![]() |
الجدل في اللغة: هو اللدد في الخصومة، والقدرة عليها، وقد جادله مجادلةً، وجدالًا، ورجل جَدِلٌ، ومجدلٌ ومجدال: شديد الجدل. |
![]() |
وقال الأصفهاني: إن الأصل في معنى الجدال هو المصارعة، وإن الجدال هي الأرض الصلبة، فهو إسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، فكذلك الخصمان يروم كل منهما غلبة صاحبه بإسقاط كلامه بتقوية كلام نفسه. | |
![]() |
وفي الاصطلاح: المفاوضة والمغالبة لإلزام الخصم الحجة، قال صاحب (المصباح المنير) بعد أن ذكر المعنى اللغوي للجدل: ثم استعمل الجدل على لسان جملة الشرع في مقابل الأدلة لظهور أرجحها، وعرَّفه إمام الحرمين: بأنه هو طريقة وضعت لإظهار الحق، وضبط مناطه، أو هو إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع، والتنافي بالعبارة، أو ما يقوم مقامها من الإشارة والدلالة. | |
![]() |
قال ابن القيم في قوله تعالى: ((وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)): يحتمل أن يرجع إلى حال المجادل وغلظته ولينه وحيلته ورفقه، فيكون مأمور بجدالهم بالحال التي هي أحسن، ويحتمل أن يكون صفة لما يجادل به من الحجج والبراهين والكلمات التي هي أحسن شيء وأبينه وأدله على المقصود، وأوصَلُهُ إلى المطلوبِ. | |
![]() |
والتحقيق: أن الآية تتناول الوضعين، ودعوة القرآن الصريحة ترشدنا إلى هذا النوع من الجدل، وتبين أصوله وآدابه؛ فقال تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))، وقال تعالى: ((وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)). |
![]() |
ومن الأدلة على صحة هذا الجدل ما كان يحدث بين الصحابة -رضوان الله عليهم- ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الجدل، ولم ينكر عليهم ذلك؛ إذ كان لطلب المصلحة والحق، مثل: جدال سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة -رضي الله عنهما- مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في غزوة الأحزاب، وكما حدث من جدال الصحابة وعمر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية، كما أن الجدال مع أهل الإلحاد، والمشركين وأهل البدع لا بد منه. | |
![]() |
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرةً تقطع دابرَهُم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور، وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين. | |
![]() |
قال ابن القيم في فقه قصة وفد نجران، وهو يستخلص فوائدها: ومنها جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم، وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلَتِهِم إلا عاجزٌ عن إقامة الحجة؛ فليولِّي ذلِكَ إلى أهله، وليخلي بين المطي وحاديها والقوس وباريها. | |
![]() |
أما الجدال المذموم: وهو كل جدال ظاهر الباطل أو أفضى إليه، قال تعالى ((وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقّ))، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصم))، وهو ما قرره أكثر علماء هذه الأمة؛ لأنه لا تعارض بين النصوص التي تأمر بالجدل والتي تنهى عنه. |
![]() |
فالجدل الذي أمر الله به غير الذي نهى عنه يقينًا؛ فتحمل نصوص الأمر على الجدال بالحق ونصوص النهي على الجدال بالباطل، كما أن ابن القيم يرى أن تقدير العقل على النقد من المجادلة بالباطل كما قال، ومن أعظم الجدال في آيات الله جدل من يعارض النقل بالعقل، ثم يقدمه عليه فإن جداله يتضمن أربعة مقامات: |
