3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
السنن القرآنية والكونية والمنطق القرآني
السنن القرآنية والسنن الاجتماعية في القرآن هي القوانين المطردة والثابتة التي تشكل إلى حد كبير ميكانيكيةَ الحركة الاجتماعية، حركة المجتمع وتعين على فهمها، وكلمة سنة تعني القانون المضطرد الذي لا يتخلف إلا في قضايا السنن الخارقة، أما السنن الجارية فلا تتخلف، وإن كان لا يُرى اطرادها واضحًا وصارمًا كقوانين المادة.
الأساس أن القرآن نبه فعلًا إلى أنه كما توجد سنن كونية في إطار المادة تجعل درجة الغليان مثلًا عند المائة، ودرجة التجمد عند الصفر، أو تجعل للغازات ضغوطًا معينة، كذلك الأمر في الحضارات البشرية وانهيارات الأمم وانتصاراتها، إنها تخضع لقوانين لا يمكن أن تتبدل، ولقد نبه القرآن إلى هذا في قوله تعالى: (( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا )) [فاطر: 42، 43].
3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
ليس هناك فوضى في الكون من ناحية البناء العلمي له، ومن ناحية الانطلاق الحضاري، سنن قائمة بيقين وسنن ثابتة، وقد انطبقت هذه السنن على صاحب الرسالة نفسه نصرًا وهزيمةً؛ فعندما قصروا في اتخاذ الأسباب المطلوبة لاستكمال النجاح في أُحد هزموا، وقيل لصاحب الرسالة ليس لك من الأمر شيء، وإذا استكملوا أسباب الانتصار انتصروا، وما يتصور أن أمة من الأمم تحابى أو تستثنى من هذه القوانين، وقد طبقت هذه القوانين نفسها على أمتنا خلال الأربعة عشر قرنًا من تاريخها، ومن هذه القوانين ما قاله الله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )) [الرعد: 11].
هناك قوانين كثيرة؛ منها: (( مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ )) [فاطر: 2]، ومنها: (( إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ )) [يونس: 81، 82]، ومنها: (( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ )) [محمد: 1]، ومنها: (( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ )) [يوسف: 90]، ومنها: (( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا )) [النساء: 123].
آيات كثيرة في القرآن الكريم هي قوانين لا بد أن تنطبق على العدو والصديق، ومحاولة الإفلات من هذه القوانين فاشلة، بل ميئوس من نتائجها، وعندما يقول الله تعالى: (( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ )) [الحجر: 21]، فإن هذا القدر المعلوم يفرض نفسه.
3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
وينبغي أن تنتقل السنن القرآنية من الإدراك إلى التسخير؛ ذلك أن الحال التي نحن عليها أصبح يتردد فيها ضرورة الانتباه إلى سنن الله في الأنفس والآفاق التي تحكم شروط النهوض والسقوط الحضاري، أصبحنا نسمع بضرورة الإفادة من هذه السنن، بل لعل ذلك أصبح قناعة عند الناس بشكل عام، لكن هذه القناعة لم تجد طريقها إلى الممارسة، ولم تنتقل بمواقعنا إلى مراحل تغيرية؛ فما يزال هناك قيود التقليد الاجتهادي من ترسيبات الماضي؛ فلا تسأل إنسانًا إلا ويقول: إن القرآن عرض لسنن وعوامل نهوض الأمم وسقوطها، وفيه سنن لا تخطئ ولا تحابي أحدًا، وما إلى ذلك، لكن أرى أن المشكلة تتركز اليوم في إدراك هذه السنن، وحسن تسخيرها والتعامل معها.
كيف يمكن للأمة بواقعها الحالي أن تنتقل من موقع المعرفة والفكر إلى موقع الفعل، وإن كنت لا أزال أرى أن ما نسميه قضية مناهج الفكر والمعرفة لم تأخذ منا الأبعاد الحقيقية؛ لأنها لو أخذت أبعادها الحقيقية لكانت الأمة انتقلت من الفكر إلى الفعل، فالتحول وإعمال هذه السنن هو المختبر الحقيقي لإدراكها والقناعة بها، بل لعلنا نقول: إن هذه القضية لم تشكل مناخًا عامًّا يعيشه المجتمع، أو لم تحفر بعد في واقع الأمة المجرَى المطلوب لصيرورتها.
