![]() |
المنهج الاستنباطي من حيث مفهومه، وأقسامه، ونشأة النوازل الفقهية: |
![]() |
مفهومه: الاستنباط لغة: الاستخراج، يُقال: نبط الماء نبع، وبابه دخل، وجلس، والنبط: الماء الذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت، وقد نبط ماؤها ينبط، وينبط نبطًا، ونبوطًا، وأنبطنا الماء، أي: استنبطناه وانتهينا إليه. | |
![]() |
وقال ابن منظور: واستنبطه، واستنبط منه علمًا وخبرًا ومالًا، استخرجه، والاستنباط: الاستخراج، واستنبط الفقيه إذا استخرج الفقهَ الباطن باجتهادِهِ وفهمه. | |
![]() |
وقال ابن سريج: وقد علم الجميع بأن النصوص لم تحط بجميع الحوادث، فعرفنا أن الله قد أبان حكمها بغير طريق النص، وهو القياس ويؤيد ذلك قوله تعالى ((لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم)) لأن الاستنباط هو الاستخراج وهو بالقياس. | |
![]() |
ويقول الشوكاني: ويُجاب عنه بأن الاستنباط هو استخراج الدليل على المدلول، بالنظر فيما يفيده من العموم، أو الخصوص، أو الإطلاق، أو التقييد، أو الإجمال، أو التبيين في نفس النص، أو نحو ذلك مما يكون طريقًا إلى استخراج الدليل منه، ثم قال: ولو سلمنا باندراج القياس تحت مسمى الاستنباط؛ لكان ذلك مخصوصًا بالقياس المنصوص على علته، وقياس الفحوى ونحوه، لا بما كان ملحقًا بمسلك من مسالك العلة التي هي محض رأي لم يدل عليها دليل من الشرع، فإن ذلك ليس من الاستنباط من الشرع بما أذن الله به، بل من الاستنباط بما لم يأذن الله به. |
![]() |
ويقول الآمدي في الرد أيضًا على من قصر الاستنباط في الآية السابقة عن القياس؛ لأنه يمكن أن يُراد بالاستنباط استخراج الحكم من دليله وهو أعم من القياس: ولهذا يصح أن يُقال لمستخرج الحكم من دلالة النص: إنه مستنبط، ومعنى الاستنباط الاستخراج، يُقال استنبط الماء من باطن الأرض بمعنى استخرجه، وهو يحتاج إلى بذل الجهد كما هو ظاهر، حتى يمكن الوصول إلى النتيجة المطلوبة، ومن هنا كان الاستنباط بمعناه الشرعي بذل الجهد الفكري لاستخراج الحكم الشرعي لمسألة من المسائل الفرعية التي يُراد معرفة حكم الله فيها، واستخراج هذا الحكم إنما يكون من الأدلة الشرعية، فالمجتهد يبحث بفكره وعقله في الدليل الشرعي الكتاب أو السنة، حتى يصل إلى الحكم المراد معرفته بخصوص الواقعة الجزئية المعروضة، وفي قواعد الفقه الاستنباط لغة: استخراج الماء من العين. | |
![]() |
وقد سعى العلماء المسلمون منذ عهد مبكر في وضع ضوابط له فنشأ علم أصول الفقه الذي يهدف إلى ضبط وتوجيه الفهم لإدراك حكم الله من النص، ولم يقتصر الاستنباط على ميدان الفقه، بل إنه جزء من كل علم شرعي، ولكنه تجلى أكثر في ميدان الفقه، وذلك للحاجة الكبيرة للفقهاء في ضبط الاستنباط، فقاموا بتقعيده، وتنظيم مسائله، وجمعه تحت مظلة واحدة هي أصول الفقه، ومن ثم انتفع طلبة العلم في كافة التخصصات من هذا العلم. | |
![]() |
ومن ضمن العلوم التي استفادت العلوم الإنسانية؛ إذ استخدم طائفة من الباحثين منهج الاستنباط في استخراج سنن الله -عز وجل- في السلوك الإنساني سواء من استقراء أحول الناس، أو من استقراء النصوص الشرعية. |
![]() |
وينقسم المنهج الاستنباطي إلى نوعين : |
![]() |
الأول: منهج استنباط الأحكام التربوية من النصوص الشرعية، وهو منهج الفقه التربوي. | |
![]() |
الثاني: منهج استنباط سنن الله في الظاهرة الإنسانية من القرآن الكريم والسنة المطهرة. |
![]() |
أولًا: منهج استنباط الأحكام التربوية من النصوص الشرعية: |
![]() |