![]() |
إحداها: أنه يبين أن الأدلة النقلية من الكتاب والسنة لا تفيد علمًا ولا يقينًا. | |
![]() |
الثاني: أن ظاهرها يدل على الباطل والتشبيه والتمثيل. | |
![]() |
ثالثها: أن صريح العقل يخالفها. | |
![]() |
الرابع: أنه يتعين تقديمه عليها، ولا يصل إلى هذه المقامات إلا بأعظم الجدال. | |
![]() |
كما أنه بيَّنَ في مجمل القول في الجدل الممدوح والمذموم بقوله: فأما المناظرة فتنقسم إلى محمودة ومذمومة، والمحمودة نوعان، والمذمومة نوعان، وبيان ذلك أن المُناظر إما أن يكون عالمًا بالحق، وإما أن يكون طالبًا له، وإما ألا يكون عالمًا به، ولا طالبًا له، وهذا الثالث هو المذموم، وأما الأولان فمن كان عالمًا بالحق فمناظرته التي تحمد أن يبين لغيره الحجة التي تهديه إن كان مسترشدًا طالبًا للحق، أو تقطعه و تكسره إن كان معاندًا غير طالب للحق، ولا متبع له، أو توقفه وتبعثه على النظر في أدلة الحق، ثم يبينُ أن لمناظرة المبطل فائدتين: إحداهما: أن يرد عن باطله، ويرجع إلى الحق. |
![]() |
الثانية: أن ينكف شره وعداوته، ويتبين للناس أن الذي معه باطل. | |
![]() |
وعلى ذلك؛ فإن المتتبع للنصوص الشريعة والآثار يجد أنها تدور حول نوعين من الجدال، ويدور الحكم معهما جوازًا ومنعًا؛ فالنصوص والآثار التي تأمر بالجدال، وتجيز الأخذ به، وتعاطيه هي النصوص التي تهدف إلى الجدال الممدوح، أو الجدال الذي ينصر الحق، وينتصر له، ويدعو للإسلام، وينافح عن عقيدته، ويدفع كل ما يلحق بالإسلام من أذىً وإلصاقات، وتُهَمٍ باطلة، وبدع منتحلة، وضلالاتٍ كاذبة، فهذا النوع من الجدال هو الجَائِزُ، والمأمورُ به، والذي فيه خيرٌ للإسلام، وعزَّةٌ ورفْعة. | |
![]() |
وأما النصوص والآثار التي حذرت من الجدال ونهت عنه: فالمقصود به الجدال المذموم، وهو الجدال الذي يفضي إلى الباطل، ويقوم على الزور والبهتان، وإضاعة الحقوق، وترويج والشبهات والمنكرات والشهوات، وكذا الجدال الذي يتناول الغيبيات، وما أُمرنا بالإيمان والتسليم والتصديق به؛ كأخبار الوحي، وأسماء الله تعالى وصفاته، والجنة والنار، والبعث والنشور، أو الجدال في القرآن. | |
![]() |
فالجدال الذي يتناول هذه الأمور ويطعن فيها بأي وجهٍ فهو جدال باطل، وهو الجدال المنهي عنه، والذي ورد التحذير بشأنه، والنصوص والآثار التي تدل على ذلك كثيرة؛ ومنها قوله تعالى: ((وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا)) ومن السنة قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((المِرَاءُ في القرآن كُفْر)) وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)) وقال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: "المراء في الدين يقسي القلب، ويورث الضغائن". |
![]() |
أركان الجدال: |
![]() |
أولًا: من حيث الموضوع وما يشترط فيه: | |
![]() |
فمثلًا لا تجوز المجادلة في ذات الله تعالى، أو أسمائه وصفاته، وذلك لورود النهي الشرعي عن هذا الفعل، كما أن العقل الصحيح يمتنع عن ذلك، وكذلك لا يجوز الجدال في آيات الله، وضرب بعضها ببعض، وكذلك لا ينبغي الجدال فيما غيب عنا، وليس لنا سبيل إلى معرفته والعلم به. | |
![]() |
أن يكون الموضوع المتجادل فيه معلومًا ومحددًا لدى المتجادلين؛ فلا ينبغي الجدال فيما تجهل، أو ما كان متشعبًا، وليس باستطاعتك التمكن منه، وهذا من التكلف المنهي عنه. | |
![]() |
