..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


الصورة الأولى: دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- الحصين والد عمران

أورد ابن حجر في (الإصابة) قصة إسلام الحصين، فقال: أخرج ابن خزيمة عن عمران بن خالد بن طليق بن محمد بن عمران بن الحصين قال: حدثنا أبي عن أبيه عن جده أن قريشًا جاءت إلى الحصين، وكانت تعظمه، فقالوا له: كلم لنا هذا الرجل، فإنه يذكر آلهتنا، ويسبهم، فجاءوا معه حتى جلسوا قريبًا من باب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أوسعوا للشيخ وعمران، وأصحابه متوافرون، فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك؛ أنك تشتم آلهتنا وتذكرهم، وقد كان أبوك حصينة وخيرًا، قوله: حصينة يعني: عاقلًا متحصنًا بدين آبائه وأجداده، ومعتقداتهم.

فقال: ((يا حصين إن أبي وأباك في النار، يا حصين كم تعبد من إله؟ قال: سبعًا في الأرض وواحدًا في السماء، قال: فإذا أصابك الضر من تدعو؟ قال: الذي في السماء. قال: فإذا هلك المال من تدعو؟ قال: الذي في السماء، قال: فيستجيب لك وحده وتشركهم معه، أرضيته في الشكر، أم تخاف أن يغلب عليك، قال: ولا واحدة من هاتين، قال: وعلمت أني لم أكلم مثله، قال: يا حصين؛ أسلم تسلم، قال: إن لي قومًا وعشيرة، فماذا أقول؟ قال: قل: اللهم أستهديك لأرشد أمري، وزدني علمًا ينفعني، فقالها حصين فلم يقم حتى أسلم، فقام إليه عمران، فقبل رأسه ويديه ورجليه، فلما رأى ذلك النبي -صلى الله عليه سلم- بكى، وقال: بكيت من صنيع عمران، دخل حصين وهو كافر، فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلما أسلم قضى حقه، فدخلني من ذلك الرقة)).


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


فلما أراد حصين أن يخرج قال لأصحابه: قوموا، فشيعوه إلى منزله، فلما خرج من سُدة الباب رأته قريش، فقالوا: صبأ، وتفرقوا عنه.

ولعل الذي حدا بالحصين والد عمران أن يسلم بهذه السرعة سلامة فطرته، وحسن استعداده من ناحية، وقوة حجة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسلامة منطقه من ناحية أخرى، وهكذا منهج الدعوة: عرض، وأخذ، وعطاء، وإقناع بالبراهين الواضحة المطابقة للواقع:((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)) [النحل: ١٢٥]، ((قُلْ هَذِه سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)) [يوسف: ١٠٨].

الصورة الثانية: دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- عدي بن حاتم

عن عدي بن حاتم قال: ((جاءت خيل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا بعقرب، وهو منزل من أرض اليمامة، فأخذوا عمتي وناسًا، فلما أتوا بهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصُفُّوا له، قالت: يا رسول الله بان الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة، فمُنَّ علي، منَّ الله عليك، فقال: ومن وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: الذي فر من الله ورسوله. قالت: فَمُن عليَّ، فلما رجع ورجل إلى جنبه نرى أنه علي قال: سليه حملانًا، قال: فسألته فأمر لها، قال عدي: فأتتني فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها، وقالت: ائته راغبًا أو راهبًا، فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه، قال: فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان، أو صبي، فذكر قربهم منه، فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر، فقال له: يا عدي بن حاتم؛ ما أفرك، أفرك أن يقال: لا إله إلا الله، فهل من إله إلا الله، ما أفرك؟ أفرك أن يقال: الله أكبر، فهل شيء هو أكبر من الله عز وجل،..


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


قال: فأسلمت، فرأيت وجهه استبشر، وقال: إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى)).

