.١٦.٢ كيفية الاستفادة من المنهج الفردي في مجال الدعوة الإسلامية
التخطيط والتنظيم
بعض الدعاة إلى الله ممن عندهم نشاط في المواعظ والخطب، يبذلون جهودًا كبيرة، ولكن هذه الجهود في الغالب لا تثمر، وذلك لفقدان التخطيط والتنظيم، فالواجب على الداعية أن يركز على الأفراد الأكثر قابلية للدعوة، وخاصة الذين يُرجى من وراء دعوتهم نصرة دين الله عز وجل، وللداعية أسوة في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث أنه -عليه الصلاة والسلام- لم ينتهِ فترة الدعوة السرية في مكة إلا وقد دخلت الدعوة إلى كل القبائل المشهورة في مكة، فأسلم من كل عشيرة بعض أفرادها.
إن الدعوة تحتاج إلى بعض الأفراد الذين لديهم القدرة على القيادة والتخطيط، فيجب على الداعية أن يعمل جاهدًا على كسب هؤلاء الأفراد؛ لكي تستفيد منهم الدعوة، ولهذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حريصًا على إسلام عمر بن الخطاب، وكان يدعو الله أن يعزَّ الإسلام بأحد العمرين، حتى قال ابن مسعود -رضي الله عنه- فيما رواه عنه البخاري: "ما زلنا أعزة من أسلم عمر" إلا أنه لا ينبغي ترك الأفراد المحبين للدعوة، والملتفين حولها، والإعراض عنهم بهذه الحجة، بل يجب إعطاؤهم نصيبهم من الدعوة.
.١٦.٢ كيفية الاستفادة من المنهج الفردي في مجال الدعوة الإسلامية
كذلك لا بد من التعرف على الصفات الشخصية للأفراد
يجب على الداعية أن يتعرف على صفات المدعوين؛ إذ أن لكل فرد منهم صفات حسنة، وصفات سيئة، وتختلف هذه الصفات من فرد إلى آخر، فالداعية الناجح هو الذي يستطيع أن يحول هذه الصفات إلى صفات خير تخدم الدعوة إلى الله، فمثلًا هناك من الناس من عنده قوة الإقناع فكان قبل أن يهديه الله- مثلا- من دعاة الأحزاب الهدامة، فيمكن صقل هذه الموهبة بعد هدايته، ليصير هذا الفرد من الدعاة المبرزين، ولهذا يقول نبينا - عليه الصلاة والسلام -: ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)).
والأمثلة لهذا الجانب كثيرة، منها على سبيل المثال: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يتصف قبل إسلامه بالشجاعة، فلما أسلم -رضي الله عنه- استفاد المسلمون من شجاعته حتى إنهم خرجوا، وأعلنوا تحديهم للمشركين.
.١٦.٢ كيفية الاستفادة من المنهج الفردي في مجال الدعوة الإسلامية
البدء بالأقربين
إن لنا في نبينا -عليه الصلاة والسلام- الأسوة الحسنة، حيث أمره ربه -تبارك وتعالى- أن ينذر عشيرته الأقربين، فقال سبحانه:((وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين)) [الشعراء: ٢١٤]، وفي حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: لما نزلت ((وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين)) قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم)).
وذكر صاحب (أسد الغابة) أنه لما أسلم الطفيل بن عمرو الطوسي -رضي الله عنه- قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إني امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم، وأدعوهم إلى الإسلام، فلما رجع إلى قومه دعا أباه إلى الإسلام فأسلم، ثم دعا امرأته إلى الإسلام فأسلمت"، والأمثلة على هذا كثيرة.
فالداعية يحتاج إلى من يقوم بجانبه ويناصره ويعينه، وذلك لأن الإنسان بمفرده لا يستطيع أن يحقق ما يحققه ومعه إخوانه، فيجب على الداعية أن يبدأ بذوي قرابته الأقرب فالأقرب، حتى توجد له منعة ونصرة، ثم لا يهمه بعد ذلك إن لم يُستجب له، ومن العيب أن يترك الداعية أهل بيته وأقاربه دون تبصيرهم بدين الله عز وجل.
