3.1 كيفية التعامل التراثية مع القرآن الكريم والمنهج المطلوب
كيف نتعامل مع القرآن الكريم؟ ودور المناهج التراثية في فهم القرآن
كان الأولون يقرءون القرآن فيرتفعون إلى مستواه، أما نحن فنقرأ القرآن فنشده إلى مستوانا؛ وهذا ظلم للكتاب؛ هذا ناحية، ومن ناحية أخرى فإن أثر القرآن في نفس مَن نزل عليه القرآن يجب أن يُعرَف، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- كان خلقه القرآن كما روت السيدة عائشة -رضي الله عنها.
ومعروف أن معنى الكلمة أنه كان يعيش في جو قرآني، ويصدر في سلوكه عن قيم القرآن، وأن عقله الظاهر والباطن مع الله عندما يكون الحديث عن الله، ومع الكون سياحة عريضة وتأمل، وتدبر لآلاء الله عندما يكون الحديث عن الكون وقواه وأسراره، ومع الماضين في الاتعاظ والاعتبار بمصارعهم ومصائرهم ومسالكهم عندما يكون الحديث في قصص القرآن، ومع الآخرة والنعيم والجحيم عندما يكون القرآن وصفًا للجزاء الأخروي، وما أعد لهؤلاء وأولئك.
أي: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحيا في جو القرآن، وهذا هو ما جعل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يقول: إن السنة هي فهم النبي للقرآن أو نضح فهمه للقرآن، فهو مرتبط به ارتباطًا تامًّا في حياته في ظاهره وباطنه، والأمة التي نزل عليها القرآن فأعاد صياغتها هي المعجزة التي تشهد للنبي -عليه الصلاة والسلام- بأنه أحسن بناء الأجيال وأحسن تربية الأمم، وأحسن صياغة جيل قدم الحضارة القرآنية للخلق، فنحن نرى أن العرب عندما قرءوا القرآن تحولوا تلقائيًّا إلى أمة تعرف الشورى وتكره الاستبداد، إلى أمة يسودها العدل الاجتماعي ولا يُعرَف فيها نظام الطبقات، إلى أمة تكره التفرقة العنصرية وتكره أخلاق الكبرياء والترفع على الشعوب.
3.1 كيفية التعامل التراثية مع القرآن الكريم والمنهج المطلوب
ووجدنا بدويًّا كربعي بن عامر -رضي الله عنه- يقول لقائد الفرس: "جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحدَهُ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".
إنهم فتح جديد للعالم، وحضارة جديدة أنعشت الإنسانية، ورفعت مكانتها؛ لأن الأمة الإسلامية كانت في مستوى القرآن الكريم، والحضارة الإسلامية إنما جاءت ثمرةً لبناء القرآن للإنسان؛ لذلك بدأت تختفي الآثار الفكرية والنفسية لآداب الفرس ولفلسفة الروم؛ لأن القرآن الكريم جاء بجديد؛ حوَّل الكلام والتوجيه من تجريدات ذهنية نظرية جدلية -كما يفعل الفرس واليونان والرومان- إلى منطق ملاحظة واستقراء، ومنطق وعي الكون واحترامه، والتعرف على سننه ومشروعية التعامل معه؛ لعمارة الأرض وبناء الحضارة.
فالفكر الإغريقي فكر تجريدي يرى أن المادة خسيسة، وأن المعنويات هي في الاستعلاء على المادة، أما الفكر المأخوذ من القرآن الكريم، فهو فكر علمي وعملي يحترم المادة ويعلي شأنها، بل يرى أن خالق المادة يُقْسِمُ بها، وما أقسم بها إلا لأنه أودع في الكون أسراره، أسرار عظمته وترك في الكون ما يدل على صفاته العلا، فمن حقه جل جلاله أن يقسم بالكواكب، وهي تملأ الكون، وأن يقسم بالنفس البشرية والوالد وما ولد، وأن يقسم بالرياح والشفق: (( وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ )) [الانشقاق: 17، 18]، فالإعجاز في الكون ظاهر في القرآن الكريم.