3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
قد تكون مشكلتنا اليوم في التعامل مع القرآن كالعاصي من البشر الذي يسمع آيات تدعو إلى التوبة فلا يدرك أبعاد معصيته، وضرورة الالتفات إلى التوبة المودعة في الآيات، وإنما يلتفت إلى موسيقى القراءة ونغم التالي؛ فلا يتدبر ولا يفكر قط في أن يصنع شيئًا للانتقال من معصيته إلى التوبة المطلوبة منه؛ هكذا حال أمتنا.
لا بد من التدبر فإن تدبرنا إلى الآيات نقلناها إلى حقول الممارسة على الأقل، أو إلى ميادين السلوك لنعرف كيف نعمل هذه الآية فيما نعاني منه، وفيما نواجهه، فإذا قيل: (( إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ )) [يونس: 81، 82]، فإننا يجب أن نجيء بهذه الآية وننظر إلى أعمالنا وهي قاصرة؛ وننظر ما الخلل الذي أصاب العمل فجعله لا ينتج؟ لا بد من استدراكه حتى يؤذن الله بالصلاح؛ لذلك لا بد من تحري الصواب في العمل إلى جانب الإخلاص.
ومن ثم لا بد من تصويب مناهج الفكر ووسائل التلقي، وإصلاح الظاهرة الثقافية، ومعرفة موطن الخلل؛ فالمشكلة الآن فيما يبدو أن الإصابة والخلل واقع في المؤسسات الموكول إليها عملية الإشراف، وعلى التربية والتعليم من مناهج وكتاب ومدرس ووسائل معينة، إنها لم تستطع أن تكون أداة توصيل صحيحة بين الجيل وبين القرآن الكريم ومواريثه الثقافية؛ فصار هناك توارث للتخلف والمرض.
3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
إن الخلل العقلي في فهم القرآن فهمًا عمليًّا كما توحي به الطبيعة السهلة التي لا تكلف فيها بين الناس فقدناه من مدة طويلة، ويجب على المعاهد التي تكوِّن الدعاة والتي تكون العلماء أن تستنقذ الأمة من الورطة التي وقعت فيها، وإن حديثًا كحديث النبي -عليه الصلاة والسلام: (( هو الطهور ماؤه الحِل ميتته )) ما أخذنا منه إلا أن نأكل من البحر الأسماك والحيوانات وإن كانت ميتة، ونغتسل وانتهى الأمر إلى هنا، هل فقه القرآن الكريم تلاشى عند كوننا نأكل سمكًا من البحر ويبقى البحر لغيرنا؟! كيف نستطيع الوصول إلى سمك البحر إذا كانت السيطرة عليه لغيرنا؟! يقول تعالى: (( وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ )) [النحل: 16].
عندما كان "سير جينز" يقرأ معلوماته من الفلك على بعض المسلمين ويرتعش من حدة العاطفة التي ملكته وهو يحدث عن الله وعن الإيمان بعظمته؛ لما رأى من عظمة المجرات التي درسها، كان أقربَ للإسلام مِن كثير منَّا عندما درس السماء، أما نحن فنكتفي من قوله تعالى: (( وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ )) [النحل: 16]، بأن الله لفتنا إلى أن هناك علامات في الأرض والسماء، لكن ما هي، وماذا صنعنا مع هذه العلامات، وما الوسائل والمبتكرات التي طورناها في هذا الموضوع؟
إن غيرنا الآن يغزو الفضاء، ويتخذ من غزو الفضاء منارات وعلامات؛ لكي يسخر الحضارة له، أما نحن فوقوف، لا بد من إحسان التعامل مع القرآن، وإذا كان من تعليق سريع على هذه الآية فهو أن بعض المحدثين للأسف استدل بحديث واه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- منع به السفر في البحر:
3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
"لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله" أو نحو ذلك، فكيف جيء بهذا الحديث الذي رواه أبو داود كأن الأمة لم يكفها أنها قصَّرت في فهم العمل حتى تريد إفساد المصدر الذي تأخذ منه المعرفة الدينية، وكم من اعتماد موضوعات في السنن النبوية سببت البلاء للأمة الإسلامية على هذا النحو.