وفي رواية أخرى أنه قال: ((لما بلغني خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، كرهت خروجه كراهية شديدة، فخرجت حتى وقعت ناحية الروم- وفي رواية- حتى قدمت على قيصر، قال: فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهتي لخروجه، قال: قلت: والله لولا أتيت هذا الرجل، فإن كان كاذبًا لم يضرني، وإن كان صادقًا علمت! قال: فقدمت فأتيته، فلما قدمت قال الناس: عدي بن حاتم، عدي بن حاتم، فدخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لي: يا عدي بن حاتم أسلم تسلم. ثلاثًا، قال: قلت: إني على دين، قال: أنا أعلم بدينك منك، فقلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: نعم ألست من الركوسية، وأنت تأكل مرباع قومك، قال: قلت: بلى. قال: هذا لا يحل لك في دينك، قال: فلم يعد أن قالها، فتواضعت لها، فقال: أما إني أعلم الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما اتبعه ضَعَفة الناس، ومن لا قوة لهم، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟ فقلت: لم أرها، وقد سمعت بها، قال: فوالذي نفسي بيده ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قال: قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد)).

قال عدي بن حاتم: "فهذه الظعينة تأتي من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قالها".


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


ولعل الذي حدا بعدي بن حاتم أن يدخل في الإسلام بهذه الصورة المشرقة سلامة فطرته، ونضج فكره من ناحية، وقوة حجة الرسول -صلى الله عليه وسلم، واهتدائه إلى الطريق التي دخل منها إلى عقل وقلب عدي بن حاتم -رضي الله عنه وأرضاه- من ناحية أخرى.

الصورة الثالثة: دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- الطفيل بن عمرو الدوسي

ذكر ابن إسحاق فقال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ما يرى من قومه يبذل لهم النصيحة، ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه، وجعلت قريش حين منعه الله منهم يحذرونه الناس، ومن قدم عليهم من العرب، وكان طفيل بن عمرو الدوسي يُحدث أنه قدم مكة، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- بها فمشى إليه رجال من قريش، فكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: "يا طفيل إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا؛ فرَّق جماعتنا، وإنما قوله كالسحر يُفرق بين المرء وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنما يُخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه، ولا تسمع منه.


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


قال: فو الله ما زالوا بي حتى أجمعت على ألَّا أسمع منه شيئًا، ولا أكلمه حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد قرفصًا أي: قطنًا ؛ فرقًا من أن يبلغني من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم يصلي عند الكعبة قال: فقمت قريبًا منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، قال: فسمعت كلامًا حسنًا قال: فقلت في نفسي: وثكل أمي، إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته، فمكثت حتى انصرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى بيته، فاتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا، ما الذي قالوا لي. فو الله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بقرفص؛ لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولًا حسنًا، فاعرض علي أمرك، فعرض علي الإسلام، وتلا علي القرآن، قال: فوالله ما سمعت قولًا قط أحسن ولا أمرًا أعدل منه. قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونًا عليهم فيما أدعوهم إليه. قال: فقال: ((اللهم اجعل له آية)).


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


الصورة الرابعة: دعوة معاذ بن جبل وآخرين من بني سلمة، عمرو بن الجموح

ذكر ابن إسحاق فقال: لما قدم الأنصار المدينة بعدما بايعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ظهر الإسلام بها، وفي قومهم بقايا على دينهم من أهل الشرك، منهم عمرو بن الجموح، وكان ابنه معاذ قد شهد العقبة وبايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بها، وكان عمرو بن الجموح قد اتخذ في داره صنمًا من خشب يقال له: مناة، كما كانت الأشراف يصنعون- يتخذه إلهًا، ويطهره، فلما أسلم فتيان بني سلمة: معاذ بن جبل، ومعاذ بن عمرو بن الجموح في فتيان منهم، ممن أسلم، وشهد العقبة، وكانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة، وفيها عظم الناس، منكسًا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على إلهنا في هذه الليلة! قال: ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه، ثم قال: وايم الله لو أني اعلم من صنع بك هذا لأخزيته، فإذا أمسى عمرو ونام- عدوا عليه، ففعل به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يومًا فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال: إني والله ما أعلم من يفعل بك ما ترى، فإن كان فيك خير فامتنع، فهذا السيف معك، فلما أمسى ونام- عدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبًا ميتًا فقرنوه معه بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة، فيها عذرة من عذر الناس، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده مكانه الذي كان فيه، فخرج في طلبه حتى وجده في تلك البئر منكسًا مقرونًا بكلب ميت، فلما رآه وأبصر شأنه، وكلمه من أسلم من قومه- أسلم يرحمه الله، وحسن إسلامه.