3.1 كيفية التعامل التراثية مع القرآن الكريم والمنهج المطلوب
من آثار هجر القرآن:
لذلك وجدنا الأمة الإسلامية عندما هجرت كتابها، أو على الأقل أخذت تقرؤه على أنه تراتيل دينية، فإنها فقدت صلتها بالكون، وكانت النتيجة أن الذين درسوا الكون خدموا به الكفر، واستطاعوا أن يسخروه لأنفسهم ومبادئهم، وإلحادهم وتثليثهم، أما نحن ومع أن كتابنا كتاب الفكر أو كما يقول العقاد: التفكير فريضة إسلامية، ومع أن كتابنا كتاب تجاوب مع الكون بحيث لم نرَ كتابًا سماويًّا أو مقدسًا كما يقولون، نوه بعظمة الله في كونه أو بعظمة الكون؛ لأن الله هو الخالق كالقرآن الكريم.
القرآن كتاب يصنع النفوس، ويصنع الأمم، ويبني الحضارة، هذه قدرته هذه طاقته، فأما أن يفتح المصباح فلا يرى أحد النور؛ لأن الأبصار مغلقة، فالعيب عيب الأبصار التي أبت أن تنتفع بالنور، والله تعالى يقول: (( يَا أَهْل الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )) [المائدة: 15، 16].
نحن ما اتبعنا رضوان الله، ولا سبل السلام، ولا استطعنا أن نقدم سلامًا للعالم، ولا استطعنا أن ننقل هدايات القرآن للقارات الخمس، هناك في عصرنا خمسة مليارات من البشر محجوبة عن أضواء القرآن لا تعرف عنه شيئًا، والسبب أن المسلمين أنفسهم محجوبون عن أضواء القرآن، وفاقد الشيء لا يعطيه.
3.1 كيفية التعامل التراثية مع القرآن الكريم والمنهج المطلوب
لا بد من العودة إلى القرآن، أرى أنه لا بد أن نعود لدراسة القرآن، وتلاوة القرآن عندنا مطلوبة، نحن أمرنا أن نتلو القرآن، لكن -كما قلت- يستحيل فَصْل المعنى عن المبنى، وهذا تجده في آيات التلاوة الواردة في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (( كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ )) [الرعد: 30].
ويتحدث القرآن مرة أخرى عن أن التلاوة هنا هي أساس التوكل، وأساس التوجه، وأساس صنع النفس البشرية، وربما تطلعت الشعوب إلى معجزة أخرى غير هذا القرآن، من مثل معجزة تكليم الموتى، وتسيير الجبال، وتحرك الناس بطريقة أخرى عندما قالوا: (( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى )) [الرعد: 31]، لكن لا؛ فهذا قرآن يكلم الرجال ليعيد صياغتهم، ويكلم الأحياء ليحقق استجابتهم، ويكلم العقلاء ليوجه وعيهم فيجعل منهم أمة تحمل رسالتها، وفعلًا حملت الأمة رسالتها؛ لأنها فهمت المقصود من إرسال المعجزة الأخيرة، وأدركت أبعادها وتدبرت مقاصدها، معجزة إنسانية تتصل بإحياء المواهب الإنسانية وتفجير الطاقة البشرية لهذا الخلق، وإعادة بناء وتشكيل العقل الإنساني.
3.1 كيفية التعامل التراثية مع القرآن الكريم والمنهج المطلوب
حسن استثمار مرحلة الطفولة للحفظ
مما يلفت النظر أن الحافظة في هذا السن دون العاشرة هي المهيأة لاستظهار القرآن، فكلما تقدمت السن بالإنسان قلت ملكة الحفظ عنده، وتقدمت ملكة الفهم؛ أي: القدرة على التركيب والتحليل والتدبر والغوص وراء المعاني البعيدة؛ وما إلى ذلك، فاستثمار هذه السن لاستظهار القرآن وحفظه مع شيء من تقريب المعاني وعدم الاقتصار على الاشتغال بالحفظ فقط، قد يكون من بعض الحلول المطلوبة لمعالجة ما يمكن أن يترتب مستقبلًا من الانصراف إلى اللفظ والاهتمام به دون التدبر في المعنى، وأظن أن ما يعرض من برامج أطفال ليس العقل مستبعدًا منها بإطلاق، لكن جعل للعقل النصيب الذي يستطيعه الطفل، ويثير عنده قضية خصوبة الخيال العلمي بشكل خاص، فليس هو ملء خيال فقط بعيد عن أي هدف إن كان تخصيب الخيال هدفًا بحد ذاته.
