4.2 المحاور الخمسة للقرآن


القصور عن إدراك محاور القرآن
القرآن أساس للحياة الأدبية في التاريخ الإسلامي، ولا شك أن آيات الأحكام كانت من وراء قيام علم الفقه التشريعي، لكن هل القرآن آيات أحكام فقط أم أنه مجموعات أخرى من الآيات تكون كل مجموعة محورًا خاصًّا يدور عليه القرآن الكريم، هناك محور القصص القرآني، وهناك محور الفطرة الإسلامية، كان الممكن جدًّا أن يقوم علم للفلسفة الإسلامية يستكشف الفطرة على نحو ما فعل صاحب كتاب (حي بن يقظان)، وعلى نحو ما حاول أن يمشي وراءه الشيخ "نديم الجسر" في كتابه (قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن).
وبلا شك فإن هذا النوع من الفكر أو الأساس القرآني مهاد صالح لفلسفة إسلامية تمتد بها مدرسة الإسلام الفلسفية القديمة امتدادًا صالحًا، هناك أيضًا علوم الإنسانية خذ منها مثلًا علم التاريخ، وعلم التاريخ علم مهمل في ثقافتنا على نحو شائن، ولا أزال أعجب لماذا لم يدرس التاريخ كبحث وتحليل وراء ذلك المد والجزر في الحياة الإسلامية، والدولة الإسلامية، والسياسة الإسلامية، والثقافة الإسلامية، لماذا لم تدرس أسباب الانكماش حينًا والتضخم حينًا آخر في تاريخنا؟
إن قصص القرآن وآياته أكثر من آيات الأحكام، لم يأخذ امتدادًا أبدًا في حياتنا، بل هناك منهج هذا العلم -علم التاريخ- واعتبروه علم خرافات، وهذا شيء عجب.

4.2 المحاور الخمسة للقرآن


ومن العلوم الإنسانية الجديدة: علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الأخلاق، هذه العلوم علوم أساسية في الفلسفة الإنسانية، وهي أساسية في الثقافة الإسلامية، ومع ذلك لم تأخذ الامتداد المطلوب، كما سرى هذا الامتداد في أنواع الثقافة الإسلامية الأخرى، ألحظ أن الفقه الإسلامي تحول في العصور الأخيرة بعد قرن أو قرنين من الثقافة الإسلامية في نمو غير طبيعي إلى تصوير أحكام جزئية لا حصر لها، كما تحول علم الحديث إلى نمو غير طبيعي أيضًا في جمع الأحاديث الواهية، البخاري كل ما فيه ألفان وبضع مئات من الأحاديث الصحيحة، وهو أدق الكتب بيقين، فما الذي جعل عشرات الألوف من الأحاديث تدخل ميدان الترغيب والترهيب، وتدخل في الثقافة الإسلامية؟!
هذا التمدد في خلايا دينية كان على حساب العمل الصحيح في فهم القرآن والسنة، ولذلك وجدنا أن علم الاجتماع عندنا انكمش، كتب فيه ابن خلدون كتابة جيدة، لكن من قبله ومن بعده، آيات النظر في الكون والحياة وجدنا أعجب ما يقع للناس فيها، وهم: الحسن بن الهيثم، والخوارزمي، وبعض الذين اشتغلوا بالكيمياء مثل جابر بن حيان، وغيره، هؤلاء كان يمكن أن يتكون منهم مولود شرعي لآيات النظر في الكون، لو أن ما أسداه هؤلاء من خير للحياة العملية وجد امتداده الطبيعي في الإسلام أو في الفلسفة القرآنية، وإذا لم تلد آيات النظر في الكون هذه الاتجاهات إلى دراسة المادة، ودراسة الكون نفسه فما الذي تلده؟