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


الصورة الخامسة: دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- ضمادًا -رضي الله عنه

يروي ابن عباس -رضي الله عنهما- فيقول: قدم ضماد مكة، وهو رجل من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الرياح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: أين هذا الرجل؟ لعل الله أن يشفيه على يدي، فلقيت محمدًا فقلت: إني أرقى من هذه الرياح، وإن الله يشفي على يدي من شاء؛ فهلم، فقال محمد صلى الله عليه وسلم: ((إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له)) ثلاث مرات، فقال: والله لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، فهلم يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له: ((وعلى قومك)). فقال: وعلى قومي.

فبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- جيشًا فمروا بقوم ضماد، فقال صاحب الجيش للسرية: "هل أصبتم من هؤلاء القوم شيئًا، فقال رجل منهم: أصبت منهم مطهرة، فقال: ردها عليهم، فإنهم قوم ضماد". وفي رواية فقال له ضماد: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء؛ فلقد بلغنا قاموس البحر، وهذا كناية عن غاية بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم.

ولعل السبب في إسلام ضماد بهذه السرعة صفاء فطرته، وسلامة عقله من ناحية، وحكمة النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعوته، وحسن تخيره الكلمات التي أسمعه إياها من ناحية أخرى.


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


مواقف الحكمة الفردية

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أحكم خلق الله، فقد كان يتألف الناس؛ ليدخلوا في الإسلام، ويصبر على أذاهم، ويعفو عن إساءتهم، ويقابلها بالإحسان، وله -صلى الله عليه وسلم- مواقف في الكرم والجود، والعفو، والحلم، والرفق، والعدل تظهر في النقاط الآتية:

موقفه -صلى الله عليه وسلم- مع ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: ((بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي يا محمد خير؛ إن تَقتل تقتل ذا دم، وإن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى كان من الغد، فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،..


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأمره أن يعتمر)). فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا والله، ولكني أسلمت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج -رضي الله عنه- إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئًا، فكتبوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع؛ فكتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل".

وذكر ابن حجر أن ابن مندة روى بإسناده عن ابن عباس قصة إسلام ثمامة ورجوعه إلى اليمامة، ومنعه عن قريش الميرة، ونزول قوله تعالى: ((وَلَقَدْ أَخْذَنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ)) [المؤمنون: ٧٦]، ثم ثبت ثمامة على إسلامه لما ارتد أهل اليمامة، وارتحل هو ومن أطاعه من قومه، فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي، فقاتل مع المرتدين من أهل البحرين.

فالله أكبر! ما أحكم النبي -صلى الله عليه وسلم- وما أعظمه من موقف، فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يتألف القلوب، ويلاطف من يُرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير.