3.1 كيفية التعامل التراثية مع القرآن الكريم والمنهج المطلوب
دور المناهج التراثية في فهم القرآن، والتعامل معه
المدارس الكبرى في التاريخ الثقافي للفكر الإسلامي تلاشى أكثرها، فهناك الآن مدرسة المحدثين، وهي مدرسة تكافح باسم السلف، لكن قصرت مهمتها وحصرت اهتمامها بعلوم السنة فقط بعيدًا عن الرؤية الشمولية لقيم الإسلام وعطائه الحضاري، وهناك مدرسة الفقهاء، وهي مدرسة اقتصرت على فقه العبادات وما إليه، وجعلت منه إطارًا لنشاطها العقلي، وقلما انخلعت بعيدًا عنه، وإذا ما تجاوزته فإلى معاملات الأسواق العادية، أما أن تذهب هذه المدرسة إلى الآفاق الإسلامية البعيدة تُنْزِل الإسلام على واقع الناس تعالج مشكلاتهم في ضوء قيم القرآن الخالدة، وتعاليم السنة المبينة؛ فَأَمْرٌ لا نرى له شيئًا يذكر كما كان الفقهاء قديمًا يفعلون.
فالإمام أبو حنيفة مثلًا له تلميذان مشهوران؛ أبو يوسف ومحمد، أبو يوسف ألف في الخراج -أي: في الضريبة- ومحمد ألف في العلاقات الدولية في كتابه (السير الكبير)، هذا هو الفقه قديمًا، فكان كل منهما رائدًا في مجاله، أما أن يكون الفقه اليوم مقطوع الصلة بالفقه الدستوري والفقه الإداري والفقه الدولي فهذا مَوْت.
وهناك منهج الأصوليين أو مدرسة الأصوليين، وهي مدرسة فيها دقة وضبط للنظر واستنباط الأحكام، ولكن يوشك أن يقال: إن آخر من ظهر فيها وجمدت بعده حتى كادت تموت الإمامُ الشاطبي في كتابه (الموافقات)، وهو كتاب جيد، لكن الرجل توقف عنده علم الأصول عن العطاء، ولا أعرف من جاء بعده بشكل متميز، ومن ثم أصبح علم الأصول نفسه ذلك المنهج العظيم على يد المتأخرين علمًا مضحكًا؛ لأنه أصبح كالآتي: الخلاصة، التلخيص، الملخص، المتن، الشرح، الحاشية، كأننا نطحن الماء فلا يزيد ولا ينقص.
3.1 كيفية التعامل التراثية مع القرآن الكريم والمنهج المطلوب
وهناك منهج المتصوفة أو مدرسة المتصوفة، وهي مدرسة تشينها الخرافة؛ لأنها اعتمدت على خطرات القلوب بعيدًا عن الضوابط الشرعية واللغوية، وانتهت إلى صورة من الإرجاء والجبرية، أدت إلى الانسحاب من المعركة الاجتماعية وممارسة نوع من الانتحار الروحي، ولكن يزينها أنها بحثت في الأخلاق، وأدب النفس، وحسن الصلة بالله، وحسن استحضار جلاله وهيبته، ولا بد من إعادة النظر في منهجها ووسائلها في ضوء أهدافها الضرورية للأمة، وضبطها بضوابط الشريعة.
وهناك منهج الفلاسفة أو مدرسة الفلاسفة، ومن رجالها الأكابر الغزالي وابن رشد، وكلاهما خَصم للآخر، ولكن كلاهما فيلسوف، والحقيقة أنه لا بد من النظر إلى هذه المدرسة من خلال ظرفها التاريخي والمشكلات والتحديات التي واجهت الفكر الإسلامي في حينه، ودورها في الزود عنه، أما النظر إليها بعد أن انتهت إلى تجريدات ذهنية بعيدة عن الواقع فأمر قد يكون فيه كثير من التجني.
هذه المدارس تكاد تكون اختفت وما بقي منها الآن إلا أطلال، ولكي تنتعش الثقافة الإسلامية يجب أن تعود هذه المدارس بصياغة جديدة تستمد تصوراتها من القرآن والسنة، وتنزل إلى ساحة الواقع متبنية المنهج العملي الواقعي، بعيدًا عن التجريدات الذهنية والمنطق المجرد.
