5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، ...
5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، وواجبنا نحوها، وكيف نتعامل معها
أولًا: منزلة السنة في الإسلام
إن السنة هي التفسير العملي للقرآن الكريم، وهي التطبيق الواقعي والمثالي أيضًا للإسلام؛ فقد كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هو القرآن مفسرًا، والإسلام مجسمًا، وقد أدركت هذا المعنى أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- ببصيرتها ومعايشتها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعبرت عن ذلك بعبارة مشرقة بليغة حين سُئلت عن خلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: "كان خلقه القرآن"؛ فمن أراد أن يعرف المنهج العملي للإسلام بخصائصه وأركانه، فليعرفه مفصلًا مجسدًا في السنة النبوية القولية، والعملية، والتقديرية.
فالسنة منهج شمولي؛ فهي منهج يتميز بالشمول لحياة الإنسان كلها طولًا، وعرضًا، وعمقًا، ونعني بالطول الامتداد الزمني والرأسي الذي يشمل حياة الإنسان من الميلاد إلى الوفاة، بل من المرحلة الجنينية إلى ما بعد الوفاة، ونعني بالعرض الامتداد الأفقي الذي يشكل مجالات الحياة كلها بحيث تسير معه الهداية النبوية في البيت، وفي السوق، وفي المسجد، وفي الطريق، وفي العمل، وفي العلاقة مع الله، والعلاقة مع النفس، والعلاقة مع الأسرة، والعلاقة مع الآخرين مسلمين وغير مسلمين، بل مع الإنسان، والحيوان، والجماد.
ونعني بالعمق الامتداد في أغوار حياة الإنسان؛ فهي تشمل الجسم، والعقل، والروح، وتضم الظاهر والباطن، وتعم القول والعمل والنية، وهي منهج متوازن؛ فهي منهج يتميز كذلك بالتوازن يوازن بين الروح والجسم، بين العقل والقلب، بين الدنيا والآخرة، بين المثال والواقع، بين النظر والعمل، بين الغيب والشهادة، بين الحرية والمسئولية، بين الفردية والجماعية، بين الاتباع والابتداع؛ فهو منهج وسط لأمة وسط.
5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، ...
5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، وواجبنا نحوها، وكيف نتعامل معها
ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا لمح من بعض أصحابة جنوحًا إلى الإفراط والتفريط ردهم بقوة إلى الوسط، وحذرهم من بغية الغلو والتقصير؛ كحديث الثلاثة -ثلاثة نفر- الذين سألوا عن عبادته -صلى الله عليه وسلم- وحديث عبد الله بن عمرو في الصيام، والقيام، والتلاوة، وهو منهج ميسر.
ومن خصائص هذا المنهج أنه يتميز أيضًا باليسر، والسهولة، والسماحة، ولذلك كان من أوصاف الرسول -صلى الله عليه وسلم- محمد في كتب الأولين من التوراة والإنجيل أنه (( يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ )) [الأعراف: 157]، فلا يوجد في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يحرج الناس في دينهم أو يرهقهم في دنياهم، بل هو يقول عن نفسه: (( إنما أنا رحمة مهداة )) يتأول قول الله تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ )) [الأنبياء: 107]، وقال -عليه الصلاة والسلام: (( إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا )) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- ومعلمًا لأمة: (( يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا )) .
5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، ...
5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، وواجبنا نحوها، وكيف نتعامل معها
ثانيًا: واجب المسلمين نحو السنة
السنة النبوية هي -كما علمت- المنهاج التفصيلي لحياة الفرد المسلم والمجتمع المسلم، وهي تمثل -كما أشرنا- القرآن مفسرًا والإسلام مجسدًا، فقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المبين للقرآن، والمجسد للإسلام بقوله وعمله، وسيرته كلها في الخلوة والجلوة، والحضر والسفر، واليقظة والنوم، والحياة الخاصة والعامة في العلاقة مع الله ومع الناس، ومع الأقارب والأباعد، والأولياء والأعداء، في السلم والحرب، وفي العافية والبلاء، ومن واجب المسلمين أن يعرفوا هذا المنهاج النبوي المفصل لما فيه من خصائص الشمول، والتكامل، والتوازن، والتيسير، وما يتجلى فيه من معاني ربانية راسخة، والإنسانية الفارعة، والأخلاقية الأصيلة، وهذا يوجب عليهم أن يعرفوا كيف يحسنون فهم هذه السنة الشريفة، وكيف يتعاملون معها فقهًا وسلوكًا، كما تعامل معها خير أجيال هذه الأمة الصحابة -رضي الله عنهم- ومن اتبعهم بإحسان.
