4.1 من أحكام السنن الإلهية


سنة التدرج
اكتشاف السنن هو الذي مكن العالم المتقدم من التقدم والتحكم، وغفلة المسلمين عنها كانت سبب الانحطاط، والسقوط، والتخلف، أصبحوا مسخَّرين بدل أن يكونوا مسخِّرين، فهل لنا أن نطرح القضية ونقدم شيئًا من النماذج لهذه السنن الواردة في القرآن، وعَجْز المسلمين اليوم عن تسخيرها والتعامل معها؟ وكيف أن جيل القدوة أحسن إدراكها حتى تمكن من بناء الحضارة، من مثل: سنة التدرج، سنة الأجل، سنة التداول الحضاري، سنن المدافعة، سنن التسخير، سنن الله الأخرى في الأنفس والآفاق والكون ... إلى آخره، قال تعالى: (( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا )) [فاطر: 43].
وقد لفت نظري في تفسير كلمة الحكمة تفسير لابن عباس -رضي الله عنهما- يقول فيه: "أخذ الناس بصغار العلم قبل كباره"، هذا ما يستقر بذهني، ويمكن العودة لما يقوله، الحكمة هي أن أحدث الناس بما يطيقون، فقد جاء في هذا الموضوع حديثان؛ أما الحديث الأول: (( حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله )) ، وأما الآخر فهو: (( ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة )) ، وهذا يقتضي أن ننظر إلى حقائق الإسلام كلها بعد جمعها في صعيد واحد، وهي شبكة من التعليمات تتصل بالفرد، والجماعة، والدولة، ثم مَن الذين نخاطبهم؟ وما ظروفهم؟ وما أحوالهم التاريخية، والاقتصادية، والاجتماعية، والحضارية ...؟ إلى آخره؛ فيكون المتحدث لبقًا بحيث ينزل تعاليم الإسلام وفق حاجات الناس، وما يمكن أن تصلحه هذه التعاليم من أوضاعهم.

4.1 من أحكام السنن الإلهية


نريد أن نعلم الناس الإسلام كله، فإذا كان الإسلام سبعين شعبةً أو يزيد فلنبدأ بالأهم فالممهم، ونأخذ الناس بطريق التدرج كما فعل القرآن، وهو يعرض تعاليمه على الناس، والتدرج سنة قرآنية لها أبعاد تربوية لا بد من إدراكها حتى يمكن تبليغ دعوة وإقامة حضارة.
إن تحريم الخمر جاء بعد غزوة أحد بسنتين تقريبًا، أي: إن الناس ممن قتلوا في أحد ماتوا وفي بطونهم خمور، وهم شهداء، ما نقص هذا من إيمانهم ولا أضاع ثوابهم عند الله، المهم أن الإسلام عندما عرض أخذوا بجملة ما عرض منه، وما بقي لم يكلفوا به؛ لأنه لم يطلب منهم. نحن الآن نعرض الإسلام متدرجين في التطبيق، وأعتقد أن العرض في الجبهة الشرقية غير العرض في الجبهة الغربية، وأن الكلام عن الإسلام بين الهنود غير الكلام عن الإسلام بين الزنوج غير الكلام عن الإسلام بين عرب يتبعون إحدى الجبهتين، وهكذا فلا بد من أن نعطي الإسلام على مراحل بحيث إننا سنصل إلى الإسلام كله حتمًا، ولكن بالطريقة التي أُقر بها الإسلام في القلوب والمجتمعات، وهذا ما يمكن أن أسميه سنة التدرج.
ويمكن أن نستعير ما عرَّف به العرب البلاغة من أنها: مطابقة الكلام لمقتضى الحال؛ فنرى أنه لا بد من دراسة أحوال المستفيدين من الخطاب، وعمرهم الحضاري، وعقلهم، والمشكلات التي يعانون منها، ثم بالتالي التفكير بما يعرض عليهم مع احتفاظ الداعي بالرؤية الشاملة للإسلام التي يجب أن ننتهي بالناس إليها، وقد يكون المطروح التدرج في التطبيق، أما التشريع فأمره استقر عند الحكم النهائي بعد أن أكمل الدين.
هل يمكن أن نعرض لبعض الآيات في مجال التدرج غير آية الخمر الشهيرة، وكيف يمكن التعامل معه من خلال واقعنا المعاصر؟