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله -عز وجل- أن يعظموا أمر العفو عن المسيء؛ لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة، لما أسداه النبي -صلى الله عليه وسلم- من العفو والمن بغير مقابل، وقد ظهر لهذا العفو الأثر الكبير في حياة ثمامة، وفي ثباته على الإسلام ودعوته إليه. موقفه -صلى الله عليه وسلم- من الأعرابي الذي أراد قتله:

روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما: "غزونا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غزوة قبل نجد، فأدركنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وادٍ كثير العضاة، فنزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر. قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((إن رجلًا أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف، فاستيقظت، وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف مسلطًا في يده، فقال لي: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت الله)). قال: فشام السيف، فها هو ذا جالس، ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الله أكبر! ما أعظم هذا الخلق، وما أكبر أثره في النفوس، أعرابي يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يعصمه الله منه، ويمكنه من القدرة على قتله، ثم يعفو عنه، إن هذا لخلق عظيم، وصدق الله العظيم إذ يقول للنبي -صلى الله عليه سلم: ((وَإِنَّك لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [ن: ٥]. وهذا الخلق الحكيم قد أثر في حياة الرجل، وأسلم بعد ذلك، فاهتدى به خلق كثير.


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


موقفه -صلى الله عليه وسلم- من اليهودي زيد بن سعنة أحد أحبار اليهود

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعفو عند المقدرة، ويحلم عند الغضب، ويحسن إلى المسيء، وقد كانت هذه الأخلاق العالية من أعظم الأسباب في إجابة دعوته والإيمان به، واجتماع القلوب عليه، ومن ذلك ما فعله مع زيد بن سعلة أحد أحبار اليهود، وعلمائهم الكبار. جاء زيد بن سعلة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطلبه دينًا له عليه، فأخذ بمجامع قميصه وردائه، وجذبه وأغلظ له القول، ونظر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بوجه غليظ، وقال: يا محمد ألا تقضيني حقي، إنكم يا بني عبد المطلب قوم مطل، وشدَّد له في القول، فنظر إليه عمر وعيناه تدوران في رأسه كالفلك المستدير، ثم قال: يا عدو الله أتقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أسمع، وتفعل ما أرى، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه؛ لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينظر إلى عمر في سكون، وتؤدة وتبسم، ثم قال: ((إنا كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر؛ أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعًا من تمر))؛ فكان هذا سببًا لإسلامه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


وكان زيد قبل هذه القصة يقول: لم يبقَ شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم، إلا اثنتين لم أخبرهما منه، يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، فاختبره بهذه الحادثة، فوجده كما وصف، فأسلم، وآمن، وصدق، وشهد مع النبي -صلى الله عليه وسلم- مشاهده، واستشهد في غزوة تبوك مقبلًا غير مدبر.

وهكذا أقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- البراهين العديدة من أخلاقه على صدقه، وأن ما يدعو إليه حق.

موقفه - صلى الله عليه وسلم- من الأعرابي الذي بال في المسجد

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: ((بينما نحن في المسجد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه مه، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه. فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة، وقراءة القرآن، قال: فأمر رجلًا من القوم، فجاء بدلو من ماء فشنه عليه)).


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


وقد ثبت في البخاري وغيره أن هذا الرجل هو الذي قال: ((اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا))؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للأعرابي: ((لقد حجرت واسعًا))، يريد رحمة الله.

وتفسر هذه الرواية الروايات الأخرى عند غير البخاري؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: دخل رجل أعرابي المسجد، فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فالتفت إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((لقد تحجرت واسعًا))، ثم لم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناس إليه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين، أهرقوا عليه دلوًا من ماء، أو سجلًا من ماء))، قال: يقول الأعرابي بعد أن فقه: فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- إليه بأبي وأمي، فلم يسب، ولم يؤنب، ولم يضرب.

فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أحكم خلق الله، فمواقفه وتصرفاته كلها مواقف حكمة مشرفة. ومن وقف على أخلاقه ورفقه وعفوه وحلمه، ازداد يقينه وإيمانه بذلك، وهذا الأعرابي قد عمل أعمالًا تثير الغضب، وتسبب عقوبته وتأديبه من الحاضرين؛ ولذلك قام الصحابة إليه، واستنكروا أمره، وزجروه؛ فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقطعوا عليه بوله، وهذا في غاية الرفق والحلم والرحمة، ويجمع ذلك كله الحكمة، فقد أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالحكمة على هذا الأعرابي عمله، فقال له حينما قال: "اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا": ((لقد حجرت واسعًا)).