ثم لا بد أن تعود المدرسة التي أهيل عليها التراب من عهد مبكر وهي مدرسة ابن الهيثم وجابر بن حيان والخوارزمي، والذين انطلقوا من الرؤية القرآنية للسنن الكونية، ودرسوا الكون دراسة جيدة، كما لا بد أن تعود مدرسة الأدب؛ لأنه منذ القرن الرابع الهجري ضاع الأدب العربي تقريبًا، وافتقد رسالته وغاب هدفه، وبدأ ينحدر إلى أن جاء مَن يقول: قصيدة في خاتم، وفي شمعة. فالثقافة الإسلامية بالصورة التي انتهت إليها الآن لا تسر مسلمًا حريصًا على ثقافته؛ لأنها ابتعدت عن الينابيع الأصلية من الكتاب والسنة، وتوقفت عند الحدود التي جمدت عندها مدارس الفكر الإسلامي.
3.1 كيفية التعامل التراثية مع القرآن الكريم والمنهج المطلوب
المدارس القرآنية الحديثة
يمكن حصر الثقافة القرآنية الآن في عدد من المدارس فهناك مدرسة الأثريين أو أصحاب التفسير بالمأثور، وهي مدرسة يمثلها الآن ابن كثير وتفسيره شائع، وإن كان ابن جرير الطبري أرقى منه وتفسيره أدق، والذي يعيب هذه المدرسة في نظري أنها ربطت تفسير الآيات بأحاديث أغلبها ضعيف، فكانت مصيدة حالت دون انطلاق الفكر القرآني إلى أهدافه الشاملة في التفسير، ووسيلة إلى شيوع الأحاديث الضعيفة التي بنى عليها المحدثون فكرهم القرآني، وعندما وضع سيد قطب -رحمه الله- مؤلَّفه في (ظلال القرآن) اعتمد على تفسير ابن كثير في النصوص، وترك ما وراء هذا على قدرته الأدبية على الصياغة، وعلى أن يسبح مع الأفكار الجديدة.
هناك التفسير الفقهي للقرآن؛ وهو تفسير طوَّع الآيات لأحكام الفقهاء وطريقتهم في الاستنباط، ولم يهتم إلا بآيات الأحكام التشريعية، واقتصر في ذلك على الحكم الشرعي دون المقاصد الأخرى، وهذا فيه شيء يستدعي الاستدراك.
وهناك التفسير الكلامي؛ ونموذجه مثل الرازي مثلًا في (التفسير الكبير) وهو تفسير ينبغي أن نأخذ منه بطرف وندع أطرافًا أخرى؛ لأنها خرجت بالتفسير عن مجاله.
3.1 كيفية التعامل التراثية مع القرآن الكريم والمنهج المطلوب
وهناك التفسير البياني، وهو مثل تفسير الزمخشري وأبي السعود والبيضاوي، وقد رأيت عددًا من المفسرين إلى جانب مفسرين آخرين من مدارس أخرى كانوا بلاء على الأمة الإسلامية على الرغم من أنهم خدموا البلاغة العربية، وخدموا التفسير البياني للقرآن أجل خدمة، لكن حملت تفاسيرهم إلى جانب ذلك إساءات كبيرة للفكر القرآني، أنا أسأل نفسي: من الذي أشاع قصة زينب بنت جحش؟ إنهم مفسرون من هذا النوع، فالقصة قصة خرافية لا أصل لها، وهناك قصة مثل قصة الغرانيق وقع فيها بعض المفسرين عن غفلة مثل ابن حجر وغيرهم.
وهناك مدارس أخرى، وكل مدرسة من هذه المدارس لها خير وعليها مآخذ، ولا يجوز أن نجحد فضل صاحب الفضل، ولكننا نريد للعصر الحديث والصحوة الإسلامية لكي تكون ناشبة بأعماق الإسلام، ومنطلقة من أعماقه الصحيحة أن تقدم له جيلًا واعيًا موصولًا بالقرآن مدركًا لأبعاده ومقاصده أولًا، وأن تنظر إلى هذا الجهد البشري على أنه جهد خطؤه وصوابه متقاربان وجائزان، وتنتفع من تجارب الاحتكاك بالأفكار والعقائد والأديان الأخرى في ضوء منهج نضيج.
3.1 كيفية التعامل التراثية مع القرآن الكريم والمنهج المطلوب
التكلف في التعامل مع القرآن، وأبعاد المنهج المطلوب معه
يقول الله تعالى لصاحب الرسالة المبين عن ربه: (( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ )) [ص: 86]، ونحن قدمنا الدين تكلفًا فبدلًا أن يكون سجيًّا جميلًا وفطرة سهلة قدمناه تكلفًا، فأي ظلم للحقيقة عندما تخرج عن صفتها الأولى الدين عندنا فطرة: (( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ )) [الروم: 30].