أن يكون الهدف من الموضوع المتجادل فيه إظهار وجه الحق والصواب ودمغ الباطل والارتياب، والدعوة إلى دين الله، والذب عن عقيدة الإسلام. | |
![]() |
الركن الثاني: طريقَا أو طرفَا الجدال، وهما من انتصبا للجدال في قضية أو مسألة ما موضوع خلاف بينهما، ويشترط فيهما: |
![]() |
أهليتهما للجدال، والمراد بذلك: الوفرة العلمية والعقلية لمن يتصدى للجدال، وتمكن المجادل من عدته وعتاده أثناء المناظرة والجدال، كما يفضل أن يكون هنالك تكافؤ بين طرفي الجدال من حيث السن والمعرفة والمدارك العقلية؛ حتى تؤتي المجادلة أو المناظرة الثمرةَ المرجوة منها. | |
![]() |
التزام طرفيْ الجدالِ بآدابِ الجدالِ، وضوابط المجادلة حتى تسير الأمور في نطاق من الأدب والالتزام والاحترام. | |
![]() |
الركن الثالث: منهج الجدال، والمقصود به: الطريق الذي تسير عليه المجادلة أو المناظرة وما يجب أن تكون عليه وتتصف به، ويشترط في المنهج: | |
![]() |
الوضوح والعلم به، فلا يتصور أن يقومَ أحدٌ، ويجادل بدون معرفةٍ وعلم بالطريق الذي يجب أن يسلكَهُ بجداله ومناظرته، وإلا كان يضرب عباب البحر ولجته بدون مركب أو مجداف. | |
![]() |
تضمن المنهج للكيفية التي يسير بها الجدال، واتفاق الأطراف، ولو ضمنًا على تلك الأسس والكيفية؛ لأنها بمثابة المعالم التي تهدي السائر في طريقه. | |
![]() |
خطوات الجدال: لا بد أن يمر الجدال الصادق والحسن بمراحل حتى يؤدي إلى نتيجته المرجوة، وهذه المراحل هي : |
![]() |
مرحلة المبادئ: وفي هذه المرحلة يتمُّ تحديد موضوع الجدال، وتعيين موضوع النزاع بدقة، كما يتم تعيين الأطراف المتجادلة، وذلك حتى لا تتشعب الموضوعات وتتشقق إلى موضوعات، وأمور أخرى بعيدة عن الموضوع المتنازع عليه أصلًا، وكذا فيه احتراز من عدم دخول أطراف آخرين في النزاع والجدال غير الأطراف المتفق عليهم أصلًا. | |
![]() |
مرحلة الأوسط: وفي هذه المرحلة يتم تقديم الدلائل، والحجج والبراهين القاطعة على صحة دعوى كل فريقٍ ضمن المنهج المتفقِ عليه. | |
![]() |
مرحلة المقاطع: وهي مرحلة إذا انتهت فيها تقديم الأدلة والحجج والبراهين، ووصلت المجادلة إلى ضرورة التسليم بما تؤدي إليه تلك الأدلة والحجج والبراهين والوقوف عند هذا الحد. | |
![]() |
مرحلة النتائج: وهي المرحلة التي يعجز فيها طرف من الأطراف عن منازعة الطرف الآخر لغلبة حجته وقوتها؛ فعندئذٍ تكون النتيجة، وهي انتصار طرف على الآخر، ونجاحه سواء سلم الطرف الآخر بتلك النتيجة أم لا. |
![]() |
تطبيقات المنهج الجدلي من القرآن الكريم: |
![]() |
كان عمادُ النبي -صلى الله عليه وسلم- في مجادلة المشركين واليهود والنصارى وغيرهم القرآنَ الكريم، يحتج به عليهم لإثبات دعواه، وكلما أوردوا اعتراضًا نزل في الرد عليهم قرآن كريم؛ فيتلوه عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ويعلن لهم به وضْحَ الحق إن كانوا له طالبين، ويرد كيدهم في نحورهم إن كانوا معاندين مستكبرين. |
![]() |
وفي الحق: أن كتاب الله فوق أنه معجزة النبي -صلى الله عليه وسلم- الكبرى، وفوق أنه مشتمل على أكثر الأجوبة عن الأسئلة التي اعترض بها المشركون، وغيرهم على الإسلام هو فوق هذا وذاك المثل الكامل الذي لا يتسامى إلى بيانه متكلم أو محتج؛ لذلك وجب علينا أن نعرف شيئًا من طرائق جدله واستدلاله لا طمعًا في محاكاته، ولا طلبًا لمساماته، ولكن للاقتباس من نوره والاستضاءة بضوئه، والاهتداء بهديه ولنجيب أمره، قال تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) | |
![]() |