4.1 من أحكام السنن الإلهية


نعم؛ الربا نفسه لم يتم تحريمه إلا في حجة الوداع تقريبًا؛ لأن آيات "البقرة" من آخر ما نزل من القرآن الكريم.
وألحق بموضوع الربا موضوع الزكاة في سورة "البقرة"، وكان أول ما نزل في سورة "الروم": (( وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ )) [الروم: 39]، ثم وجدنا حديثًا عن الربا في سورة "النساء" يتحدث عن أهل الكتاب: (( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ )) [النساء: 160، 161]، فكان في هذا إشارة إلى أن الربا محرم، ثم وجدنا ما نزل في سورة "آل عمران": (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) [آل عمران: 130]، ثم جاء بعد ذلك ما نزل في "البقرة"، وكان حاسمًا: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )) [البقرة: 278].
ونحن نلمح أبعادًا لسنة التدرج في أركان الإسلام بعد الإقرار بالتوحيد، لقد ذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم: (( فإن استجابوا )) أكثر من مرة عندما أرسل معاذًا إلى اليمن، وبذلك علم كيف يكون الانتقال من قضية إلى أخرى.
التدرج في التعليم بداهة؛ لأني لا أعرض الصلاة على من لم يؤمن بالله -سبحانه وتعالى- فإذا آمن بالله بدأت بما يلي: الصلاة، ثم أجيء بعد ذلك بالزكاة، فأرى أن هذا ترتيبًا في تقديم الأدوية، لكن لا بد منها جملة، أي: أن ما يلمح من قصة بعث معاذ هو تدرج تربوي وتعليمي مع أهمية الاحتفاظ بالقضايا الجوهرية، ويشبه التدرج في قصة إبراهيم -عليه السلام- عندما أراد أن يعلم عبدة الكواكب أن الله واحد فتدرج معهم في أن تمثل الألوهية في النجم، ثم أبطلها، وتمثلها في القمر ثم أبطلها، وتمثلها في الشمس ثم أبطلها، ثم انتهى إلى أن خالق هؤلاء جميعًا هو الله -سبحانه وتعالى.

4.1 من أحكام السنن الإلهية


والقرآن نفسه يلمح فيه هذا التدرج التربوي والتعليمي، فقد كان لا بد أن ينزل القرآن متدرجًا، فالتدريج كان لا بد منه لتربية الناس؛ لأن الأمة تخضع للسنن الطبيعية في صياغتها وبنائها، والتدرج من الأمور الطبيعية؛ لذلك لا يمكن أن نخضع للسنن الخارقة؛ لأن ذلك يحتاج إلى نبوة وإعجاز، هذا صحيح، وأنا كنتُ أتصور أن العرب ناس فيهم سذاجة، أو أنهم بدو معرفتهم بالحياة محدودة، وأن الحروب قلما تكون بينهم، لكن تبين لي بعد ذلك أن أشنع الجرائم كانت موجودة في قلب الصحراء، وفي المدن البدائية، فالشذوذ الجنسي موجود الآن مع الحضارة الغربية المتقدمة جدًّا، لكن كان موجودًا بطريقة غير عادية في ديار لوط في قرى المؤتفكة، وهي قرى من صحراء الأردن.
بخس المكاييل والموازين، وحرص الإنسان على جشعه وأنانيته كان موجودًا أيضًا في قوم شعيب. الكبرياء إلى حد الجبروت الذي نأخذه الآن على قادة الحضارة الغربية، وهي حضارة لم ترَ حرجًا في أن تهلك نحو مليون شخص في اليابان بالقنبلة الذرية في حرب إبادة لا تخضع لأي مقياس خلقي من أجل الانتصار، إنها أخذت الأخضر واليابس، والطفل والمرأة والرجل، هذا الكبرياء وهؤلاء الجبابرة وجدت نماذج لهم في قوم عاد وقوم ثمود، فيبدو أن الطبيعة البشرية هي الطبيعة البشرية مهما اختلفت الوسائل في التنفيس عن الغرائز.
وما نراه من ضراوة الشهوات اليوم كان موجودًا بين بعض القبائل العربية، لكن المهم هو أنه خلال ربع قرن أمكن علاج النفس البشرية كلها من الأمراض؛ لأن الأمراض هنا تشكل نماذج من أمراض في القارات كلها، والخالدة في النفس البشرية على مدى الزمان كله.

4.1 من أحكام السنن الإلهية


سنة الأجل، وسنة التداول الحضاري
سنة الأجل قد تكون قريبة من سنة التدرج فلكل شيء أجل معلوم، ولا يمكن استعجال الأمور واختصارها قبل الأوان، يقول تعالى: (( لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ )) [يونس: 49] كما قال: (( لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ )) [الرعد: 38]، وكذا قال: (( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ )) [العنكبوت: 53]، والأمور مرهونة بأوقاتها، وعلماء الاجتماع اليوم يقدرون عمر الجيل الذي يكون محلًّا للتغيير لسنوات محددة، ولعلها من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين سنة.
ولقد نظرتُ في الزمن الذي استغرقه نزول الإسلام من قوله تعالى: (( اقْرَأْ )) [العلق: 1] إلى قوله تعالى: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ )) [المائدة: 3]، وكذا: (( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ )) [البقرة: 281] فوجدتها ثلاثًا وعشرين سنةً هي عمر الدعوة التي أَحدثت التغيير، ووضعت أساسًا للإنسانية، ومع ذلك يغفل بعض الدعاة اليوم عن سنة الأجل، ويغلب عليهم استعجال النتائج دون وضع المقدمات، وكأنهم يتعاملون مع سنة خارقة.

