٥.١ مفهوم المنهج الجدلي، وأركان الجدال وخطواته
وجاء في (روح المعاني): بأنه أدلة كلامية يوردها الداعي؛ ليلزم الخصم ويفحمه، ويقسم الفخر الرازي الجدل إلى مذموم وممدوح حسب المقام والغاية من الجدل، فيقول: الجدل المذموم محمولٌ على الجدلِ في تقرير الباطل، وطلب المال والجاه، والجدل الممدوح محمول على الجدل في تقرير الحق، ودعوة الخلق إلى سبيل الله، والذب عن دين الله تعالى؛ وعلى ذلك فالجدل الممدوح ما كان بنية خالصة، وجرى بطريقةٍ سليمةٍ وأدى إلى الخير، أو يقال: هو كل جدال أيد الحق، وأفضى إليه بنيةٍ خالصة، وطريق صحيح.
قال ابن القيم في قوله تعالى: ((وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل: 125]: يحتمل أن يرجع إلى حال المجادل وغلظته ولينه وحيلته ورفقه، فيكون مأمورًا بجدالهم بالحال التي هي أحسن، ويحتمل أن يكون صفة لما يجادل به من الحجج والبراهين والكلمات التي هي أحسن شيء وأبينه وأدله على المقصود، وأوصَلُهُ إلى المطلوبِ.
والتحقيق: أن الآية تتناول الوضعين، ودعوة القرآن الصريحة ترشدنا إلى هذا النوع من الجدل، وتبين أصوله وآدابه؛ فقال تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل: 125]، وقال تعالى: ((وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)) [العنكبوت: 46].
٥.١ مفهوم المنهج الجدلي، وأركان الجدال وخطواته
ومن الأدلة على صحة هذا الجدل ما كان يحدث بين الصحابة -رضوان الله عليهم- ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الجدل، ولم ينكر عليهم ذلك؛ إذ كان لطلب المصلحة والحق، مثل: جدال سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة -رضي الله عنهما- مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في غزوة الأحزاب، وكما حدث من جدال الصحابة وعمر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية، كما أن الجدال مع أهل الإلحاد، والمشركين وأهل البدع لا بد منه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرةً تقطع دابرَهُم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور، وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامُه العلمَ واليقين.
قال ابن القيم في فقه قصة وفد نجران، وهو يستخلص فوائدها: ومنها جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم، وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلَتِهِم إلا عاجزٌ عن إقامة الحجة؛ فليولِّي ذلِكَ إلى أهله، وليخلي بين المطي وحاديها والقوس وباريها.
أما الجدال المذموم: وهو كل جدال ظاهر الباطل أو أفضى إليه، قال تعالى ((وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقّ)) [الكهف: 56]، وقال:((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ)) [الحج: 3]، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أبغض الرجال إلى الله الألَدُّ الخصم)) وغير ذلك من الأدلة في الكتاب والسنة، وجميعها ظاهرة في دلالتها على الجدال بالباطل، وهو ما قرره أكثر علماء هذه الأمة؛ لأنه لا تعارض بين النصوص التي تأمر بالجدل والتي تنهى عنه.
٥.١ مفهوم المنهج الجدلي، وأركان الجدال وخطواته
كما أنه بيَّنَ في مجمل القول في الجدل الممدوح والمذموم بقوله: فأما المناظرة فتنقسم إلى محمودة ومذمومة، والمحمودة نوعان، والمذمومة نوعان، وبيان ذلك أن المُناظر، إما أن يكون عالمًا بالحق، وإما أن يكون طالبًا له، وإما ألا يكون عالمًا به، ولا طالبًا له، وهذا الثالث هو المذموم، وأما الأولان فمن كان عالمًا بالحق فمناظرته التي تحمد أن يبين لغيره الحجة التي تهديه إن كان مسترشدًا طالبًا للحق، أو تقطعه، أو تكسره إن كان معاندًا غير طالب للحق، ولا متبع له، أو توقفه وتبعثه على النظر في أدلة الحق، ثم يبينُ أن لمناظرة المبطل فائدتين:
 |
إحداهما: أن يُرد عن باطله، ويرجع إلى الحق. |
 |
الثانية: أن ينكف شره وعداوته، ويتبين للناس أن الذي معه باطل. |
وعلى ذلك؛ فإن المتتبع للنصوص الشريعة والآثار يجد أنها تدور حول نوعين من الجدال، ويدور الحكم معهما جوازًا ومنعًا؛ فالنصوص والآثار التي تأمر بالجدال، وتجيز الأخذ به، وتعاطيه هي النصوص التي تهدف إلى الجدال الممدوح، أو الجدال الذي ينصر الحق، وينتصر له، ويدعو للإسلام، وينافح عن عقيدته، ويدفع كل ما يلحق بالإسلام من أذىً وإلصاقات، وتُهَمٍ باطلة، وبدع منتحلة، وضلالاتٍ كاذبة، فهذا النوع من الجدال هو الجَائِزُ، والمأمورُ به، والذي فيه خيرٌ للإسلام، وعزَّةٌ ورفْعة.
٥.١ مفهوم المنهج الجدلي، وأركان الجدال وخطواته
٥.١ مفهوم المنهج الجدلي، وأركان الجدال وخطواته
٥.١ مفهوم المنهج الجدلي، وأركان الجدال وخطواته
٥.١ مفهوم المنهج الجدلي، وأركان الجدال وخطواته
٥.١ مفهوم المنهج الجدلي، وأركان الجدال وخطواته
٥.١ مفهوم المنهج الجدلي، وأركان الجدال وخطواته
٥.١ مفهوم المنهج الجدلي، وأركان الجدال وخطواته
٥.١ مفهوم المنهج الجدلي، وأركان الجدال وخطواته
٥.١ مفهوم المنهج الجدلي، وأركان الجدال وخطواته
٥.١ مفهوم المنهج الجدلي، وأركان الجدال وخطواته