4.2 المحاور الخمسة للقرآن


ومع هذا فإن خمريات أبي نواس ومجونه وجدت في الثقافة الإسلامية متسعًا لم تجده أعمال الذين مضوا مثل جابر بن حيان، والخوازرمي، وغيرهما من المفكرين.
علم النفس مثلًا كنا ندرسه ونحن طلاب في كلية أصول الدين لاحظت وعدد من زملائي أن هناك أشياء يمكن أن ندخل علم النفس فيها بالنسبة للثقافة القرآنية، كنا ندرس نظرية ماكدوجال في الغرائز، ونظرية الغرائز كما وضعها ماكدوجال أهملها علماء نفس جاءوا بعده، وبنوا السلوك الإنساني على قواعد أخرى غير التي بنى عليها، أنا لا يعنيني ما صنعه الآخرون، وإنما يعنيني ما صنعناه نحن، ونحن ندرس هذه الغرائز، الغريزة يكون فيها دائمًا وجدان أو انفعال وجداني، والعاطفة تكون مفردة، أو مزدوجة، أو مركبة من عدة انفعالات، فكنت أتحدث مع زملائي أن الخوف عنصر في غريزة من غرائز الإنسانية، وهو عنصر بسيط إذا انضم إليه غيره أخذ صفة أخرى، فمثلًا انفعال الخوف مع غريزة التعجب ينتج الإعجاب.
وبدأنا ندرس القرآنيات على هذا الأساس، فلاحظنا أن عناصر الشعور الثلاثة -الإدراك، والوجدان، والنزوع- وجدت في قوله تعالى: (( لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا )) [الكهف: 18]، وجدنا أن ما يشد العقل الباطن موجود فيما روته عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (( إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى، قالت: فقلت: ومن أين تعرف ذلك؟ قال: أما إذا كنت راضية فإنك تقولين لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلتِ: لا ورب إبراهيم، قالت: قلت: أجل، والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك )) .

4.2 المحاور الخمسة للقرآن


هذا نوع من معرفة العقل الباطن للمرأة أو للإنسان عامة، المهم نحن في دراستنا للقرآن كان في الإمكان قديمًا وحديثًا أن نكون كالذين درسوا الكون المادي، هناك علماء جيولوجيا في الأرض، هناك علماء فلك في السماء، علماء ظواهر جوية، هناك علماء كثيرون ما فرض أحدهم منطقه على الآخر، فليس لعالم الفلك أن يفرض على عالم الجيولوجيا منطقه في الفهم وتقرير الأحكام، لكن عندنا وجدنا أمة القرآن أصيبت بإصابات جسيمة عندما حاول الفقهاء وحدهم أن يفرضوا أنفسهم بفقه الفروع وتوسعاته على الثقافة الإسلامية كلها، فضمرت العلوم الإنسانية ضمورًا شديدًا، كما ضمرت العلوم الكونية، كما ضمرت أنواع أخرى من المعرفة.
والقرآن فيه هذا الشمول الذي يلد المعارف كلها التي نحتاج إليها، شمولية القرآن كشمولية الكون، فعندما أذهب إلى حديقة من الحدائق يعنيني إذا كنتُ عالمَ نباتٍ الزهورُ وما يتصل بها، لكن الكون يعرض نفسه كلًّا لا يتجزأ، فما يعنيني آخذه، وما يعني غيري من علماء التغذية وغيرهم فإنهم يجدونه في الكون؛ لأن الكون مكتمل في أصله الذي يعرض به على الناس، وكذلك القرآن الكريم؛ وكل مشغول بناحية من المعارف القرآنية يستطيع أن يأخذ ما يعنيه، كما قال الشاعر: ولكن تأخذ الأفهام منه على قدر القرائح والعقول
شمولية القرآن أصيبت إذا فرض عليها نوع معين من علوم الدين هو الفقه، أما آيات النظر فلم تأخذ امتدادها لتكون علمًا إنسانيًّا في التاريخ وما يتصل به، آيات كثيرة في القرآن الكريم وفي محاوره التي تدرس، لم تأخذ امتدادها لتكون الثقافة الإسلامية الصحيحة، وهذا ما ينبغي أن نستدركه في ثقافتنا الحديثة.