4.1 من أحكام السنن الإلهية


الله -سبحانه وتعالى- مع أنه يملك كل شيء، ولكنه قال: (( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ )) [الحجر: 21]، لماذا القدر المعلوم؟ لمصلحة الناس؛ تمشيًا مع حكمة أن العطاء يكون على قدر ما يحتاج إليه الإنسان، ودائمًا لا بد من التقدير، فالماء إذا كثر في الزراعة أماتها، وإذا كثر حول الناس أغرقهم، لكن لا بد من الماء، ولا بد أن آخذ من كا ذلك بالقدر الذي أحتاج، كأني أقصد بالأجل العمر الذي يقتضي شروطًا معينة لنمو الفكرة التي تمهد للتغيير، وللوصول إلى النتائج المطلوبة، ليس الفكرة فقط، وإنما شروط معينة لنفس البشر، ونفس النبات؛ لأن الله قادر على أن يخلق الجنين بدل تسعة أشهر في تسعة أيام، أو في يوم واحد، في لحظة، وقادر على أن يجعل الحبوب أو حب الحصيد -كما ذكر في القرآن- بدل أن يحتاج إلى خمسة أو ستة شهور كما في القمح وشهرين أو ثلاثة في الذرة، كان من الممكن أن يقع هذا فجأة، ودفعة واحدة، لكنه سبحانه كما خلق الكون على عدة أيام جعل التدرج هنا في أزمنة، ولأمر ما كان الأستاذ حسن البنا -رحمه الله- يقول لنا: الزمن جزء من العلاج، والزمن هو في الحقيقة بعد رابع من الطول، والعرض، والعمق، ولا بد منه لاستكمال الصورة.
ولقد رأيت الأستاذ "ألكسيس كاريل" في كتابه (الإنسان ذلك المجهول)، وهو طبيب يعتمد على نظرية أينشتاين في علاجاته، وفي وصفه لوظائف جسم الإنسان كأن الزمن حقيقة حسية مع الطول، والعرض، والعمق، يلمح الإنسان من الآيات التي تحدد لكل شيء أجلًا معلومًا أن الآجال أمر آخر غير الأقدار، فالأقدار قد تكون أقرب إلى النوع والصفة، والآجال قد تكون أقرب إلى الشروط والعمر الزمني المطلوب لإنضاج الفكرة بعد مراحل تربوية متتابعة.

4.1 من أحكام السنن الإلهية


سنة التداول الحضاري
بعد أن قص الله -سبحانه وتعالى- قصة غزوة أحد، وما خضع له المسلمون من سنة كان تجاهلها سببًا في سقوطهم، أو في هزيمتهم، قال: (( قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ )) [آل عمران: 165]، عقب الله على ذلك بما يسمى بسنة التداول الحضاري في قوله: (( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ )) [آل عمران: 139، 140].
وقد عبر بعض علماء الحضارة عن هذه السنة بالدورات الحضارية، ووضعوا لذلك سمات وقوانين حاولوا تطبيقها على الحضارات الإنسانية في التاريخ، وقد صح شيء من ذلك على الحضارة الإسلامية، وعز شيء آخر عن الخضوع لحساباتهم في سنة التداول الحضاري، أو الدورات الحضارية؛ لأن الأمة المسلمة لم تمت، والحضارة الإسلامية تجددت وتتجدد دائمًا.
عندما أنظر إلى تواريخ العالم في الشرق والغرب أجد أن الإمبراطوريات والدول كأنها تشبه البشر؛ لأن لها أعمارًا تنتهي إليها، صحيح أن الحضارة ظهرت في الشرق الأوسط، ويبدو أن هذا هو السر في أن أغلب النبوات في الشرق الأوسط؛ لأن ازدهار الملكات الإنسانية كانت في حضارة مصر، والشام، والعراق، وجنوب أوربا في اليونان وإيطاليا، أي: حوض البحر المتوسط تقريبًا، وصحيح أن هناك حضارات كانت في الهند والصين، لكن لا أدري؛ لأن هذه الحضارات التي كانت في أطراف العالم كأنها كانت محلية، أو ما رأيت أنها بلغت في النمو العقلي ما بلغته حضارة الشرق الأوسط، هذا كله نوع من الحدس.