وينبغي التحذير من آفات ثلاث: تحريف أهل الغلو ذاك التحريف الذي يأتي عن طريق الغلو والتنطع، والتنكب عن الوسطية التي تميز بها هذا الدين، وعن السماحة التي وصفت بها هذه الملة الحنيفية، وعن اليسر الذي اتسمت به التكاليف في هذه الشريعة، وانتحال أهل الباطل.
وهناك الانتحال الذي يحاول به أهل الباطل أن يدخلوا على هذا المنهج النبوي ما ليس منه، وأن يلصقوا به من المحدثات والمبتدعات ما تأباه طبيعته، وترفضه عقيدته وشريعته، وتنفر منه أصوله وفروعه، وتأويل أهل الجهل، وهناك سوء التأويل الذي به تشوه حقيقة الإسلام، ويحرف فيه الكلم عن مواضعه، وتنتقص فيه أطراف الإسلام، وقد قال -صلى الله عليه وسلم: (( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين )) ، إنها معاول ثلاث ينبغي الحذر منها في التعامل مع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم.
5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، ...
5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، وواجبنا نحوها، وكيف نتعامل معها
ثالثًا: مبادئ أساسية للتعامل مع السنة
ومن هنا ينبغي لمن يتعامل مع السنة النبوية لكي ينفي عنها انتحال المبطلين، وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين أن يتشبث بعدة أمور تعتبر مبادئ أساسية في هذا المجال:
فضلا، انقر على الأزرار للتفصيل :
أن يستوثق من ثبوت السنة، وصحتها حسب الموازين العلمية الدقيقة التي وضعها الأئمة الأثبات، والتي تشمل السند والمتن جميعًا، سواء كانت السنة قولًا، أو فعلًا، أم تقريرًا.
أن يحسن فهم النص النبوي وفق دلالات اللغة، وفي ضوء سياق الحديث، وسبب وروده، وفي ظلال النصوص القرآنية والنبوية الأخرى، وفي إطار المبادئ العامة والمقاصد الكلية للإسلام، مع ضرورة التمييز بين ما جاء منها على سبيل تبليغ الرسالة، وما لم يجئ كذلك, أو بعبارة أخرى ما كان من السنة تشريعًا وما ليس بتشريع، والتفرقة بين الخاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم- والعام.
أن يتأكد من سلامة النص من معارض أقوى منه من القرآن أو أحاديث أخرى أوفر عددًا، أو أصح ثبوتًا، أو أوفق بالأصول وأليق بحكمة التشريع، أو المقاصد العامة للشريعة التي اكتسبت صفة القطعية؛ لأنها لم تؤخذ من نص واحد أو نصين، بل أخذت من مجموعة من النصوص والأحكام أفادت بانضمام بعضها إلى بعض يقينًا وجزمًا بثبوتها.
5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، ...
5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، وواجبنا نحوها، وكيف نتعامل معها
رابعًا: السنة التي يرجع إليها في التشريع والتوجيه
إن السنة هي المصدر الثاني للإسلام في تشريعه وتوجيهه، يرجع إليها الفقيه لاستنباط الأحكام كما يرجع إليها الداعية والمربي ليستخرجا منها المعاني الملهمة، والقيم الموجهة، والحكم البالغة، والأساليب المرغبة في الخير والمرهبة عن الشر، ولا بد للسنة لكي تقوم بهذه المهمة أن يترجح لدينا ثبوتها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا يترجم في علم الحديث بأن يكون حديث الذي يستشهد به صحيحًا أو حسنًا، والصحيح يشبه مرتبة الممتاز أو الجيد جدًّا في التقدير الجامعي، والحسن يشبه مرتبة الجيد أو المقبول، ولذا كان أعلى الحسن قريب من الصحيح كما أن أدناه قريب من الضعيف.
وعلماء الأمة متفقون على هذا الشرط في الأحاديث التي يحتج بها في الأحكام الشرعية العملية التي هي عماد علم الفقه، وأساس الحلال والحرام، ولكنهم مختلفون في الأحاديث التي تتعلق بفضائل الأعمال، والأذكار، والرقائق، والترغيب، والترهيب، ونحوها مما لا يدخل في باب التشريع الصريح؛ فمن علماء السلف من تساهل في روايته، ولم يرَ في إخراجه بأسًا، وهذا التساهل ليس على إطلاقه فله مجاله، وله شروطه، ولكن الكثيرين أساءوا استخدامه، فشردوا به عن سواء السبيل، ولوثوا به نبع الإسلام المصفى، وكتب المواعظ والرقائق والتصوف حافلة بهذا النوع من الأحاديث، وكثير من كتب التفسير.