.١٦.٢ كيفية الاستفادة من المنهج الفردي في مجال الدعوة الإسلامية
التدرج في الدعوة
يجب على الداعية ألا يحاول تغيير المدعو دفعة واحدة؛ لأن ذلك مخالف لسنة الله، ومخالف لمنهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا لا يمنع وجود القابلية عند بعض الأفراد على التحول دفعة واحدة، فمن كان عنده الاستعداد للتغيير دفعة واحدة من دون أن يؤثر سلبًا على نفسه؛ فلا يجوز التواني في ذلك.
أما من كان لا يقبل التحول إلا بالتدرج، فيجب تقديم الأهم في دعوته، وذلك لأنه قد تؤثر سرعة التحول في حقه سلبًا، فلربما عاد إلى جاهليته، ولهذا نجد أن الإسلام أعطى هذه المسألة حقها، فتجد أنه في العهد المكي ركز على جانب العقيدة مثلًا، ثم بعد فترة أمر بالصوم، ثم بالزكاة، ثم بالحج، وهكذا.
ونجد أن الله تعالى لم يحرم الخمر دفعة واحدة، بل تدرج في ذلك، فأول الأمر نزل قول تعالى: ((وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا)) [النحل: ٦٧]، ثم أنزل قوله تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)) [البقرة: ٢١٩]، ثم أنزل: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُون)) [النساء: ٤٣]، ثم النهاية قال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون)) [المائدة: ٩٠].
.١٦.٢ كيفية الاستفادة من المنهج الفردي في مجال الدعوة الإسلامية
فينبغي للداعية أن يتدرج مع المدعو حتى لا ينفر من كثرة التكاليف، وهنا ينبغي أن أنبِّه إلى أنه لا يجوز للداعية أن يشارك المدعو في بعض الأمور التي ربما تكون محرمة، بحجة التدرج في الدعوة مع المدعو؛ بل إذا سكت الداعية عن بعض الأمور التي لا يزال يرتكبها المدعو، فيجب عليه أن يعتزلها هو بنفسه.
المتابعة
إن الدعوة الفردية تتطلب من الداعية جهدًا ليس بالقليل خاصة في المدن الكبيرة، فينبغي للداعية أن يهيئ نفسه حتى تعطي دعوته الثمرة المرجوة، فالمتابعة أمر مهم في الدعوة الفردية؛ وذلك نظرًا لأن كثيرًا من المدعوين يتأثرون بالدعوة، فيبدءون بالاستقامة، فإن لم يجدوا من الداعية التعهد فتروا؛ لأن البيئة التي يعيشون فيها لا تساعدهم على الاستقامة، بل تتحول إلى حرب شعواء ضد هذا العائد إلى الله، فربما أحاط به قرناء السوء حتى يعيدوه إلى ما كان من الفساد والانحراف؛ لهذا كان لزامًا على الداعية أن يتعاهد ثمرة دعوته، وأن يجعل لهذا الفرد أصدقاء صالحين يحيطون به؛ حتى لا تتخطفه الأيدي الآثمة المجرمة.
ومن الوسائل النافعة أن يصطحب هذا المدعو إلى حلقات العلم والمواعظ والرحلات.