التعامل مع النصوص من خلال واقع التخلف
قد تكون المشكلة الفكرية اليوم هي أننا نحمل تخلفنا أيضًا لمواردنا الثقافية، فنفسر ميراثنا الثقافي من خلال واقع التخلف الذي نعيش فيه، فنصير نلجأ إلى لون من التفسير المتخلف أيضًا كنوع من التسويغ للواقع الذي نحن عليه فننتقي بعض النصوص، ونعتمد على بعضها الآخر وما إلى ذلك دون النظر إلى صحتها من حيث السند، أو إلى الأبعاد المطلوب إدراكها واستشعار المسئولية تجاهها؛ هذا لأنها توافق الحالة التي نحن فيها وكأن هذه النصوص بدل أن تكون دافعًا للتغيير أصبحت مانعًا منه، تُقرأ بمنهج مغلوط يكرس التخلف للأمة وسقوطها.
لا بد من جعل القرآن يتحول في حياتنا إلى طاقة متحركة، أما أن يوضَع في المتاحف أو المكاتب للبركة، أو أن نفتح المصحف ونقرأ منه آية أو آيات، وينتهي الأمر، هذا لا يجوز، لاحظت أن آيات الأحكام من غير شك كانت من وراء جهد الفقهاء في بعض القضايا وبعض الاجتهادات الفقهية، لكن بقية آيات القرآن أهملت وبقية آيات القرآن التي هي القصص والقصص القرآني فيه الكثير من العلاج.
3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
لا بد من انقلاب الوسائل إلى غايات، في تصوري أن من كتبوا في القصص القرآني غلب عليهم إبراز الجانب الفني، وأخذوا بالناحية البلاغية حتى كادت تكون هي الهدف في أعمالهم مع أنها الوسيلة، وأداة التوصيل، والقالب الفني الذي يغري الإنسان بالإقبال على القرآن وفهم أبعاد الآيات؛ لذلك قد تكون المشكلة أو الإصابة في التعامل مع القرآن هي في انقلاب الوسائل إلى غايات، لقد غابت الأهداف والمقاصد وتركَّز الاشتغال بالوسائل والأشكال، وغاب من القصص الشهود الحضاري التاريخي الذي لا بد من استصحابه للعبرة، وتحقيق الشهود الحضاري للأمة المسلمة.
القصص في القرآن أساس التربية لا التربية النفسية فقط، بل العقلية أيضًا:
العقل الإنساني يجب أن يحرر من قيود الوراثة المخرفة؛ بأن يكون قادرًا على الحركة، بل أنا أرى أن القرآن يهدف إلى بناء أو إنشاء عقل تجريبي عندما يقول تعالى: (( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ )) [الحج: 46]، كأن من نتائج السياحة في الأرض أن ننشئ عقلًا، ننشئ فكرًا يستمد معارفه وأسلوبه في الفهم من واقع الناس، فالسير في الأرض ينشئ بصائر الناس.
قد تكون المشكلة من وجه آخر أن معظم العلماء والمفكرين المسلمين تاريخيًّا بسبب من الظروف السياسية التي أدت إلى انفصالهم عن الواقع ومتطلباته، أو لأي سبب آخر صرفوا جهودهم كلها في استنباط الحكم التشريعي من الآيات دون الوقوف عند الأهداف الكثيرة الأخرى التي جاءت الآيات بمثلها، وأنزلت للفت النظر إليها، وإدراك أبعادها، والتزامها في الحياة؛ فجعل الآيات موضوع الدراسة هي آيات الأحكام التي
3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
وضعوا لها أعدادًا متقاربة، ثلاثمائة إلى خمسمائة أما ما وراء ذلك من آيات السنن والقوانين والشروط التي قد تكون أكثر أهمية وأولى بالنظر من حيث البناء الحضاري، وشروط القيام بأعباء الاستخلاف الإنساني، فلم يعيروها أدنى اهتمام، أو الاهتمام الكافي على الأقل.