إن طبائع الناس متفاوتة، ومشاربهم متباينة، وأهواءهم متضاربة، ومسالكهم في طلب الحق مختلفة، فمنهم من يصدق بالبرهان، ولا يرضيه إلا قياس تام، أو ما يجري مجراه، ويسير في طريقه، وهؤلاء هم من غلبت عليهم الدراسات العقلية والنزاعات الفلسفية، والمستقرئ لأحوال الأمم المتتبع لشئون الاجتماع؛ يجد أن هذا الصنف من الناس قلة في الكون الإنساني وعدد محدود بالنسبة لغيرهم من بني الإنسان؛ إذ إن أكثر من في الأرض انصرف إلى المهن المادية فما كان له وقت يزجيه في تلك التأملات، ولعل هذا هو الصنف الذي أمر الله نبيه أن يدعوه بالحكمة في قوله تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ)) ومنهم من غلب عليه مذهب ديني، أو غير ديني استأثر بلبه وسيطر على هواه، وسد مسامع الإدراك في قلبه؛ إذ استولت عليه نحلة مذهبية فتعصب لها، والتعصب يعمي ويصم، ويجعل النفس لا تكاد تسيغ الحق إلا بمعالجات عسيرة؛ إذ إن ذلك لا يكون إلا بالطب لأدواء النفوس، وأدواء النفوس أعسر علاجًا وأعز دواء من علاج الأجسام. |
![]() |
وهؤلاء لا بد لهم من طرق جدلية تزيل ما لُبس من الحق عليهم، ويتخذ الحق بها قوة مما يعتقدون؛ إذ يلزمهم بما عندهم، ويفحمهم بما بين أيديهم، ويتخذ مما يعرفون وسيلة لقبول ما يرفضون، وهذا الصنف من الناس، وإن كان أكثر عددًا من الأول إلا أنه ليس الجمهور الأعظم، ولا الكثرة الغالبة بين الناس، ولعله الصنف الذي أَمَرَنَا الله -سبحانه وتعالى- بمجادلتِهِ بالتي هي أحسن في الآية الكريمة الآنفة الذكر. | |
![]() |
والقرآن الكريم نزل بتلك الشريعة الأبدية التي جاءت للكافة، وبُعِثَ بها النبي -صلى الله عليه وسلم- للناس جميعًا بشيرًا ونذيرًا، من غير أن تقصر دعوته على قبيل، ولا أن تخص شريعته بجيل. | |
![]() |
وكذلك سلك القرآن الكريم، فالمتدبر في آياته والمتفكر في مناهجه يجد فيها ما يعلم الجاهل، وينبه الغافل، ويرضي نهمة العالم. | |
![]() |
تصدى ابن رشد لإثبات أن الحكيم الفيلسوف يستفيد من أدلة القرآن، كما يستفيد العامي الجاهل، ويرى فيه ما يرضي شهوته العقلية، وبيّن ذلك في كتاب (فصل المقال). | |
![]() |
وكان الشرع مقصوده الأول العناية بالأكثر من غير إغفال لتنبيه الخَوَاص، وكانت أكثر الطرق المصرح بها في الشريعة الإسلامية على أربعة أصناف: |
![]() |
أحدها: أن تكون مع أنها مشتركة خاصة بالأمرين جميعًا، أعني: أن تكون في التصور والتصوير يقينية مع أنها خطابية، أو جدلية، وهذه المقاييس هي المقاييس التي عرض لمقدساتها مع كونها مشهورة أو مظنونة، أو تكون يقينية، وعرض لنتائجها أن أخذت نفسها دون مثالاتها، وهذا الصنف من الأقاويل الشرعية ليس له تأويل، والجاحد له أو المتأول كافر. | |
![]() |
والصنف الثاني: أن تكون المقدمات مع كونها مشهورة أو مظنونة يقينية، وتكون النتائج مثالات للأمور التي قصد إنتاجها، وهذا يتطرق إليه التأويل، أعني: لنتائجه. | |
![]() |
والثالث: عكس هذا، وهو أن تكون النتائج هي الأمور التي قصد لنتائجها نفسها وتكون المقدمات مشهورة، أو مظنونة من غير أن يعرض لها؛ لأن تكون يقينية، وهذا أيضًا لا يتطرق إليه تأويل، أعني: لنتائجه، وقد يتطرق لمقدماته. | |
![]() |
والرابع: أن تكون مقدماته مشهورة أو مظنونة من غير أن تعرض لما أن تكون يقينية، وتكون نتائجه مثالات لما قصد إنتاجه، وهذه فرض الخواص فيها تأويل، وفرض الجمهور إمرارها على ظاهرها؛ وبالجملة فكل ما يتطرق إليه من هذه التأويل لا يدرك إلا بالبرهان، ففرض الخواص فيه هو ذلك التأويل، وفرض الجمهور هو حملها على ظاهرها في الوجهين جميعًا -أعني: في التصور والتصديق- إذ كان ليس في طباعهم أكثر من ذلك. | |