4.2 المحاور الخمسة للقرآن


وعلى ذلك فمحاور القرآن الكريم: الله الواحد، والكون الدال على خالقه، والقصص القرآني، والبعث والجزاء، والتربية والتشريع، هذه هي المحاور الخمسة التي أفاض القرآن في ذكرها، وانتهى فضيلة الشيخ محمد الغزالي إلى أنها أمهات لمسائل أخرى كثيرة تندرج تحتها، بل ذهب المسلمون يعالجون تفسير القرآن معالجة جزئية حرفية دون أن يبسطوا الحقائق القرآنية الكبرى بسطًا يرتفع إلى مستواها، ويستمد منها القيم القرآنية التي وضعها الله لتقود المسلمين بالقرآن إلى التي هي أقوم: (( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا )) [الإسراء: 9، 10].

4.2 المحاور الخمسة للقرآن


المحاور التي تحدث عنها القرآن

المحور الأول
هو حديث عن الله الواحد، ذلك المحور الأول من المحاور التي دارت عليها سور القرآن الكريم؛ حيث كان الناس قديمًا يعرفون الألوهية معرفة ناقصة أو مشوهة، فكانوا يضمون إلى عبادة الله عبادة آلهة أخرى من صنع أنفسهم، وكان تعصبهم لهذه الآلهة المختلفة شديدًا، ربما كان حظها من الإقبال والخشية أكثر من حظ الإله الحق، ويرفضون دعوة الرسل بمثل هذا؛ فيقولون مثلًا: (( أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ )) [الأعراف: 70]، فهكذا فعلت سائر الأمم مع أنبيائها، ومنهم من أنكر البعث بعد الموت: (( وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ )) [الأنعام: 29]، وأنكروا على أنبيائهم ورسلهم في مثل قولهم: (( إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ )) [المؤمنون: 38].
لكن القرآن الكريم رد على هؤلاء، وذكر الحديث عن الله -عز وجل- الخالق المدبر الواحد الذي لا شريك له، والذي ليس له ند أو ضد، وأنه كل شيء هالك إلا وجهه، كل شيء من إنس أو جن أو ملك عبد لله -عز وجل- وحده، يستوي في هذه العبودية حيوان مستخف تحت التراب، أو ملك ساجد تحت العرش (( لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى )) [طه: 6].

4.2 المحاور الخمسة للقرآن


فتحدث القرآن الكريم عن قضية وحدانية الله -عز وجل- في مثل قوله تعالى: (( قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ )) [الشعراء: 23 - 28]، وفي سؤال آخر لفرعون: (( فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى )) [طه: 49 - 55].
وهكذا أخذ القرآن يحدثك عن الله -عز وجل: (( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ )) [الزمر: 62 - 64]، وبين أن ما دونه: (( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا )) [الفرقان: 3].

4.2 المحاور الخمسة للقرآن


إن القرآن يحدثك عن الله -عز وجل- بمثل هذه الصورة العظيمة الموجزة: (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ * وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ )) [سورة الإخلاص: 1 - 4] رادًّا بذلك على النصارى، وعلى غيرهم ممن وقعوا في الشرك بصور متعددة، كما قال تعالى: (( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا )) [مريم: 88 - 95].

المحور الثاني
فهو حديث عن الكون لكن ليس من حيث هو كون، وإنما الكون الدال على خالقه، حين نعيش في زاوية ضئيلة من زوايا كون ضخم، بيد أن هذه الضآلة لم تحجب عظمة الملكوت الكبير بأن الأرض ومن عليها إنما هي صنع الله الذي أتقن كل شيء، وحين ننظر إلى أنفسنا وإلى عالمنا المحدود ندرك أن الخالق، قدير، حكيم، عليم، لا منتهى لكماله، ولا حدود للثناء عليه، إنما غاب من خلقه عن وعينا أكبر مما أحسسنا وعلمنا، والأمر كما قال -جل شأنه: (( لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )) [غافر: 57].