4.1 من أحكام السنن الإلهية


لكن الذي ظهر لي هو أن الحضارة أشرقت من مصر ثم انطفأت، وأشرقت من اليونان ثم انطفأت، وأشرقت من الرومان ثم انطفأت، وأشرقت من بلاد العرب بالإسلام ثم خبت، وبعد هذا يوجد الآن تحول حضاري يقولون: إنه سيجعل الحضارة تشرق من جنوبي آسيا وشرقيها اليابان والبلاد التي تقترب منها، ويخيل إليَّ أن الذين يرون هذا يؤمنون بالحضارة المادية فقط؛ لأن التقدم المادي الآن في اليابان وتايوان وكوريا وغيرها من بلاد جنوب شرقي آسيا يكاد يضارع أوربا وأمريكا، وينافسها في أسواقها الداخلية، لكن أعتقد أن العالم قد تكون له عند الله مكانة تجعله -سبحانه وتعالى- لا يربط كرامة البشر بأسواق السلع البراقة التي جاءت بها الحضارة الحديثة. أنا أتصور أن هناك حضارةً دينيةً يكون الإسلام لُبابها، هي التي ترث العالم، وفي يقيني أن هذه الحضارة الإسلامية ستعم العالم قبل أن ينقضي تاريخ الدنيا.
ولي هنا في القرآن شاهدان:
الشاهد الأول: قوله تعالى في سورة "الروم": (( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ )) [الروم: 55، 56] فكأن هذا الكتاب سيبقى إلى يوم البعث، ومعنى بقاء الكتاب بقاء رسالته وحضارته.

4.1 من أحكام السنن الإلهية


الشاهد الثاني: من سورة "آل عمران" في قوله تعالى: (( وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )) [آل عمران: 55]، والذين اتبعوا عيسى -خصوصًا عندما يظهر بينهم- هم المسلمون، أما النصارى الذين ألهوا عيسى فهم خصوم له وليسو أتباعه، والدليل على هذا من القرآن نفسه، ومن سياق الكلام: (( إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ )) [آل عمران: 51، 52].
فالمسلمون هنا هم الذين يتبعون عيسى عندما ينزل لتكذيب مَن ألهوه، وهم الأتباع الحقيقيون له، وسيبقون إلى يوم القيامة، ورشَّح هذا المعنى أيضًا ما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزًّا يعز الله به الإسلام وذلًّا يذل الله به الكفر )) ، لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل، إما يعزهم الله -عز وجل- فيجعلهم من أهلها، أو يذلهم فيدينون بها.

4.1 من أحكام السنن الإلهية


سنة التدافع، وسنة التسخير

سنة المدافعة
مأخوذة من قوله تعالى: (( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا )) [الحج: 40]، هذه السنة الاجتماعية التي تحكم التجمعات البشرية يلمح الإنسان أثرها الفاعل في كل زمان ومكان؛ حيث يسلط الله الظالمين بعضهم على بعض، وتكون بذلك فرصة لنجاة المستضعفين، ونمو الخير، وحماية أهله، ولعل هذا الذي حمل بعض المفسرين إلى القول بأنه في غياب العدل والحكم الإسلامي لا يمكن أن يسلط الله على البشرية ظالمًا واحدًا يتحكم بها، بل يوجد دائمًا أكثر من ظالم.
ومن خلال مواجهتهم وصراعهم تتحقق فرص النهوض والبناء الحضاري، فإذا أحسن المسلم اليوم التعامل مع سنن المدافعة، يمكن أن يحقق كسبًا وإنجازًا مهمًّا للقضية الإسلامية على الرغم من الضعف والتبعثر، والحكمة هنا في التحرك هي حكم اختيار الموقع الفاعل، فكيف يمكن أن يستفيد المسلمون من سنة المدافعة حتى تستمر حياتهم حينما لا تكون الغلبة لهم، ولا تكون الحضارة لهم في مثل حالنا اليوم، وهل من شواهد قرآنية موضحة؟
حينما أتأمل في قوله تعالى: (( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ )) [البقرة: 251] أشعر بأمرين:

4.1 من أحكام السنن الإلهية


الأمر الأول: أن الاختبار الإلهي ليست له صورة محددة، فصوره كثيرة متعددة، وعلى الإنسان أن يكون على استعداد دائم لكي يتحمل تبعات الدفاع عن معتقده، وعن سيرته ومسلكه وقيمه، لكن كيف سيكون لون هذا الاختبار؟ لا ندري.
الأمر الثاني: أن هذا التدافع هو طبيعة الحياة الفردية والاجتماعية، بمعنى: أنه في داخل الجسم البشري تفرض المناعة نفسها عندما تدخل جراثيم غازية، ويبدأ القتال حتى يبقى الجسم حيًّا، الحياة الإنسانية لا بد فيها من هذا التدافع؛ هذا اللون من التدافع ربما تنشط به أجهزة الإيمان، وتتحرك فيه قواه الداخلية إذا كانت فاترة عندما يشعر بالتحدي، ويكون هذا سببًا في إمداده بحياة جديدة، وهنا سنن الله الكونية التي يجب أن يخضع لها المؤمنون والكافرون.
إن الحياة فيها هذا التصادم المستمر بين قوى ومبادئ مختلفة، وهكذا الحياة يحاول الكفر أن يفرض نفسه، فتنشط قوى الإيمان لكي تبقى، فيبقى الإيمان بعد أن نمت قواه بضغط الكافرين عليه: (( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ )) [البقرة: 251]، هذا التدافع الحضاري جزء من الاختبار الإلهي، وجزء من تمكين الخير من أن تزداد صلابته في مواجهة الشر.
بعض علماء الحضارة مثل "توينبي" وغيره يعتبرون التحدي والاستفزاز، هو سبب في الاستجابة والنهوض الحضاري، هو الذي يقضي على العناصر الشائخة، ويستفز الأمة لتنهض، وتواجه ظروفها وعدوها، وأن فترات التحدي هي فترات خير للأمة؛ لأنها تعيد إليها شبابها، ونهوضها، وما إلى ذلك.

4.1 من أحكام السنن الإلهية


سنة التسخير
السنن الموجودة في القرآن هي -كما أسلفنا- أقرب للمعادلات الرياضية، مقدمات ونتائج، وهي تؤكد نظرية السببية في نهاية المطاف، أي: ربط حصول المسببات بتعاطي الأسباب، ولعل من سنن الله في الكون أيضًا ما يمكن أن نطلق عليه سنة التسخير، وسنن التغيير في الأنفس، تقسيم الناس طبقات من السنن التسخيرية، فهناك مهندس، وهناك عامل، ولا بد أن يسخر المهندس العامل؛ لأن المهندس كأنه يمثل الدماغ، والعامل كأنه الساعد في يده، القيادة والجند، القائد يبقى في مكان يصدر منه الأوامر ولا يتلقى الضربات، وإنما يتلقاها الجند، والمعارك لا تدور إلا بهذا، واحد يصدر الأوامر والثاني ينفذ، هذه سنن تسخيرية، وهي لا تدل على رضا وسخط من الله بقدر ما تدل على أن الله خلق الناس هكذا، والمواهب متفاوتة.
مستحيل أن تقوم شبكة العلاقات الاجتماعية بدون هذا التفاوت، وهذه الفوارق الفردية، هذا صحيح، وهذا ما جاء في قوله -سبحانه وتعالى: (( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )) [الزخرف: 32] فهذا تسخير، وهو سنة كونية، ولا أدري ما دَخْلُنا نحن فيها؟
أردت جانبًا آخر من التسخير، إن الله -سبحانه وتعالى- حينما سخر لنا البحر والأرض والشمس لفت نظرنا لأهمية اكتشاف قوانين التسخير الكونية، ولست أقصد الاجتماعية بين الناس، فمعرفتنا لهذه القوانين التي تنتظمها هي التي تمكننا من القدرة على تسخيرها، أي: إن التقدم العلمي لا يمكن أن يتحقق إلا بفهم قوانين التسخير، الله لفت نظرنا إلى قوانين التسخير، هذا تعبير جديد لحقيقة أخرى: (( خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا )) [البقرة: 29].

4.1 من أحكام السنن الإلهية


فنحن مكلفون بأن نرتفق ما سخره الله لنا، الأوربيون الآن اكتشفوا قوانين التسخير، فأحسنوا تسخير الأرض والبحر ... إلى آخره، هم طوعوا الأدوات التي أتاحها العلم لهم في خدمة قضاياهم، وخدمة مبادئهم، ألا نستطيع أن نقول: بأن هذه القضايا لها قوانين؛ المادة لها قوانين، والتعامل معها لا يمكن أن يتم ما لم يتعرف الإنسان على هذا القانون، وأن القرآن عندما جعل هذه الأمور الكونية مسخرات بأمره، فكيف نُحقق التسخير والعمارة ما لم نكتشف السنن التي تحكمها؟ ممكن، لكن الخلاف الذي بيني وبينك هنا هو في أن قانون التسخير عنوان جديد، لكن المعنى كنا ذكرناه في أن الإنسان خليفة الله في أرضه، ولا بد أن يستولي على كل شيء مسخر لخدمته.
هذا لا بد منه لتحقيق عمارة الأرض، واستخلاف الإنسان، وغير ذلك، لكن تسميتي لهذا القانون بقانون التسخير كانت حتى يلتفت المسلمون لما ورد في القرآن من قوانين لإدراك كنه هذه القوانين، لا بأس، ملحظ يجعل المسلمين -وهم الآن مسخرون في الأرض- أن يعلموا أن الله سخَّر لهم الشمس والقمر، فلا يجوز أن يكونوا آلات بالطريقة التي يعيشون بها.
هناك قضية لم تحظَ بالدراسة المتوازنة في نظري، وهي العلاقة بين البعد الإيماني والسنن التي تحكم عالم الشهادة، ودور البعد الإيماني في الهداية إلى هذه السنن، والتفاعل الذي يحدثه الإيمان بين هداية السماء، واستجابة الأرض لتحقيق الشهود الحضاري، وربط نتائج ذلك بقضية الإيمان.
إن اكتشاف انتظام هذه القوانين وعملها يقود إلى الإيمان بالله، والاستدلال بالأمور المادية والسنن الكونية على الأمور النفسية والإيمانية، ودور الإيمان في التنبه لهذه السنن وإعمالها، وما يهب الإيمان والتقوى الفردَ المسلم من استعدادات تدفعه إلى الإنجاز، ولا تقعد به عاطلًا عن التعامل مع هذه السنن.