الكون هو الكون كما خلقه الله، وفطرتي هي فطرتي كما فطرها الله، والكون والفطرة هما خلق الله، أنا لا أبدل شيئًا من هذا، أنا أتجاوب معه، الكفر أو الشرك أو الإلحاد عوج عن الفطرة، واصطدام بالعقل والكون وخروج عليه، أريد أن يعرف الدين على هذا المعنى القرآني السليم الصحيح، ولا يُفهم الدين من خلال تقاليد رهبان اعتبرها القرآن صدًّا عن سبيل الله، وظيفة الراهب قيادة الناس إلى الله، لكنه في واقعه صدهم عن دين الله: (( إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ )) [التوبة: 34].
وعدد من المتدينين أو المتفيهقين أو المنتسبين إلى الدين بعيدون عن التحقق بالرؤية القرآنية المتجاوبة مع فطرة الخلق، صُداد عن سبيل الله بهذا المسلك الذي يقدمون به الدين، إنهم يبتعدون عن فطرة الدين ومصادره العقلية والدينية، فالله -سبحانه وتعالى- يبين أن حقائق الدين تتجلى وتتكشف من النظر والتدبر لآيات الله المبثوثة في الأنفس والآفاق: (( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ )) [فصلت: 53].
3.1 كيفية التعامل التراثية مع القرآن الكريم والمنهج المطلوب
علم النفس ما دُرس دراسة صحيحة إلا بعد أن تحرر من الفلسفة الإغريقية، وبدأ يغوص في آفاق النفس البشرية؛ ليتعرف على دوافعها ونوازعها، معتمدًا أسلوب استبطان الإنسان، التصوف عندنا لو التزم الأدب الإسلامي والضوابط الشرعية، ولم يمش وراء الرهبنة المسيحية، لكان عطاؤه كبيرًا ورواؤه مثمرًا، كان عندنا الحارث المحاسبي غواصًا في أسرار النفس، وجاء بعده الغزالي غواصًا في أسرار النفس، وكان من الممكن أن يقوم عندهم علم نفس جيد ويقدم للبشرية بديلًا مقنعًا، ويخلصها من الشذوذ الذي اعتمد أصلًا نفسيًّا يحلل على أساسه السلوك البشري، من مثل مدرسة التحليل النفسي التي كان رائدها "فرويد" الذي يقول: إن رضاع الولد من أمه إرواء وتنفيس عن غريزة حيوانية.
لو التزمنا الرؤية القرآنية وذهبنا نتدبر آيات الله في الأنفس، لكان عندنا علم النفس الذي يعرف عظمة الخالق عندما فطَر هذه النفس، وخلق الإنسان من قبضة طين ونفخة روح: (( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي )) [الحجر: 29]، فنبدأ ندرس النفس الإنسانية والفطرة السليمة، وما ينميها ويزكيها من وسائل ووسائط، وما يعتريها من أمراض وإصابات لا بد من معرفة أسبابها وتقديم العلاج التربوي الناجح لها.
التقريب بين الدراسة القرآنية وبين ما وصلت إليه الإنسانية وحضارتها، يحتاج منا إلى أن ننخلع قليلًا عن بعض مواريثنا القديمة التي ليست من ثوابت الدين وقيمه الأصيلة، والإفادة من الحضارة الحديثة، وما وصلت إليه من ناحية وسائل فهم الكون، ومن ناحية مردود النظر في النفس الإنسانية، واعتماد كثير منها بعد ضبطها بمبادئ الإسلام ومقاصده الكلية.
3.1 كيفية التعامل التراثية مع القرآن الكريم والمنهج المطلوب
أبعاد المنهج المطلوب
هناك مناهج تعاملت مع القرآن كمناهج الفقهاء والأصوليين والمفسرين بمدارسهم ومناهجهم المتعددة، وعلماء الكلام والمتصوفة وعلماء اللغة الذين تعاملوا مع القرآن كمعجزة بلاغية، هذه المناهج كلها التي جاءت ثمرة لواقع معين، ومعالجات مرهونة بزمانها، لم تُحقق الفقهَ المطلوب لآيات الله وسننه في الأنفس والآفاق، ولم تغنِ العقل المسلم اليوم بالرؤية الشاملة من خلال الواقع والظروف التي نعيشها، والتوقف والجمود الذي لحق بهذا العقل وغيبه عن ساحة الشهود الحضاري.