4.2 المحاور الخمسة للقرآن


وبديع السموات والأرض -أي: خالقهما على غير نموذج سابق- أودع في خلايا الأجسام الحية وفي ذرات الأجرام الميتة ما ينادي بعلمه، وحكمته، وبركته، وآلاء تتجدد، ولا تتبدد، وأمجاد، ومحامد تهتف بها خلائق لا تحصى (( وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ )) [الأنبياء: 19، 20]، إن هذا الكون هو المسرح الأول لفكرنا، وهو الينبوع الأول لإيماننا، فلا ينبغي الذهول عن هذا الكون، بل لا بد من النظر فيه: (( إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ )) [الجاثية: 3 - 6].
ويحدثك القرآن عن الكون: (( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ * وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ )) [الحجر: 21 - 23].
ويمضي القرآن الكريم في حديثه عن الكون؛ ليدلك على توحيد الله، وعلى إفراده -سبحانه وتعالى- بالعبادة: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )) [البقرة: 21، 22].

4.2 المحاور الخمسة للقرآن


وهكذا جعلها القرآن سياحة فكرية روحانية، وأنت في نظرك إلى الكون للتعرف على الحقيقة وعلى آفاقها: (( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )) [الأعراف: 54].
فينبغي أن ينظر الإنسان وأن يتدبر؛ لأنه ليس العمى كالبصر، ولا الظلمة كالنور: (( وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ )) [فاطر: 19 - 22].

المحور الثالث
فهو: القصص القرآني: هذا المحور الذي هو من أوسع المحاور القرآنية، لم يكن هذا المحور لمجرد الحكاية والقصص، بل كما لخص الله -عز وجل- الهدف منه: (( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )) [يوسف: 111].

4.2 المحاور الخمسة للقرآن


لقد أراد الله -عز وجل- من خلال هذا القصص أن يكون أداة للتربية: (( كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا )) [طه: 99 - 101].
لقد حدثنا الله -عز وجل- عن الأمم السابقة، وذكر الموعظة من وراء ذلك: (( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ )) [الأعراف: 96 - 99]، كذلك قال ربنا: (( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا )) [الإسراء: 17]، وكذا قال: (( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )) [العنكبوت: 40].

4.2 المحاور الخمسة للقرآن


المحور الرابع
فهو حديث عن البعث والجزاء بصورة واضحة حتى يكاد يكون رأي العين، يحدثك القرآن عن البعث، وهو مستقبل بصورة الماضي: (( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ )) [يس: 51 - 53]، وتمضي آيات كثيرة تحدثك عن الآخرة، وعن البعث بعد الموت، وعما في الآخرة من أحوال، ومن أهوال، ومن جزاء حتى المستقر الأخير (( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ )) [الشورى: 7]. ويحدثك القرآن الكريم عن الجنة كأنك تراها، وعن النار كأنك تراها، نعم إنه حديث عن القيامة بصورة واضحة جميلة.

4.2 المحاور الخمسة للقرآن


المحور الخامس
فهو محور ميدان التربية والتشريع الذي ذكر الله -عز وجل- فيه ما يحب وما لا يحب كأن يقول: إنه يحب التوابين، وإنه لا يحب المعتدين، وإنه يربي الصدقات، وإنه يمحق الربا، وإن الإسلام جاء رحمة بالمعسرين، وإن الله -سبحانه وتعالى- لا يحب من كان مختالًا فخورًا، ولا يحب الله الجهر بالسوء من القول، وإن الله يحب المتوكلين، ولا يحب المسرفين، ولا يحب الفرحين في الوقت الذي يحب المقسطين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا، إلى غير ذلك مما أورده القرآن في هذا المجال، وفي هذه المحاور التي ينبغي أن ننظر إلى القرآن نظرة متفتحة، وأن نحسن التعامل مع كتاب الله -عز وجل.