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


يريد صلى الله عليه وسلم: رحمة الله، فإن رحمة الله قد وسعت كل شيء، قال: عز وجل: ((وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء)) [الأعراف: ١٥٦]، فقد بخل هذا الأعرابي برحمة الله على خلقه، وقد أثنى -عز وجل- على من فعل خلاف ذلك حيث قال: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)) [الحشر: ١٠]، وهذا الأعرابي قد دعا بخلاف ذلك، فأنكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالحكمة، وحينما بال في المسجد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتركه؛ لأنه قد شرع في المفسدة، فلو مُنع ذلك لزادت المفسدة، وقد حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منعه -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك لدار بين أمرين:

إما أن يقطع عليه بوله؛ فيتضرر الأعرابي بحبس البول بعد خروجه.
وإما أن يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه، أو ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالكفِّ عنه للمصلحة الراجحة، وهي دفع أعظم المفسدتين، أو الضررين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.
وهذا من أعظم الحكم العالية، فقد راعى النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه المصالح، وما يقابلها من المفاسد، ورسم -صلى الله عليه وسلم- لأمته والدعاة من بعده كيفية الرفق بالجاهل، وتعليمه، وما يلزمه من غير تعنيف، ولا سب، ولا إيذاء ولا تشديد، إذا لم يكن ذلك منه عنادًا، ولا استخفافًا، ولقد كان لهذا الاستئلاف والرحمة والرفق الأثر الكبير في حياة هذا الأعرابي وغيره، وقد قال: بعد أن فقه كما تقدم في رواية الإمام أحمد، فقال: فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- إليَّ بأبي وأمي فلم يسب، ولم يؤنب، ولم يضرب، فقد أثر هذا الخلق العظيم في حياة الرجل.


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


موقفه -صلى الله عليه وسلم- مع معاوية بن الحكم

عن معاوية بن الحكم السلمي -رضي الله عنه- قال: "بينما أنا أصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني؛ قال: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس؛ إنما هو التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن))، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالًا يأتون الكهان، قال: ((فلا تأتهم))، قال: ومنا رجال يتطيرون، قال: ((ذاك شيء يجدونه في صدورهم؛ فلا يصدنهم))، قال ابن الصبَّاح: فلا يصدنكم، قال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: ((كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك))، قال: وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قبل أُحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعظَّم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها، قال: ((ائتني بها، فأتيته بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة)).


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


وهذا الموقف من أعظم الحكم البارزة السامية التي أوتيها النبي -صلى الله عليه وسلم، وقد ظهر أثر ذلك في حياة ونفس معاوية رضي الله عنه؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، ولهذا قال معاوية رضي الله عنه: ما رأيت معلمًا قبله، ولا بعده أحسن تعليمًا منه.

موقفه -صلى الله عليه وسلم- مع الشاب الذي استأذنه في الزنا

عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: إن فتًى شابًّا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه. فقال له: ((ادنه ادنه، فدنا منه قريبًا، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله؛ جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليَّ، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء)).

وهذا الموقف الحكيم العظيم مما يؤكد على الدعاة إلى الله -عز وجل- أن يَعتنوا بالرفق والإحسان إلى الناس، ولا سيما من يرغب في استئلافهم؛ ليدخلوا في الإسلام، أو ليزيد إيمانهم، ويثبتوا على إسلامهم.


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


وكما بيَّن لنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- الرفق بفعله بيَّنه لنا بقوله، وأمرنا بالرفق في الأمر كله، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليكم، قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: وعليكم السام واللعنة، قالت: فقال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مهلًا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقلت: يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قلت: وعليكم، وقال - صلى الله عليه وسلم -: يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه)).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه))، وبين -صلى الله عليه وسلم- أن من حُرم الرفق فقد حرم الخير، قال صلى الله عليه وسلم: ((من يُحرم الرفق يحرم الخير)).

وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حُرم حظه من الرفق فقد حُرم حظه من الخير))، وعنه -رضي الله عنه- يبلغ به قال: ((من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من الخير، وليس شيء أثقل في الميزان من الخلق الحسن)).


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: ((إنه من يعطى حظه من الرفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار)).

فقد عظَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- شأن الرفق في الأمور كلها، وبيَّن ذلك بفعله وقوله بيانًا شافيًا كافيًا، لكي تعمل أمته بالرفق في أمورها كلها، وخاصة الدعاة إلى الله -عز وجل، فإنهم أولى الناس بالرفق في دعوتهم، وفي جميع تصرفاتهم وأحوالهم.

وهذه الأحاديث السابقة تبين فضل الرفق والحث على التخلق به، وبغيره من الأخلاق الحسنة، وذم العنف، وذم من تخلق به، وقد حذَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من العنف والتشديد على أمته صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول لله -صلى الله عليه وسلم- يقول في بيتي هذا: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم، فارفق به))، وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا أرسل أحدًا من أصحابه في بعض أموره أمرهم بالتيسير ونهاهم عن التنفير.


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


فعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أموره قال: ((بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا))، وقال -صلى الله عليه وسلم- لأبي موسى الأشعري ومعاذ -رضي الله عنهما- حينما بعثهما إلى اليمن: ((يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا))، وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)).

ففي هذه الأحاديث الأمر بالتيسير والنهي عن التنفير، وقد جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الألفاظ بين الشيء وضده؛ لأن الإنسان قد يفعل التيسير في وقت، والتعسير في وقت، ويبشر في وقت، وينفر في وقت آخر، فلو اقتصر على ((يسروا)) لصدق ذلك على من يسر مرة أو مرات، وعسر في معظم الحالات، فإذا قال: ((ولا تعسروا)) انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه، وهذا هو المطلوب.

وكذا يُقال في ((يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا))؛ لأنهما قد يتطاوعان في وقت، ويختلفان في وقت، وقد يتطاوعان في شيء، ويختلفان في شيء.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد حثَّ في هذه الأحاديث وفي غيرها على التبشير بفضل الله وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، ونهى عن التنفير بذكر التخويف، وأنواع الوعيد محضًا من غير ضمها إلى التبشير.


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


وهذا فيه تأليف لمن قرب إسلامه وترك التشديد عليه، وكذلك ممن قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ، ومن تاب من المعاصي كلهم ينبغي أن يُتدرج معهم، ويتلطف بهم في أنواع الطاعات قليلًا قليلًا، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج، فمتى يُسر على الداخل في الطاعة أو المريد للدخول فيها، سهلت عليه وكانت عاقبته غالبًا الازدياد منها، ومتى عسرت عليه أوشك ألا يدخل فيها، وإن دخل أوشك ألا يدوم.

وهكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج؛ ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتخول أصحابه بالموعظة في الأيام؛ كراهة السآمة عليهم، فصلوات الله وسلامه عليه قد دلَّ أمته على كل خير، وحذرهم من كل شر، ودعا على من شق على أمته، ودعا لمن رفق بهم؛ كما تقدم في حديث عائشة، وهذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم.


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


موقفه -صلى الله عليه وسلم- مع من شفع في ترك إقامة الحد

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه، ومما يُضرب به المثل في عدله إلى يوم القيامة قصة المخزومية التي سرقت، فقطع يدها بعد أن شفع فيها أسامة، ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يحابِ في ذلك، ولم يقبل الشفاعة في حد من حدود الله تعالى، فعن عائشة -رضي الله عنها- أن قريِشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فأتي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أتشفع في حد من حدود الله))، فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، فقال: ((أما بعد: أيها الناس إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بن محمد سرقت لقطعت يدها))، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها، قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت وكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


إن العدل خلاف الجور، وقد أمر الله -عز وجل- به في القول والحكم، فقال تعالى: ((وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)) [الأنعام:١٥٢]، وقال: ((وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)) [النساء: ٥٨]، ولا شك أن هذا الموقف الحكيم وغيره من مواقفه -صلى الله عليه وسلم- مما يوجب على الدعاة تطبيقها أسوة به صلى الله عليه وسلم.