بعث الله نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- معلمًا ومربيًا، وهاديًا يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه القرآن كلامَ الله؛ ليقرأه على الناس، ويربيهم على ما فيه من قيم وآداب محمودة، وهذا الكتاب جعله الله للناس نورًا يستضيئون به على مر الأجيال، وينبوعًا لا ينفذ للمتأملين فيه، والمستخرجين لأحكامه، فلا يستغني عنه مربٍّ مسلم، كلما أراد أن يفهم ظاهرةً إنسانية تدبر في آياته، فسيجد فيها من الإشارات والإيماءات ما يمكنه من فهم، واستنباط سنة الله في تلك الظاهرة. | |
![]() |
ومن ثم سعى العلماء المسلمون إلى استخراج سنن الله -تبارك الله وتعالى- في الظاهرة الإنسانية سواء من صلاح أو فساد من رشد أو غي من فقر، أو غنى من رجاء، أو شدة من نصر، أو هزيمة، ونحو ذلك من أحوال الناس، والقرآن قد تضمن الأحكام التربوية كافة من أهداف، ومبادئ وتوجيهات، وأسس، وقواعد، ولا يمكن الكشف عنها إلا باستخدام المنهج الاستنباطي، فأصبح هذا المنهجُ من أهم مناهجِ البحثِ في التربية الإسلامية. |
![]() |
فالدراسات التي تبحث في القرآن لاستخراج المبادئ التربوية، أو القواعد والأساليب التربوية تعتمد على المنهج الاستنباطي، ويستعير المنهج الاستنباطي معظم عناصره من مناهج البحث في العلوم الشرعية، فهو يستعير جزءًا كبيرًا من منهج الفقهاء أصول الفقه، ومن منهج المحدثين، ومن منهج المفسرين، ومن منهج اللغويين، ثم تمتزج تلك المناهج لينضم إليها طرف من مناهج التربية وعلم الاجتماع، وعلم النفس لينتج لنا منهج البحث الاستنباطي التربوي، ويمكن أن يُطلق عليه منهج الفقه التربوي؛ لأن لأكثر مناهج البحث تأثيرًا في منهج الاستنباط الفقهي أصول الفقه، كما أن مفهوم الاستنباط والفقه واحد، إن كان لاستخراج حكم تربوي من نص شرعي، أما إن كان لاستخراج آراء لشخصية تربوية أو لبحث ظاهرة إنسانية ونحو ذلك فالأنسب تسميته بالمنهج الاستنباطي. | |
![]() |
ثانيًا: منهج استنباط سنن الظواهر الإنسانية من القرآن والسنة : | |
![]() |
أنزل الله القرآن نورًا لهداية الإنسان؛ فضمنه من التوجيهات والإرشادات، والأخبار ما ينفع الإنسان؛ فهو كتاب هداية، وتفصيل لكل شيء، وقد كشف الله لنا فيه حقيقة الإنسان وغرائزه، وما يحيط بالإنسان من بيئة، وكائنات أخرى فبين للإنسان كل ما يحتاج إليه، وليس للإنسان إلا الكشف عن هذه التوجيهات وعن تلك السنن لينتفع بها. |
![]() |
والاستنباط يكون أيضًا في النوازل، فالنازلة على وجه العموم هي الحادثة التي تحتاج إلى حكم شرعي، فالنوازل الفقهية هي تلك الحوادث، والوقائع اليومية التي تنزل بالناس؛ فيتجهون إلى الفقهاء للبحث عن الحلول الشرعية لها، ومن ذلك قول ابن عبد البر: باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزولِ النازلةِ. |
![]() |
نشأة النوازل الفقهية: |
![]() |
لقد جاءت الشريعة لتنظيم حياة الإنسان المسلم تنظيمًا محكمًا، وتسايره في أطوار حياته منذ ولادته إلى أن تسلمه إلى الحياة الآخرة، ولشدة حرص المسلمين على القيام بشعائرهم الدينية، والعمل طبق تعاليم هذا الدين كانوا لا يفتئون يسألون الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن شئون دينهم ودنياهم، ولمدة ثلاث وعشرين سنة ظل القرآن ينزل حسب الوقائع والنوازل والأحداث رابطًا حياتهم بربهم. | |
![]() |
ومن خصائص الشريعة الإسلامية: أنها واقعية تجيبُ أسئلةَ السائلين، وترد المبطلين، وتعلم السالكين فوردت كلمة "يسألونك" في كتاب الله خمس عشرة مرة في السور المكية والمدنية. |
![]() |