.١٦.٢ كيفية الاستفادة من المنهج الفردي في مجال الدعوة الإسلامية
إيجاد البيئة الصالحة للمدعو
كما ذكرنا سابقًا أن البيئة التي يعيشها المدعو لا تساعده على الاستقامة؛ لذلك لا بد من إيجاد البيئة الصالحة له؛ فيُبعد عن جلساء السوء، وينقل إلى الجلساء الصالحين، ففي (صحيح مسلم) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- ((أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر رجلًا من بني إسرائيل قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم أتى راهبًا وهو يتعبد فسأله: هل لي من توبة؟ فإني قتلت تسعة وتسعين نفسًا، فقال له: ليس لك توبة، فقتله فأكمل به المائة، ثم دُل على عالم فسأله قائلًا: إني قتلت مائة نفس فهل لي من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله تعالى، فاعبد الله معهم))، ونهاه أن يعود إلى أرضه معللًا ذلك بأنها أرض سوء، فهذا العالم الرباني لم يكتفِ بتوصية السائل إلى التوبة فقط، بل أمره أن يغير البيئة التي كان يُفعل فيها المعصية، وأن يجالس الصالحين.
فعلى الداعية أن يأخذ درسًا من هذا الحديث، ويعمل جاهدًا على نقل المدعو من البيئة السيئة إلى البيئة الصالحة التي تعينه على الطاعة، وعلى الذين يحيطون بهذا الفرد أن يحسنوا التعامل معه، فيهدون له الشريط النافع، والكتاب الجيد، ولا يهدرون أوقاتهم، ووقت المدعو في التجول في الشوارع والجلوس في المقاهي، كما يفعل كثير من الشباب، فإن هذا التائب يكون عنده الاستعداد النفسي التام للتوجيه، فلتُستغل هذه الفترة.
.١٦.٢ كيفية الاستفادة من المنهج الفردي في مجال الدعوة الإسلامية
الاقتصاد في الموعظة
مما ينبغي على الداعية في حال زيارته للمدعو ألا تنتهي زيارته بدون موعظة، وينبغي أن تكون هذه الموعظة مختصرة ومركزة، ففي (صحيح البخاري) من حديث ابن مسعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتخولهم بالموعظة كراهة السآمة عليهم.
هذا، وإذا كان لنا أن نقول شيئًا في هذا المجال، فإننا نوصي ونقترح ما يلي:
عمل دراسة شاملة ومستوعبة لكل أساليب ووسائل الدعوة إلى الله تعالى على نحو ما قدمنا في الدعوة الفردية.
تدعيم هذه الدراسة الواقعية التطبيقية، ولا سيما هذه الصور المستقاة من حياة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
الاستفادة من المناخ الصالح، مناخ الأخوة الصحيحة بين الدعاة الصادقين، وهو من أهم المؤثرات في نفوس الأفراد الجدد، فهذا المناخ النقي الذي تسوده آداب الأخوة في الله، وتحكمه آداب وأخلاق وسلوكيات ديننا الحنيف، يتميز بمميزات لا توجد في أي مناخ آخر، يمكن أن يعيشه الفرد في المجتمع، وما عاش فرد في هذا المناخ ولو لفترات قصيرة، إلا وأحس بالفارق الشاسع بينه وبين أي تجمع أو مجتمع آخر،
ولو أحسن الداعية وزملاؤه الاستفادة من هذا المناخ الصالح في تربية، وتنمية، والارتقاء بالمدعوين؛ لكان تأثيره عظيمًا، ومن أهم ما يوجد في هذا المناخ التعامل السهل الصريح غير المتكلف، سهولة تكوين صداقات قوية رغم اختلاف ظروف الأفراد، والتآلف، والتزاور، والمعايشة العملية بين الأفراد رغم الفوارق الاجتماعية والمادية والعلمية وغيرها.
الحرص على المشاركات الاجتماعية بين أفراد هذا المناخ، والتي يتضح فيها صدق المشاعر والتفاعل، وأنها ليست مجرد مجاملات.
المشاركة المعنوية، والمادية، والتكافل بينهم في الأحداث والطوارئ، كذلك المصاحبة والمشاركة في أداء الطاعات والعبادات، وجميع الأعمال، والتشجيع الجماعي عليها؛ مما يساعد على تعود الفرد عليها، واكتسابه صفات ومميزات، وسلوكيات إيجابية بفعل تواجده في هذا المناخ.