4.1 من أحكام السنن الإلهية


فهناك ربط بين الإيمان والصبر -الصبر الإيجابي- وبين تجاوز المحن: (( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ )) [البقرة: 155].
وربط أيضًا بين الاستغفار والتوبة وبين نزول المطر وتحقيق الخير: (( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا )) [نوح: 10 - 12].
وهناك ربط بين الانتصار في ميدان المبادئ والانتصار على الشهوات، وبين الانتصار على العدو: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )) [محمد: 7].
وهناك أيضًا الربط بين الظلم الاجتماعي ومَنْع الفقراء حقوقهم، وبين فقدان الثروة ودمارها، كما قال تعالى: (( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُون * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ )) [القلم: 18 - 20].
وأيضًا الربط بين الفسق والترف وبين الهلاك في قوله تعالى: (( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرً )) [الإسراء: 16].

4.1 من أحكام السنن الإلهية


الخطاب القرآني للفرد والمجتمع، وقضية الإعجاز العلمي في القرآن
وبالنظر إلى القرآن الكريم نجد أن القرآن الكريم له خطاب مع الفرد، وخطاب مع المجتمع، ولا شك أن الخطاب القرآني للناس بشكل عام وللمسلم بشكل خاص يحمل أبعادًا متعددة من التكليف، والتكليف ابتداء إنما يقع بقدر الوسع، فهل نستطيع القول بأن نصيب الفرد من الخطاب القرآني يمكن أن يتحدد على ضوء إمكاناته ووسعه؟ فهل يملك الفرد المسلم وهو يحقق الاستجابة للخطاب القرآني القيام بممارسة عمل القاضي، والسلطة في قطع يد السارق، ورجم الزاني، وما إلى ذلك؟ أم أن الخطاب هنا للسلطان ابتداءً، وأن الفرد معفي من ذلك بشكل مطلق؟ أم أن للفرد نصيبًا من الخطاب القرآني، وهو العمل على إيجاد السلطان المسلم لإنفاذ الأحكام، وبذلك لا نخرج الفرد من نطاق الخطاب القرآني؟
والذي أَعرِفه في الفقه الإسلامي وفي الأحاديث التي وصلت إلى علمي أن الحدود والقصاص وظيفة الدولة، ويستحيل أن يقوم إنسان بإنفاذ الحدود وإنفاذ القصاص وهو من عامة الناس، هذه وظيفة الدولة وليست وظيفة الأفراد، بل في رأيي أن تغيير المنكر -وهو مطلوب من الأمة- لا يعطي هذا الحق كل إنسان؛ لأن تعريف المنكر نفسه يختلف فيه الغوغاء مع الفقهاء، فقد يرى بعض الناس أن تصوير شخص في ورقة معصية وكبيرة من الكبائر، وإن امرأة كشفت وجهها غإن ذلك يكون جريمة، لا بد من وضع حدود ليعلم كل إنسان الدائرة التي يمكن أن يؤدي فيها واجبه الديني.