وبقيت آيات القرآن الأخرى على أهميتها تتلى للتبرك إلى درجة وصلت عند بعضهم وكأن القرآن كله أصبح كتابًا لفقه آيات الأحكام فقط، حتى الآيات التي وردت لتبين أسباب سقوط الأمم وانهيار الحضارات ليأخذ المسلمون حذرهم، فلا تتسرب إليهم إصابات الأمم السابقة وعللها، جعلوها دليلًا لصحة القياس التشريعي بعيدًا عن سياقها الأصلي، تحضرني بهذه المناسبة الآية التي عقب القرآن لها على غزوة بني النضير، فقال تعالى بعد ذكر الأسباب التي كانت وراء هلاكهم: (( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ )) [الحشر: 2]، فجعلوا الآية دليلًا على القياس التشريعي، أما أسباب قيام وسقوط الحضارة فلم يكن لها من المساحة الفكرية والاهتمام ما تتطلبه.
انفصال العلم عن الحكم، والمقصود بالفقه الحضاري، والمفاهيم المتعددة لكلمة "فقه"
انفصال العلم عن الحكم
لا أشك في أن الفقه الإسلامي تأثر بانحراف الحكم في العالم الإسلامي، ويمكن أن نتصور الأمر على النحو الآتي:
3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
كانت دولة الخلافة الراشدة دولة تمثل الإسلام تمثيلًا هو الأقرب إلى عهد النبوة، ولا شك أن سياسة الحكم وسياسة المال والمفاهيم العامة للحضارة الإسلامية والانطلاق الإسلامي استمرت بمسيرتها الصحيحة، وكان هذا الفهم مسيطرًا على دولة الخلافة، ثم حدث تحول ينبغي أن نقف بإزائه قليلًا، فقد تحولت دولة الخلافة إلى ملك، وفي النظام الملكي الذي أقامه معاوية -رضي الله عنه- ننصف الرجل، فنقول: إنه ظل وفيًّا لانتمائه الإسلامي، وزعم أنه سوف يخدم الإسلام أكثر مما خدمه الخلفاء الراشدون، أو على الأقل أكثر من سيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ومضى في طريقه، فحدث تحول بيقين في قضايا إسلامية مهمة، وبدأ يتجمد الفقه السياسي والدستوري للدولة كما تجمد فقه العلاقات الاقتصادية والمالية، وبدأ يتجمد فقه العلاقات الدولية كذلك.
وقع اختلال في العلم الديني، ثم وجد بعد ذلك في العلم الديني العاكف على القرآن دون بيان السنن أو عكف على السنة دون موازين القرآن، فانضم إلى السنة حشد هائل من الموضوعات والواهيات سببت بلبلةً في الفكر الإسلامي، وهناك شيء أخطر من هذا كله وهو أن علوم الحياة التي نبغ فيها نوابغ مثل جابر بن حيان في الكيمياء، والحسن بن الهيثم في البصريات، والخوارزمي في الرياضيات، وغيرهم، لكن مع الأسف أن هؤلاء عاشوا على هامش المجتمع الإسلامي، ولم يعيشوا في صميمه، واعتبرت هذه الأشياء التي يشتغلون بها ليست نوافل فقط، ولكن دون النوافل مع أن المجتمع لا يقوم إلا بها.
3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
فالغش الذي وقع في الثقافة الإسلامية وقع أولًا في الفقه نفسه، فانحسر بعيدًا عن فقه العمل والعمال، وفقه الدولة انفصل وذهب، وتوسع في العبادات بطريقة تكاد تكون مضحكة وتعددت الصور؛ لأن الفقهاء يريدون ملء الفراغ، حتى في هذه النقطة يمكن أن نقول: إنه انتهى إلى تجريدات ذهنية تكاد تضيع مقاصد الشريعة مما دفع بعض الفقهاء للتحول عن القياس إلى الاستحسان؛ لأن تطبيق القياس بالشكل الآلي قد يذهب بالمقصد.
كلمة فقه
كما وردت كلمة الفقه في القرآن لا شك أنها تعني أكثر بكثير من المدلول الذي حدده الفقهاء بأنه استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفسيرية؛ حتى إن الله تعالى قال عن المشركين بعد هزيمتهم في غزوة بدر: (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ )) [الحشر: 13]، فعملية الفقه إنما استُخدمت في القرآن لمعنى أوسع بكثير من المعنى الاصطلاحي الفقهي؛ إنه الفقه الحضاري بكل ما تشمل كلمة حضارة من أبعاد.