وأستطيع أن أقول: إن هناك مناهجَ نقلناها من أصلها الأول ومجالها إلى علوم أخرى، فأفسدناها، نحن نحفظ أن: "الإسناد من الدين، ولولاه لقال مَن شاء ما شاء" وهذا حق، لكن تحول مجال الأدب ومجالات أخرى إلى روايات عن فلان عن فلان أنه سمع فلانًا يقول كذا، هذا لا معنى له، لقد وجدنا مرويات كثيرة حتى أصبحت الثقافة عندنا وكأنها ثقافة نُقول، وهذا مفهوم وغير مطلوب، الأدب عندنا توقف بسبب أشياء، ومحاصرة من هذا النوع ممكن جدًّا أن يعود إلى وصف الطبيعة ووصف النفس البشرية، بعيدًا عن النقول التي تجعل كتب الأدب كتب مرويات. هذه واحدة.
3.1 كيفية التعامل التراثية مع القرآن الكريم والمنهج المطلوب
الشيء الثاني هو أن آيات الأحكام إذا ما قِيست بالآيات الأخرى نجدها أنها أقل الآيات عددًا، لكن -كما قلت- فالقصص القرآني يسوق قصة كاملة من خمس أو ست صفحات ليخلص في النهاية إلى تربية نفس معينة، فالقول بأن منهج دراسة الأحكام يُنقل ليصبح منهجًا لدراسة الأخلاق ودراسة التربية، فهذا غير صحيح؛ لأن كل منهج له ضوابط، ولكل مقصد طبيعته وخصائصه، وهذا يعني أني أبحث في الأحكام عن الكلمة؛ هل هي عامة؟ هل هي خاصة؟ هل هي مطلقة؟ هل مقيدة؟ وهكذا.
لكن عندما أدرس الأخلاق مثلًا أو التربية أو قصص الأمم أو الكونيات وما يتصل بها، فما علاقة ذلك بهذا المنهج؟ ولماذا يُفرض على بقية المحاور القرآنية التي لها طبيعتها ومقاصدها وأدواتها ومناهجها؟! لا يمكن أن يقبل هذا. تقول الإحصائيات: إن كتب فقه تشكل نصف الثقافة الإسلامية، فلو دخلت مكتبة مثلًا لوجدت أن نصف كتبها في الفقه، لقد تقلصت في ثقافتنا الإسلامية الرؤيا القرآنية الشاملة، اختُزِلت المحاور والمقاصد وأصبحت المصادر الإسلامية تقرأ على أنها فقه، السيرة تقرأ على أنها فقه والسنة كذلك والقرآن على أنه فقه.
ولا أقصد بالفقه هنا المعنى العام الذي يعني فقه الحياة كما ورد في القرآن، إنما الفقه الذي انتهى إليه المعنى الاصطلاحي، وهو استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، هذا غير صحيح؛ لأن كل أفق من هذه الآفاق له صبغته وله منابعه وله هدفه الذي يسير إليه، ونقل المنهج الأصولي ليصبح منهجًا للتعامل مع النص القرآني في المجالات والمحاور كلها فهذا غير صحيح وغير دقيق، فلكل مجال آلات لفهمه.
3.1 كيفية التعامل التراثية مع القرآن الكريم والمنهج المطلوب
المنهج الأصولي مطلوب من غير شك لتحديد المفاهيم وضبط المعاني خصوصًا فيما يتصل بالدين والأحكام الشرعية والقانون، لكن معروف أن العقل القانوني يتطلب أدوات ووسائل ويهدف إلى مقاصد غير العقل الفلسفي، والعقل الفلسفي غير العقل العلمي بالمصطلح العلمي الجديد الذي تعتمد وسائله على التجربة والملاحظة والاستقراء والإحصاءات والاختبارات، والاعتبار بذلك كله للوصول إلى الحقيقة العلمية المطردة. كل أفق له وسائله الخاصة به، وقد تعددت الثقافة الإنسانية وتشعبت الاختصاصات التي تبحث الآن عن الكون وعن الإنسان، وأصبحت العلوم الإنسانية الآن: علم النفس، الاجتماع، الاقتصاد، السياسة، الأخلاق، التربية، الجمال، التاريخ، ولكل علم منهجه وطرائقه ومقاصده.