وتلك الأسئلة تناولت جميع شئون الحياة، وإذا أضفنا إلى ما تقدم ما ورد في كتاب الله في ذلك مما ورد في هذا الشأن من السنة النبوية، فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يجيب أصحابه عما لا قرآن فيه، وأحيانًا يبين لهم أن الله قد بين لهم أشياء، وسكت عن أشياء رحمة بهم من غير نسيان، إلى غير ذلك من أجوبة الرسول وفتاويه التي حاول بعضهم أن يحصيها ويؤلف فيها، فقد جمع ابن القيم -رحمه الله- جملة من فتاويه -عليه الصلاة والسلام- ضمن كتابه (إعلام الموقعين). | |
![]() |
وكان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره، بل وقد اجتهد الصحابة في كثير من الأحكام، ولم يعنفهم النبي-صلى الله عليه وسلم-، كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة فاجتهد بعضهم فصلاها في الطريق، وقالوا: لم يُرد منا التأخير وإنما أراد سرعة النهوض، فنظروا إلى المعنى واجتهد آخرون فأخروها حتى وصلوا بني قريظة وصولها ليلًا فنظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أصحاب المعاني والقياس. |
![]() |
فالصحابة -رضي الله عنهم- مثَّلُوا الوقائع بنظائرها وشبهوها بأمثالها، وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبينوا لهم سبيله، ثم صارت الفتوى بعد الصحابة إلى فقهاء التابعين -رضي الله عنهم- ثم فقهاء الأمصار المشهورة في صدر الإسلام، ثم إلى أئمة المذاهب، ثم إلى تلاميذهم، وهكذا السلف الأولون من هذه الأمة، ودأب الجميع على الأخذ، والاستنباط من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- كلٌّ يغرف على قدر غزارة علْمِهِ واتساع مداركه، ثم اتسعت رقعة الإسلام، وامتدت من المحيط الأطلسي غربًا إلى حدود الصين شرقًا، ومن أواسط أوروبا شمالًا إلى المحيط الهندي جنوبًا، وتفرعت المذاهب الفقهية، وكتِب البقاء لأربعة منها، وهي المذاهب المشهورة: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وكلها تستقي من مصدر واحد. | |
![]() |
ولما كان منصب الاستنباط والإفتاء في دين الله جليل القدر عظيم الخطر؛ لأن المفتي بفتواه يُوَقِّعُ فيها عن ربِّ العالمِينَ، فهو مؤتمن فيها على شرع الله، ودينه، ويقوم مقام النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أمته؛ لا سيما في الأمور المستجدة والحوادث النازلة؛ لذلك وجب أن يكون المتصدي للفتوى مؤهلًا لاستنباط الأحكام الشرعية لما يجدُّ من أمور، ووجب أن يكون ذا قدرة على النظر والاجتهاد. | |
![]() |
الضوابط الشرعية التي يسلكها المستنبط أثناء الحكم: |
![]() |
بذل غاية الوسع في البحث عن الحكم الشرعي للنازلة، فعلى المستنبط استفراغ وسعه في تتبع الأدلة في مظانها حتى يحس بالعجز عن المزيد بتتبع طرق استنباط النوازل. | |
![]() |
مجال الاجتهاد لا يكون إلا بالظنيات، فلا اجتهاد في المسائل القطعية، فما أجمعت عليه الأمة وصار معلومًا من الدين بالضرورة، وثبت قطعًا، فلا مجال للاجتهاد فيه حتى لا تصبح قطعيات الدين محل للتلاعب. | |
![]() |
خبر الآحاد ليس ظنيًّا بإطلاق، وعلى المستنبط ألا يتعامل مع خبر الآحاد على أنه ظني الثبوت دائمًا، بل منه ما هو قطعي الثبوت، فهو كالمتواتر في الثبوت والاحتجاج، وأيضًا فالخبر الذي تلقاه الأئمة بالقبول تصديقًا له وعملًا بموجبه يفيد العلم عند جماهير الخلف والسلف، وهذا في معنى المتواتر. | |
![]() |
المحافظة على مراتب الأحكام، فكما لا يجوز التلاعب بالقطعي من الأحكام، فكذلك لا يجوز تحويل الظني إلى قطعي، أو ادعاء الإجماع في موطن الخلاف، مع أن ثبوت الإجماع محل خلاف. | |