المعنى اللغوي معروف في اصطلاح الفقهاء هو هذا العلم المتصل بأحكام العبادات والمعاملات، أما المعنى الشامل في الفقه كما ورد في القرآن فكان الكلام فيه مستبعدًا؛ لأن الحاكم كان يرفض أن يكون الكلام في الشورى وحدود ما له وما عليه، أقصد أنهم حصروا كلمة الفقه في قول الرسول -عليه الصلاة والسلام: (( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين )) ؛ أي بالحكم التشريعي، نسوا الفقه بالمعنى اللغوي الشامل، وغلب الاصطلاح حتى لا تستغرب كلمة فقه اللغة.
3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
فكلمة فقه من الناحية اللغوية لها أبعاد غير ما هو مستقر في الأذهان، فنجد أن هناك فقهًا للفلك، وفقهًا للنفس، وفقهًا للأخلاق، وفقهًا للحضارة، وهذا ما نلمحه في قوله تعالى: (( فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ )) [الأنعام: 96]، إلى أن يقول: (( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ )) [الأنعام: 98]، ما الفقه هنا إلا معرفة مستقرة للنفس الإنسانية قبل أن توجد وهي في الرحم؛ لأن الآية تقول: (( وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ )) [الحج: 5]، ما المستودع؟ إنه القبر وما يصل إليه البدن، ثم ما بين المستقر والمستودع من حياة هذا كله يحتاج إلى فقه، هذا الفقه قد يكون فقهًا في علم الأجنة، وقد يكون فقهًا في أشياء كثيرة كما توحي الآية هنا. فالفقه الذي أشار إليه القرآن هنا واسع المرادات، لكن غلب علينا أن نترك توجيهات القرآن غفلة.
فالمشكلة في الرؤية الموضعية لا الموضوعية؛ مشكلة العجز عن النظرة الشمولية للرؤى وللرؤية القرآنية أدت إلى نوع من تقطيع الصور وتمزيقها، أو إلى التبعيض الموروث للخزي الواقع في حياتنا اليوم وكأنه صدى لقوله تعالى ناعيًا على بني إسرائيل: (( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )) [البقرة: 85]، نخشى أن تكون علل الأمم السابقة انتقلت إلينا على الأقل من الناحية النظرية؛ فنحن لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض إلا أن النظرة الجزئية وأخذ بعض مقاصد الآية أو الصورة وترك ما وراءها للتبرك والتلاوة؛ نخشى أن نكون وكأننا وقعنا في هذا فعلًا، على الرغم من ادعائنا الإيمان بالقرآن كله، لكن أقول من حيث المردود العملي لهذا القرآن، وليس من قبيل الجانب النظري: نحن نعيش الآن مرحلة التبعيض والتفاريق.
3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
ومن الخلل العجز عن إدراك المعنى الجامع، لعل ذلك إنما حصل بسبب عدم قدرة النظر على إدراك المعنى الجامع أو الخيط الجامع لهذه المظاهر جميعًا، وربما كانت النظرة الجزئية بسبب العجز عن التقاط الخيط الذي ينتظم هذه المظاهر جميعًا أهلية التعليم، والهدف من القراءة، وكون الله -سبحانه وتعالى- هو الخالق الذي خلق هذه المؤهلات التي يجب أن تتوجه إليه أو تبدأ باسمه القراءة وإن عدول الإنسان عن الخالق والالتزام بقيامه الضابطة في الحياة وقوع في الطغيان؛ كما قال تعالى: (( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى )) [العلق: 1 - 7].
فالنظرة الشاملة هي النظرة الصحيحة للدراسات القرآنية، ولا يمكن الرضا بالنظرة الجزئية، والنظرة الجزئية عندما سادت الفكر الإسلامي نشأ عنها ما يشبه الجسم المشلول في بعض أطرافه أو بعض أجهزته مع بقاء أجهزة أخرى حية، إنه لا يستطيع أن يؤدي وظيفته ما دام الشلل أو الخطر جمد بعض الأجهزة أو بعض الأعضاء، لا بد من نظرة الشمولية للقرآن كله، وهكذا انطلق القرآن من بدء نزوله؛ حيث كانت هذه الآيات: (( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ )) [العلق: 1]، الأمر بالقراءة أولًا، وكون القراءة باسم الله وليست ثقافة مجردة أو علمًا للعلم، وإنما هي قراءة باسم الله -سبحانه وتعالى- لها هدفها؛ الله الذي خلق ربط القراءة بتكوين الإنسان من علق قضية متباعدة الأطراف ثم التركيز على هذا: (( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ )) .
