط نقد المتون، ونحو ذلك من القضايا التي تساعد على اتخاذ السنة النبوية المطهرة مصدرًا للثقافة، والمعرفة، والحضارة الإسلامية، وهي قضية مهمة تحتاج لكثير من الجهود العلمية، والدراسات الجادة، والندوات العلمية لكي تستعيد السنة دورها الإيجابي الفعال في بناء الحياة الإسلامية المعاصرة، وقد تبدو الحاجة أشد إلى أن تشمل برامج الدراسات الحديثية في الجامعات، والكليات، والمعاهد الإسلامية على هذه القضايا، وإحلالها محل دراسة القضايا التي تم حسمها، ولم تعد مجالَ بحثٍ.
وبعد أن نصل إلى هذا المستوي ينبغي أن يتضاعف الاهتمام بقضية فهم السنة، وإشاعة وترسيخ قواعد فهمها، وضوابطه، وشروطه، وبيان أسباب تفاوت الفهم واضطرابه في بعض الأحيان، وكيف حدثت أزمة فهم السنة، وما هي عواملها؟ وكيف تحلل القضايا المتداخلة التي أدى الخلط والتداخل بينها إلى تفاقم أزمة الفهم؟ وما أثر أزمة الفهم بظهور الكلام في قضية الحجية، ومن القضايا التي تحتاج إلى مزيد من البحث في هذا الجانب، ولها صلة بقضية فهم السنة النبوية ودراستها: شروط الفهم.