4.1 من أحكام السنن الإلهية


وأنا أردت من كلمة الخطاب القرآني للإنسان أن لكل إنسان نصيبَه من هذا الخطاب؛ الحاكم له نصيبه، والفرد له نصيبه كذلك، الشعب يعاون الحكومة في تطبيق الأحكام، أما العمل الذي تقوم به الدولة فلا يترك للأفراد ولا يطلب منهم، فكيف أنظم الجهاد مثلًا، الجهاد لا بد له من أجهزة تشرف عليها الدولة، فمثلًا الأمر الإلهي: (( وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ )) [البقرة: 218] كيف ينفذ؟ لا يمكن للإنسان أن يخرج ويقاتل من نفسه، لا بد أن يسلم نفسه للدولة المسلمة.
كذلك القضاء؛ الأمر يحتاج في تحقيق الجرائم، وإثباتها، ومعرفة الجدير بالعقاب، أو مَن تاب الله عليه، كل ذلك يحتاج إلى تخصصات وأجهزة تشرف عليها الدولة، فإذا سقطت الدولة الإسلامية فجهد الناس لإقامة الدولة التي تقوم بوظيفتها، أي: إن نصيبهم من الخطاب إقامة الدولة، وفي غياب الدولة لا يمكن أن أعطي الأفراد حقوق الدولة.
هذا باب إذا فتح فتحت معه أبواب الفوضى، وأبواب الهمجية؛ لأن كل إنسان سيدعي أنه يقيم حكم الله، وهو لا يدري ما حكم الله؟ وتتعدد السلطة، وهكذا.
الحاكم يقول للزاني مثلًا: لعلك قبَّلت، يريد إسقاط الحكم عنه، فإذا جاء من يريد إقامة الحكم بأية طريقة فربما صادم التعاليم الإسلامية وأضاعها، ويوجد الآن ناس كثيرون لا يوثق بفهمهم.

4.1 من أحكام السنن الإلهية


جانب آخر ينظر إليه في القرآن ألا وهو الإعجاز العلمي في القرآن
لقد شاع في الآونة الأخيرة مصطلح الإعجاز العلمي في القرآن إلى درجة إنشاء مؤسسات الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، حتى وصل الأمر عند بعضهم إلى محاولة تحميل الآيات ما لا تحتمله من نظريات والاكتشافات العلمية. ومن الأمور المعروفة أن العلم وصل إلى آفاق وأبعاد متقدمة جدًّا جدًّا، وأن الإعجاز يعني استمرارية المعجزة وخلودَها؛ لأن خلود المعجزة ثمرة لخلود الإسلام، والقول بالإعجاز العلمي في القرآن قولٌ يحمله الكثير من المخاطر والمجازفات إذا نظرنا لبعض الإشارات العلمية التي وردت في القرآن بمقابل ما وصل إليه العلم الحديث، فالكلام عن مراحل الخلق وتطور الأجنة، وما إلى ذلك مما أثبته العلم بعد آماد، لا شك أنه يدل دلالة واضحة على أن القرآن الذي أخبر بهذا ضمن الظروف العلمية السائدة هو من عند الله.
ولكن أن يصل الأمر إلى تسميته إعجازًا، أظن أن ذلك يحمل كثيرًا من المجازفة كما أسلفنا، وقد يكون التعبير الأمثل عن ذلك أنه من دلائل النبوة، ولا شك أن القرآن لفت نظر الإنسان إلى الحقائق العلمية أيضًا، ووضع الإنسان في المناخ العلمي؛ حيث حثه على التأمل، والنظر، والاختبار، وملاحظة اطراد القوانين والسنن؛ ليبتكر، ويكتشف، ويخترع، ويسخر.
يعجب الإنسان مما اكتُشِف أخيرًا، فنحن في الطائرة مثلًا نشعر وكأننا نمر بجبال، وقد نرى صور السحب أمامنا وكأنها الجبال التي نراها من بعيد على ظهر الأرض على شكل سلاسل في الصحراء، وانفراد القرآن بهذا الوصف قبل أن يتمكن أحد من الصعود عشرة كيلو مترات في الجو، ويتعرف على ما فيه، لا شك أن هذا نوع من الإعجاز.