3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
شمول الرؤية القرآنية، والقصور عن إدراك محاور القرآن
إن القرآن الكريم يشبه الكون الكبير الذي نعيش فيه، بل إن اعتبار القرآن كونًا معنويًّا يضارع الكون المادي الذي خلقه الله -سبحانه وتعالى
لفت نظري في كتاب (نظرات في القرآن) وأشرت إليه، واستشهدت بقول الله تعالى وهو يقسم بعظمة الكون على عظمة القرآن: (( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) [الواقعة: 75 -80] أنه يقسم بعظمة أحد الكونين على عظمة الآخر، الكون الذي نعيش فيه جعله الله منهاجًا لحياتنا، وملأه بالقوى الكثيرة والعناصر التي نتفقها في حياتنا، ويوجد علماء كثيرون تخصصوا في هذه القوى والمرافق، وينظر كل منهم إلى الكون من الزاوية التي تعنيه؛ فمثلًا: الجيولوجي ينظر إلى الأرض وطبقاتها، ويضع من علم الجيولوجيا ميدانًا لبحثه في هذه الزاوية بالذات، الفلكي ينظر إلى السماء وما فيها من معجزات ونجوم دوارة أو ثابتة، ما بينهما علم طبقات الجو أو الفضاء له زاوية أخرى ينظر من خلالها علماء.
3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
إن عالم الزراعة ينظر إلى النبات، وعالم الصناعة ينظر إلى المعادن، وعالم الأحياء ينظر إلى البشر والدواب والطيور والزواحف، إن كل عالم من هؤلاء المتخصصين مر بالكون من جانب يعنيه ويكترث به، لكن الكون ليس مقسمًا بحسب نظرات هؤلاء العلماء، هم ينظرون إلى الكون الشامل كله، ثم يلتقط أحدهم الخيط الذي يعنيه ويبدأ السير معه، يقبل من كل عالم من هؤلاء أن يقول: إنه من علماء الكون والحياة، لكن إذا ظن أنه وحده المسئول أو المتخصص في الكون والحياة، وأن علم الفلك يغني عن علم الجيولوجيا، أو علم النبات يغني عن علم الحيوان، أو علم المعادن يغني عن علم الطاقات والقوى؛ فإن هذا يكون خللًا، ولم يحاول أحد أن يزعم ذلك، بل تعاون أولئك جميعًا من علماء الكون والحياة على دراسة الكون والاستفادة منه، وعلى هذا قامت النهضة الأخيرة.
القصور عن إدراك محاور القرآن
القرآن أساس للحياة الأدبية في التاريخ الإسلامي، لا شك أن آيات الأحكام كانت من وراء علم الفقه التشريعي، لكن هل القرآن آيات أحكام فقط أم أنه مجموعات أخرى من الآيات تكوِّن كل مجموعة محورًا خاصًّا يدور عليه القرآن الكريم، هناك محور القصص القرآني، هناك محور الفطرة الإنسانية، كان من الممكن جدًّا أن يقوم علم للفلسفة الإسلامية يستكشف الفطرة على نحو ما فعل صاحب كتاب (حي بن يقظان) وعلى نحو ما حاول أن يمشي وراءه الشيخ "نديم الجسر" في كتابه (قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن)، وبلا شك فإن هذا النوع من الفكر أو الأساس القرآني مهاد صالح للفلسفة الإسلامية تمتد بها مدرسة الإسلام الفلسفية القديمة امتدادًا صالحًا.