5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، ...
5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، وواجبنا نحوها، وكيف نتعامل معها
أيضًا يجب أن يعلم أن رد الأحاديث الصحيحة كقبول الأحاديث الموضوعة، إن قبول الأحاديث المكذوبة يدخل في الدين ما ليس منه، أما رد الأحاديث الصحيحة، فيخرج من الدين ما هو منه، ولا ريب أن كليهما مرفوض مذموم قبول الباطل ورد الحق، بيد أن الذي ألفت النظر إليه هنا هو رد السنة، وصحاح الأحاديث بناء على فهم خاطئ لاح في ذهن امرئ غير متخصص، ولا متثبت مما يدلنا على ضرورة التأني، والتحري، والتدقيق في فهم السنة، والرجوع إلى مصادرها وأهلها، وهو ما ننبه عليه كمن رد أحاديث صحيحة لسوء فهمها، ومثال أحاديث: (( اللهم أحيني مسكينًا )) ، وحديث تجديد الدين، وحديث (( بني الإسلام على خمس )) ، وغير ذلك.
فنقول: من المجازفة التسرع برد الصحيح، وإن أشكل فهذا أمر لا يجترئ عليه إلا الراسخون في العلم.
خامسًا: السنة في مجال الفقه والتشريع
السنة هي المصدر الثاني للفقه والتشريع بعد كتاب الله تعالى؛ حتى قال الإمام الأوزاعي: "الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب؛ وذلك لأن السنة هي المبينة للكتاب؛ فهي التي تفصل ما أجمله، وتقيد ما أطلقه، وتخصص ما عممه، والذي لا نزاع فيه هو مصدرية السنة للتشريع في العبادات والمعاملات، للفرد وللأسرة وللمجتمع وللدولة".
5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، ...
5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، وواجبنا نحوها، وكيف نتعامل معها
يقول الإمام الشوكاني: "الحاصل أن ثبوت حجية السنة، واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظَّ له في دين الإسلام، ومن قرأ كتب الفقه الإسلامي في أي مذهب كان؛ وجدها طافحة بالاستدلال بالسنة قولًا وفعلًا وتقريرًا" وقد ثبت أن جميع الفقهاء يحتكمون إلى السنة؛ المقل منهم والمكثر معروفًا باسم مدرسة الحديث أو مدرسة الرأي، مع وجوب وضرورة الوصل بين الحديث والفقه كما هو واجب على الفقهاء أن يتعمقوا في علم الحديث كما على المحدثين أن يتقنوا علم الفقه.
سادسًا: السنة في مجال الدعوة والتوجيه
والسنة النبوية بعد القرآن الكريم هي المورد الذي لا ينضب، والكنز الذي لا ينفد؛ ليستمد منه الداعية في خطبته إذا خطب، وفي موعظته إذا وعظ، وفي درسه إذا درس، ففيها من التوجيهات المشرقة، والحجج الدامغة، والحكم البالغة، والكلم الجامعة، والمواعظ المؤثرة، والأمثال المعبرة، والقصص الهادفة، وألوان الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، ما يلين القلوب الجامدة، ويحرك العزائم الهامدة، وينبه العقول الغافلة؛ فهي تسير في خط القرآن في مخاطبة كيان الإنسان كله عقله وقلبه، وهي تعمل على تكوين الشخصية المسلمة المتكاملة ذات العقل الذكي، والقلب النقي، والجسم القوي.
5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، ...
5.1 أسس التعامل مع السنة المطهرة، وبيان منزلة السنة، وواجبنا نحوها، وكيف نتعامل معها
وفي كتب السنة ثروة طائلة للداعية الموفق يتخذ منها زاده، ويملأ منها جعبته، ويتكون منها مع معرفته القرآنية محصوله الأساسي للدعوة والتوجيه، وأول ما ينبغي على الداعية أن يعتمد عليه، وينهل من معينه من كتب السنة متحريًا الصحيح عند الاستشهاد بالحديث، ويحذر تلك الآفة التي وقع فيها كثير من الوعاظ، وخطباء المساجد في أكثر البلاد الإسلامية أنهم حاطبو ليل، ومن فقه الداعية الموفق أن لا يحدث الناس بكل ما يعرفه من أحاديث وإن كانت صحاحًا، إذا كان يفهم على غير وجهه، أو يرسي إحباطًا عند الناس، أو رضا بالواقع، أو سلبية أو يأسًا أو نحو ذلك.