موقفه -صلى الله عليه وسلم- الحكيم في الكرم والجود

عن أنس -رضي الله عنه- قال: ((ما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة))، وهذا الموقف الحكيم العظيم يدل على عظم سخاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وغزارة جوده، وكان -صلى الله عليه وسلم- يعطي العطاء؛ ابتغاء مرضاة الله -عز وجل- وترغيبًا للناس في الإسلام، وتأليفًا لقلوبهم، وقد يظهر الرجل إسلامه أولًا للدنيا، ثم بفضل الله تعالى، ثم بفضل النبي -صلى الله عليه وسلم- ونور الإسلام لا يلبث إلا قليلًا حتى ينشرح صدره للإسلام بحقيقة الإيمان، ويتمكن من قلبه؛ فيكون حينئذٍ أحب إليه من الدنيا وما فيها، ولهذا شواهد كثيرة:


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


منها ما وراه مسلم في صحيحه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- غزا غزوة الفتح، فتح مكة، ثم خرج -صلى الله عليه وسلم- بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذ صفوان بن أمية مائة من الغنم، ثم مائة ثم مائة، قال صفوان: "والله لقد أعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي، قال أنس -رضي الله عنه: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا، وما عليها.

وإذا رأى -صلى الله عليه وسلم- الرجل ضعيف الإيمان أجزل له العطاء، قال -صلى الله عليه وسلم: ((إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه؛ خشية أن يكبَّ في النار على وجهه))، ولذلك كان -صلى الله عليه وسلم- يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل.

ومن مواقفه الحكيمة العظيمة في ذلك ما فعله -صلى الله عليه وسلم- مع المرأة المشركة صاحبة المزادتين، فإنه -صلى الله عليه وسلم- بعد أن أسقى أصحابه من مزادتيها، فرجعت المزادتان أشد ملاءة منها حين ابتدئ فيها، قال لأصحابه: ((اجمعوا لها)). فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة، حتى جمعوا لها طعامًا كثيرًا فجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، فقال لها: ((اذهبي فأطعمي هذا عيالك، تعلمين والله ما رَزِئنا من مائك شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا)).


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


وفي القصة أنها رجعت إلى قومها، فقالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا؟ فهدى الله ذلك الصرم،- والصرم: أبيات مجتمعة من الناس- بتلك المرأة، فأسلمت، وأسلموا.

وفي رواية: "فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين، ولا يصيبون الصرم الذي هي منه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام، فأطاعوها فدخلوا في الإسلام".

فقد كان سبب إسلام هذه المرأة أمرين:

الأمر الأول: ما رأته من أخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من مزادتيها، ولم ينقص ذلك من مائها شيئًا، وهذا من معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- التي تدل على صدق رسالته.
الأمر الثاني: كرم النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما أمر أصحابه أن يجمعوا لها، فجمعوا لها طعامًا كثيرًا، أما قومها فقد أسلموا على يديها؛ لأن المسلمين ساروا يراعون قومها بإقرار النبي -صلى الله عليه وسلم- على سبيل الاستئلاف لهم، حتى كان ذلك سببًا لإسلامهم.


..١٦.١ بيان صور أخرى للدعوة الفردية، ومواقف الحكمة الفردية، ونماذج


وهذه الأمثلة التي سقتها ما هي إلا قطرة من بحر من كرم النبي -صلى الله عليه وسلم، فما أحوجنا وما أولى جميع الدعاة إلى الله -عز وجل- إلى الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم، والاقتباس من نوره، وهديه في دعوته، وفي أموره كلها.