3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
هناك أيضًا العلوم الإنسانية، خذ منها مثلًا علم التاريخ، وعلم التاريخ علم مهمل في ثقافتنا على نحو شائك، ولا أزال أعجب لماذا لم يدرس التاريخ كبحث وتحليل وراء ذلك المد والجزر في الحياة الإسلامية والدولة الإسلامية والسياسة الإسلامية والثقافة الإسلامية؟ لماذا لم تدرس أسباب الانكماش حينًا، والتضخم حينًا آخر في تاريخنا؟ تساءلت في كثير من الأوقات: هل كان سقوط بيت المقدس يمكن أن يمر في هدوء مع أنه أساس حرب ظلت لنحو ثلاثة قرون دون أن يكون هناك علم يدرس هذه الأحداث الرهيبة في تاريخنا؟ لِمَ هذا الصمت؟ لِمَ نشيع ثمانية قرون في الأندلس بقصيدة بكاء دون بحوث مستفيضة، ومؤتمرات كبيرة لترصد معرفة الأسباب العسكرية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية؟
إن قَصص القرآن وآياته أكثر من آيات الأحكام، لم يأخذ امتداده أبدًا في حياتنا، بل هناك منهج هذا العلم -علم التاريخ- واعتبروه علم خرافات، وهذا شيء عجب.
ومن العلوم الإنسانية الجديدة علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأخلاق، هذه العلوم علوم إنسانية في الفلسفة الإنسانية، وهي أساسية في الثقافة الإسلامية؛ ومع ذلك لم تأخذ الامتداد المطلوب كما سرى هذا الامتداد في أنواع الثقافة الإسلامية الأخرى.
إن شمولية القرآن كشمولية الكون، وواجب علينا في دراستنا للقرآن أن نكون كالذين درسوا الكون المادي؛ هناك علماء جيولوجيا في الأرض، علماء فلك في السماء، وعلماء ظواهر جوية؛ علماء كثيرون ما فرض أحدهم منطقه على الآخر؛ فليس لعالم الفلك أن يفرض على عالم الجيولوجيا منطقة في الفهم وتقرير الأحكام، لكن عندنا وجدنا أمة القرآن أصيبت بإصابات جسيمة عندما حاول الفقهاء وحدهم أن يفرضوا أنفسهم بفقه الفروع وتوسعاته على الثقافة الإسلامية كلها فضمرت العلوم الإنسانية ضمورًا شديدًا، كما ضمرت العلوم الكونية، كما ضمرت أنواع أخرى من المعرفة، والقرآن فيه هذا
3.2 السنن القرآنية والكونية وعلاقة العلم بالحكم ومفهوم الفقه
الشمول الذي يلد المعارف كلها التي نحتاج إليها.
إن القرآن فتَح النوافذ أمام النظر العقلي فهل الأمة الإسلامية كذلك؟
لفت النظر إلى الدور المفقود للعلوم الاجتماعية والإنسانية:
فينبغي أن نطوف بهذه العلوم وألا نقف عند جانب منها، وألا يكون هناك قصور في إدراك الفكر القرآني، وألا يتحول القرآن إلى مجرد كتاب يُتعبَّد بتلاوته دون التدبر في آياته، كما تحول الأدب إلى مدائح الأفراد أو الحكام، لقد ذلت الأمة وهزمت وضاعت مع غياب المنهج القرآني، وعدم استيعابه وفهمه.
إن القرآن الكريم كتاب حكمة، وكتابُ حق، وهو ميزان عَدْل: (( اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ )) [الشورى: 17]، هذا الميزان ينبغي أن توزَن به الأشياء، إن القرآن ميزان وحكمة: (( ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورً )) [الإسراء: 39].
إنه ينبغي من خلال حسن التعامل مع القرآن إدراك السنن الإلهية في الأنفس والآفاق؛ وسيلة الشهود الحضاري، هذه السنن التي هي القانون المطرد والتي تحدث القرآن الكريم عنها، وحدثنا عن سنة التدرج، وسنة الأجل، وسنة التداول الحضاري، وسنن المدافعة، وسنن التسخير، وسنن الله الأخرى في الأنفس والآفاق والكون، وقال عنها: (( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا )) [فاطر: 43]. فلا بد من طرح القضية، وحسن التعامل مع هذه النماذج من السنن الواردة في القرآن؛ ذلك أن عجز المسلمين اليوم عن تسخيرها والتعامل معها، كان سببًا في هزيمة الأمة ووصولها إلى ما وصلت إليه وآلت إليه.