![]() |
وقد يعرض للناظر في الشريعة تأويلات من قبل تفاضل الطرق المشتركة بعضها على بعض في التصديق. |
![]() |
قال ابن رشد: إن أدلة القرآن من قبيل الأدلة الجدلية والخطابية، وقال: إن أكثرها خطابي، وبعضها جدلي قصد فيه الإلزام الإفحام. وفي الحق أن أسلوب القرآن أسمى من الخطابة، وأسمى من المنطق؛ فبينما تراه قد اعتمد في مسالكه على الأمر المحسوس، أو الأمور البديهية التي لا يماري فيها عاقل، ولا يشك فيها إنسان تراه قد تحلل من بعض قيود المنطق التي تتعلق بالأقيسة وأنماطها، والقضايا وأشكالها من غير أن يخل ذلك بدقة التصوير، وإحكام التحقيق، وصدق كل ما اشتمل عليه من مقدمات العقل وثمرات المنطق. | |
![]() |
ولهذا نحن لا نعد أسلوب القرآن الكريم منطقًا، وإن كان فيه صدقه وتحقيقه، وهو إلى الأسلوب الخطابي أقرب، وإنه كان كله حقًّا لا ريب فيه؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، وإنك لترى كثيرًا من أوصاف الأسلوب الخطابي قد أتى القرآن الكريم فيها بالمثل الكامل، فتصريف فنون القول من استفهام إلى تقرير إلى أخبار قد نحى فيه القرآن الكريم مناحي تعلو على قدر البشر، وكثير من أشكال الأقيسة الخطابية تراه قد استعمل في القرآن الكريم على مثال أكمل من استعمل في الخطابة. | |
![]() |
قال ابن سينا في (الشفاء): الخطابة معولة على الضمير والتمثيل، وإن الناظر في أدلة القرآن الكريم المستقرئ لها يرى أكثرها قد حذفت فيه إحدى المقدمات. ولقد قال الغزالي: الحق إن القرآن مبناه الحذف والإيجاز، واقرأ قوله تعالى يرد على النصارى الذين يزعمون أن عيسى ابن الله؛ لأنه خُلِقَ من غير أب: ((إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)). ألا ترى في هذا دليلًا قويًّا مبطلًا لما يدعون، وفي الوقت نفسه لم تذكر فيه سوى مقدمة واحدة، وهي إثبات مماثلة آدم لعيسى، |
| وطوى ما عاداها، وكان سياق الدليل هكذا: إن آدم خلق من غير أب كعيسى فلو كان عيسى ابنًا بسبب ذلك لكان آدم أولى، لكن آدم ليس ابنًا لاعترافكم، فعيسى ليس ابنًا أيضًا. | ||
![]() |
ومن الأساليب التي اتخذها القرآن طريقًا للإقناع والتأثير: القصص، وتضمين القصة الأدلة على بطلان ما يعتقد المشركون وغيرهم، وقد يكون موضوع القصص رجلًا محترمًا ممن يجادلهم القرآن الكريم، إذ يدعون محاكاته في دينه واتباعه في ملته فيجيء برهان الله على لسانه؛ فيكون ذلك أكثر اجتذابًا لأفهامهم، وأقوى تأثيرًا في القلوب. | |
![]() |
انظر إلى قصة إبراهيم -عليه السلام- مع أبيه وقصته مع قومه ترى في القصتين أدلة واضحة قوية تثبت بطلان عبادة الأوثان ؛ وذلك لأن إبراهيم -عليه السلام- كان شرفَ العرب، ومحتدَّهُم الذي إليه ينتسبون، وقد كانوا يزعمون أنهم على ملته، فإذا جاءهم الخبر عنه بأنه كان موحدًا، وسيق لهم أنه كان يحتج به على قومه وأبيه كان ذلك مؤثرًا أيَّ تأثير في قلوبهم. | |
![]() |
وقد يجيء الدليل أحيانًا على لسان حيوان في قصة؛ فيكون في ذلك غرابة تسترعي الذهن، وتثير الانتباه، وتملأ النفس بالحقيقة إيمانًا، كما جاء دليل التوحيد على لسان الهدهد في سورة "النمل". |
![]() |
قياس الخلف: وهو الذي يتجه فيه إلى إثبات المطلوب بإبطال نقيضه، وقد يتجه إليه القرآن الكريم في استدلاله، كإثباته -سبحانه وتعالى- الوحدانية بقوله تعالى: ((لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)) | |