![]() |
يقول الإمام أحمد -رحمه الله-: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا وهو لا يعلم. | |
![]() |
مراعاة فقه الواقع، فعلى المستنبط أن يجتهد في كل عصر بما يناسب الواقع الذي يعيشه. |
![]() |
مراعاة النيات والمقاصد: ولأهمية هذا الضابط يحذر بن القيم من تركه قائلًا: "إياك أن تهمل قصد المتكلم ونيته وعرفه، فتجني عليه وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه، فالنازلة يتغير حكمها بتغير قصد ونية المتكلم أو الفاعل ولم يتوقف ذلك على موضع معين وإنما يشمل كل التصرفات والأقوال". | |
![]() |
مراعاة العرف والعوائد: لقد لاحظ الأئمة والفقهاء اعتبار العرف في ابتناء الأحكام والفتوى التي يستند في تنزيلها على الأعراف، والعوائد الحادثة، والتي تختلف باختلاف الزمان والمكان، وعلى أساس ذلك اعتبروا العرف دليلًا شرعيًّا وأصلًا من أصول الاستنباط. | |
![]() |
مراعاة الضرورة: إن الاستجابة لمبدأ الضرورة في الحكم على النوازل استجابة لما تفرضه ضغوط زمنية معينة، وبهذا الاعتبار فقد تختلف الضرورة من زمان لآخر، والشريعة الإسلامية راعت الضرورة لكونها ما جاءت إلا لتحقيق مصلحة العباد في العاجل والآجل. | |
![]() |
تيسير الحكم على النازلة: فالتيسير مأخوذ من اليسر الذي هو بمعنى السهولة، والتيسير هو التسهيل والتوسعة والتخفيف والبعد عن التعصب والتضييق والإحراج والإعنات، والتيسير في الشريعة مظاهره كثيرة جدًّا، منها التيسير في الفتوى والحكم على النازلة حتى يسهل على الناس العمل بها والتزامه وتطبيقه في الحياة العملية، وليس من التيسير في الفتوى إباحة المحرمات لغير ضرورة شرعية، أو الإفتاء بترك واجب؛ لأن ذلك يعتبر مروقًا عن التكليف الشرعي بل خروجًا عن الدين، واتباعًا للهوى والشيطان. |
![]() |
عدم التقييد بمذهب معين: ومعنى هذا الضابط ألا يلتزم المستنبط في حكمه على النازلة بمذهب معين، إنما يوازن بين الأقوال ويرجح أقواها من حيث الدليل. |
![]() |
تطبيقات المنهج الاستنباطي من القرآن والسنة: |
![]() |
أما القرآن الكريم، ففي قوله سبحانه وتعالى: ((وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)) [النساء: ٨٣]. | |
![]() |
أما السنة النبوية، فأظهر ما استدلوا به دليلان: الأول حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قال له: ((كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ قال: أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنةِ رسولِ الله، فإن لم أجد أجتهد رأيي ولا آلوه، فضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على صدره، وقال: الحمد لله الذي وفَّقَ رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله)). | |
![]() |
فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقر معاذًا -رضي الله عنه- على أن يجتهد إذا لم يجد نصًا يقضي به في الكتاب والسنة، وهذا الاجتهاد وبذل الجهد للوصول إلى الحكم يشمل القياس؛ لأنه نوع من الاجتهاد والاستدلال، والرسول لم يقره على نوع من الاستدلال دون نوع. | |
![]() |
والثاني ما ثبت في صحاح السنة من أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كثير من الوقائع التي عُرضت عليه ولم يوحَ إليه بحكمها استدل على حكمها بطريق القياس. |
![]() |
وفِعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذا الأمر العام تشريع لأمته، ولم يقم دليل على اختصاصه به، فالقياس فيما لا نص فيه من سنن الرسول -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين فيه أسوة فقد ورد: ((أن امرأة جاءت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذرأفأصوم عنها؟ فقال: أرأيتِ لو كان على أمكِ دين فقضيتيه أكان يؤدى ذلك عنها؟ قالت: نعم، قال فصومي عن أمك)). | |
![]() |
أما عن كيفية الاستفادة من المنهج الاستنباطي في مجال الدعوة الإسلامية: | |
![]() |
فقد برزت في العصور الحديثة مناهج للاستنباط فيما استجد من نوازل ومستجدات، وكل منهج من هذه المناهج له مستنبطوه، وكل مجتهد له مدرسته الخاصة، وهو امتداد لهذه المدارس، ولم تكن هذه المدارس إلا ثمرة من ثمرات الجمع بين المذاهب الفقهية المختلفة لمواكبة النوازل المستجدة بحلول شرعية مناسبة، بل إن الاستفادة من المذاهب الأخرى لم تلغِ المذاهب الفقهية، بل وسعت من دائرتها وأفرزت لنا هذه المحاولات عددًا من المدارس الفقهية، فَسُمِّيتْ المدرسة التي تغلب النصوص بمدرسة الأثر أو النص أو الحديث، وسميت المدرسة التي تغلب الرأي بمدرسة الرأي أو العقل وبينهما مدرسة وسط، هي الموازنة والترجيح، ونلقي الضوء على كل منها. |
![]() |
الفرع الأول مدرسة النص، وتمتاز هذه المدرسة بما يلي: |
![]() |
عرض الفقه من الكتاب والسنة. | |
![]() |
الاستفادة من الجهود الفقهية للفقهاء السابقين دون تعصب لأي منها. | |
![]() |
إحياء فقه السلف الصالح. | |
![]() |
إحداث صحوة كبيرة في الاهتمام بالسنة والآثار وتحقيقهما. | |
![]() |
ويمثل هذه المدرسة الصنعاني في (سبل السلام)، والشوكاني في (نيل الأوطار)، وصديق خان في مؤلفاته، والسيد سابق في (فقه السنة)، والألباني في رسائله. | |
![]() |
الفرع الثاني: مدرسة العقل: |
![]() |
وتمتاز بما يلي: |
![]() |
تقديم الكتاب على السنة وجعل إيماءات الكتاب أولى بالأخذ من الأحاديث الآحاد. | |
![]() |
ترى أن العقل أصل للنقل فتقدم دليله. |
![]() |
ترفض مبدأ النسخ وتنكر إنكارًا حاسمًا أن يكون في القرآن نص انتهى أمده. | |
![]() |
ولم تسلم هذه المدرسة من الاجتهادات الخاطئة كتبرم أبي زهرة بالرجم، ومن علماء هذه المدرسة: الشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ محمد الغزالي. | |
![]() |
الفرع الثالث: مدرسة الموازنة والترجيح: نشأت هذه المدرسة في القرن السابع على يد ابن تيمية وتلامذته. |
![]() |
وتمتاز بما يلي : |
![]() |
هي مدرسة استوعبت الأخبار المروية وأدركت وجود الحكمة والمصالح التي تتغياها الشريعة، أي: أنها أفادت من الرأي والأثر معًا، وإن كان انتصارها للأثر أظهر. | |
![]() |
لا فقه دون سنة، ولا سنة دون فقه. | |
![]() |
ضرورة الوصل بين الفقه والحديث. | |
![]() |
التركيز على المصالح الشرعية، وحكمة التشريع، ومقاصد الشريعة. | |
![]() |
التركيز على شمولية الإسلام وتكامله، والداعية يدرس هذه المدارس ويستفيد منها لخدمة الدعوة. |
![]() |
فوائد القواعد الفقهية وأهميتها في استنباط الأحكام الفقهية للنوازل المعاصرة: |
![]() |
علم القواعد الفقهية من أهم العلوم الإسلامية التي يتزود بها المجتهد لاستنباط الأحكام الفقهية، والتي تساعده على معرفة الطرق التي سلكها المجتهدون قبله، وتجمع له شتات المسائل وفروعها وجزئياتها فتوفر له الوقت والجهد، وتنمي الملكة الفقهية التي تسهل عليه استنباط الأحكام الفقهية للوقائع المستجدة، والنوازل المعاصرة. | |
![]() |
القاعد الفقهية تضبط الفروع الجزئية المتناثرة في سلك واحد، فبمجرد تذكر القاعدة يسهل استذكار حكم المسائل الفقهية، وبذلك يستغنى عن حفظ أكثر الفروع لاندراجها تحت القواعد الكلية. | |