4.1 من أحكام السنن الإلهية


وقبل أن يكون هناك تصوير بالأشعة، وقبل أن يكون هناك علم تشريح، أمكن معرفة أطوار التخلق البشري، ونمو الجنين، والمراحل التي ذكرها القرآن وتفرد بها، ولم تعرف في كتاب لا ديني ولا مدني في الأيام السابقة، وجاء العلم فوثقها وكملها، هذا بدون شك يدل على الإعجاز، والألوان من الإعجاز في القرآن الكريم في النفس وفي الآفاق كما قال الله تعالى: (( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ )) [فصلت: 53]. الخلود يعني عجز البشر عن الوصول إلى ما وصل إليه القرآن من الإشارة للحقائق والقوانين العلمية، وما إلى ذلك، إذا سلمنا بأن هناك شيئًا من الإعجاز العلمي، لكن العلم الآن -وقد وصل إلى ما وصل إليه- أثبت ما وصل إليه، وأصبح ما أثبته القرآن غير معجز لعالم اليوم، لقد استطاع العلم كشف آفاق تجاوزت ما ورد من إشارات علمية في القرآن؛ لأن ما جاء به القرآن كان معجزًا في عصر معين، ولا يمكن أن نحكم بإعجازه إلا من خلال ذلك العصر. أما اليوم فقد تجاوز العلم تلك الآفاق مما قد يدفعنا إلى القول بأن هذه الآيات ليست معجزة لعالم اليوم، وأنه كانت معجزة لعالم الأمس، والقرآن معجزة لها صفة الخلود.
وقد يكون من المفيد التفريق بين دلائل النبوة والإعجاز، الإعجاز هو الأمر الذي لا يستطيع الإنسان الإتيان بمثله؛ فهو أمر خارق للعادة يعجز الناس عن الإتيان بمثله في كل العصور، كونهم الآن عرفوا تطور الأجنة، ووصلوا إلى ما هو أبعد من ذلك في هذا الأمر، وكون القرآن ذكر في فترة ماضية لم يكن العلم ولم تكن الوسائل مؤهلة لإعطاء الإنسان هذه المعلومة، فذلك لا يعني إبطال الإعجاز. الإعجاز في أني استطعت بنظر غير طبيعي أن أعرف ما هنالك، فإذا كان الناس قد وصلوا من بعد إلى هنالك، وعرفوا، بقي لي حق تاريخي.

4.1 من أحكام السنن الإلهية


وخلود المعجزة يعني: استمرارية العجز عن الإتيان بمثلها، فلو جاء في عصر من العصور من استطاع أن يأتي ولو جدلًا أو فرضًا بمثل القرآن الكريم، أو بمثل آيات منه لبطل خلود الإعجاز. الخلود يعني الاستمرارية، والاستمرارية في أني مثلًا استطعت أن أصل بالطائرة ما بين فلسطين ومكة في ربع ساعة مثلًا، هل هذا يعني أن الإسراء ليس معجزة؟ لا يعني أن الإسراء معجزة مادية حدثت في زمن معين لكن الإسراء لم يعتبر المعجزة الخالدة، المعجزة الخالدة هي القرآن.
والقرآن الكريم قد تناول في هذا الجانب الشيء الكثير فيما يرتبط بالإعجاز اللغوي، والأدبي، والبلاغي، والتشريعي، والغيبي، والعلمي، والطبي، والفكري، والتاريخي، فسبحان الله العظيم.
كما أن القرآن الكريم أشار إلى قضية الكسب العلمي، وكذلك تحدث عن أزمة الفكر، وما فيه المسلمون الآن إنما هو أزمة فكر لا أزمة منهج وقيم؛ لأن منهج القرآن واضح: (( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )) [الأنعام: 153].

4.1 من أحكام السنن الإلهية


أشار القرآن الكريم أيضًا إلى الاستبداد السياسي متمثلًا في النمرود، وفي فرعون، وفي غيرهما، وأشار إلى وسائل التغيير في خطابه القرآني، كما أن هذا التغيير يبدأ بتغيير الأفكار والنفوس لتكون هي الأساس قبل تغيير الأنظمة الحاكمة، وأشار القرآن إلى عصمة عموم الأمة، وهناك فهم متميز للخطاب القرآني، والاكتفاء بالتراث الشرعي فيه نظر عن الاكتفاء بالتراث عن الكتاب والسنة أمر يحتاج إلى وقفة، ولا بد من تأسيس منهج العودة إلى القرآن الكريم، وفقه سيدنا عمر -رضي الله عنه- في تطبيق النص القرآني، وكيف نتعامل مع القرآن ليكون أيضًا مصدرًا للعلوم الاجتماعية، وأثر الوراثة والاكتساب في حياة الأمم، ونماذج للاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي، وثواب الصمود والمواجهة من خلال الرؤية القرآنية، وكيف بيّن القرآن ذلك، ولماذا لا ننتفع بالوحي؟ ولماذا لا نعتبر بالتاريخ؟ كما أن القرآن أشار إلى قضية عظيمة: (( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ )) [الأنعام: 124]، وهل تنطبق على الأمة كما تنطبق على الفرد؟
ومن مستلزمات التلقي القرآني والتعامل مع النص معرفة معهود العرب في الخطاب، وإشارة إلى ترجمة معاني القرآن، ودور اللغة في إدراك مقاصد النص القرآني وصياغة وحدة الأمة، وقضايا أخرى مطروحة للنظر والرأي في كتاب الله تعالى.
إذًا؛ نحن بحاجة إلى أن نحسن التعامل مع القرآن الكريم، ونتعرف على قضاياه، وما فيه من علم، وما فيه من شهود تاريخي، وشهود حضاري، وكيف تنهض هذه الأمة بكتابها الذي عزَّت به حينًا من الزمان، وإذا عادت إليه مرة أخرى عزت، وبقدر ما تبتعد عنه زلت.