![]() |
وكإثبات الله -سبحانه وتعالى- أن القرآن الكريم من عند الله بقوله تعالى: ((وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)). | |
![]() |
السبر والتقسيم: وهو باب من أبواب الجدل يتخذه المجادل حجة لإبطال كلام خصمه بأن يذكر أقسام الموضوع المجادل فيه، ويبين أن ليس من خواص واحد منها ما يوجب الدعوى التي يدعيها الخصم، وقد ذكر السيوطي أن من أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: ((ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) | |
![]() |
التمثيل: وهو أن يقيس المستدل الأمر الذي يدعيه على أمر معروف ويبين الجهة الجامعة بينهما، والآيات الكريمة التي تنهج ذلك المنهج كثيرة. |
![]() |
ويلاحظ القارئ للقرآن الكريم المتتبع لأحكامه المتبصرُ في أدلته أن جدل القرآن الكريم يتجه أحيانًا كثيرة إلى إرشاد المجادل، والأخذ بيده إلى الحق، وتوجيه نظره إلى حقائق الأشياء، وما في الكون من عبر، وأحيانًا يبتدئ بإلزام المجادل وإفحامه ثم يأخذ بيده إلى الحقيقة؛ إذ يبينها له واضحة كاملة -كما ترى- في قوله تعالى ردًّا على ما زعمه المشركون من أن الرسول يجب أن يكون ملَكًا وقالوا: ((وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ)) | |
![]() |
وكما ترى في ردِّهِ -سبحانه تعالى- على اليهود عندما ادَّعوا أنه قد عهد إليهم ألا يؤمنوا برسول حتى يأتيهم بقربان تأكله النار، فقد قال -سبحانه وتعالى- حاكيًا ورادًّا عليهم: ((الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ))، وكما يُرَى في قوله تعالى يرد على من أنكر أن ينزل الله على بشر شيئًا. | |
![]() |
وعند توجيه الله -سبحانه وتعالى- نظر المجادل أو القارئ إلى الحقائق من غير اتجاه إلى إلزام من أول الأمر أو بعد إلزامه، وإفحامه يكون تصاريف البيان، ومناحي التأثير، والعبارات التي تخاطب الوجدان وتمس مواطن الإحساس، تتنوع المناهج، وتتكرر المعاني من أن تفقد جدتها وطلاوتها، بل مع التكرار تزداد الفائدة، وتكثر الثمرات، وتتنوع الأساليب من استفهام إلى تعجب إلى تهديد إلى إخبار، ويختلف الاتجاه إلى مواضع الاستدلال ومصادره. |
![]() |
فمرة يكون الاستدلال برد المسائل إلى أمور بديهية معرفة، أو حقائق مشهورة مألوفة يخر بين يديها المجادل صاغرًا، كما ترى في رد الله -سبحانه وتعالى- على من زعم أن لله ولدًا، ألا تراه سبحانه قد استدل على بطلان أن يكون له ولد سبحانه بأمر معروف مألوف لا يماري فيه أحد، وهو أنه لو كان له ولد لكان له صاحبة، ولم يدَّعِ أحد أن له سبحانه صاحبة، فيجب ألا يكون له ولد. | |
![]() |
وأحيانًا يضرب -سبحانه وتعالى- الأمثالَ ليقرب الحقائق للأفهام ويدْنِيها من الأنام، ومن ذلك بيان الله-سبحانه وتعالى- بطلان عبادة الأوثان لأنها لا تملك رزقًا، ولا تنفع ولا تضر، وضرب مثلين يبينان أنه لا يستوي في عُرْفِ الناس ومألوفهم غير القادر مع القادر؛ فكيف يسوي الوثني بين القادر سبحانه، وبين أحجار لا تنفع ولا تضر؟ | |
![]() |
وأحيانًا يوجه نظر الناس إلى المخلوقات، وإلى ما في الكون مما يدل على قدرة الصانع وعلم المبدع وإرادة الجبار. | |
![]() |
وأحيانًا يقص -سبحانه وتعالى- على الناس خبر قوم كانت حالهم كحال من يثبت بطلان اعتقادهم مضمنًا القصص الأدلة على بطلان ما يعتقدون، وصحة ما يدعو إليه النبي -صلى الله عليه وسلم-. |