![]() |
القواعد الفقهية تيسر على المجتهد معرفة مقاصد الشريعة وأسرارها، وذلك أن ربط الفروع الجزئية بالقواعد الفقهية الكلية يدل على أن هذه الفروع جاءت لتحقيق مصلحة أكبر، وفي ذلك لفت للأنظار إلى المقاصد العامة الكبرى، وهذا الأمر قد لا يتيسر من مجرد معرفة الفروع المجردة من قواعدها. | |
![]() |
القواعد الفقهية تتيح لغير المتخصصين في العلوم الشرعية الاطلاع على الأحكام الشرعية بشكل أسهل وميسر. | |
![]() |
ومن المجالات التي يصلح لها هذا المنهج قوانين السير في الأرض، واكتشاف السنن الحاكمة لحركة الحياة، أو فقه الحياة من علوم مادي، وكشف حضاري سواء في مجال العلوم الاجتماعية، أو التربوية أو العلمية. |
![]() |
ملاحظات مهمة عرض بعضها الدكتور عمر عبيد حسنة، ومنها: |
![]() |
في كلا المنهجين إبداع وإنتاج جميل، ولكن لكل مجال ميدان يحقق السبق. | |
![]() |
الفقه التشريعي في الإسلام يخضع للمنهج الاستنباطي القياسي، بيد أن الفقه الاجتماعي والحضاري يخضع للمنهج الاستقرائي، وقد يكون من بعض عيوب العقل المسلم المعاصر الخلط بين المنهجين، وعدم القدرة على استخدام كل في مجاله. | |
![]() |
إن سنن التداول الحضاري استيحاء من قوله تعالى: ((وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس)) لا تتأتى إلا من السير في الأرض الذي فرضه الله على المسلم بقوله: ((قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ)) فلنتعرف على القوانين التي حكمت حركة البشر للإفادة منها للحاضر والمستقبل، فقد يكون الحاضر نتيجة لمقدمة في الماضي، وقد يكون مقدمة لنتيجة لا تظهر إلا في المستقبل. | |
![]() |
لقد كان جيل القرون الأولى يتعامل مع السنن بشكل عملي وتلقائي؛ لأنهم فقهوا الوحي، أما نحن فلم نزل نبحث فيها وننظر في مدى أهميتها في إعادة تشكيل العقل وتصميم الذهنية الإسلامية التي لا تزال تعاني من التخلف بسبب الغفلة عن السير في الأرض، والكشف عن سنن الله في الأنفس والآفاق، وأهمية ذلك في معرفة قيام المجتمعات وسقوط ونهوض الأمم. |
![]() |
لا شك أن معطيات الوحي في الكتاب والسنة تضمنت خلاصة السنن التي تحكم الحياة والأحياء، بما عرضت له من القصص القرآني عن نهوض الأمم والحضارات وسقوطها، وربط الأسباب بالمسببات، والمقدمات بالنتائج، بشكل أشبه ما يكون بالمعادلات الرياضية التي تحكم عالم المادة ليعتبر أولوا الأبصار. | |
![]() |
اكتشاف السنن والتوصل إلى الدليل الذي يبين الحق إنما يتأتى من استقراء التاريخ والواقع وآيات الأنفس والآفاق، لكن المشكلة جاءت من الامتداد بأحد المنهجين وتعطيل الآخر، خاصة عندما توقف العقل المسلم عند السير في الأرض، وتعطل النظر في الأنفس والآفاق في العصور المتأخرة الأمر الذي أدى به إلى الانحصار الحضاري. |
![]() |
تطبيق عملي: |
![]() |
وجميل أن نسوقها هنا فكرة عملية نرجو لها أن تتسع لها عقول الناشطين وإسهاماتهم في خدمة قضايا أمتنا، هذه الفكرة عرضها الدكتور عمر عبيد حسن بشكل عام، ونركز الضوء عليها بعرض التساؤل الآتي: ما قيمة القصص القرآني الخالد إذا لم يشكل عقلًا مدركًا للقوانين والسنن التي تحكم التجمع الإنساني، وتتحكم بقيام وسقوط الحضارات، هل هي حكايات لتسجية الوقت أسقطها الزمن، وطواها التاريخ؟. | |
![]() |
المطلوب اليوم أكثر من أي يوم مضى في مجال الدراسات الإنسانية التي بلغت عند غيرنا شأوًا بعيدًا أن نتوجه صوب فقه القصص القرآني بالقدر نفسه الذي توجهنا به نحو آيات الأحكام، واستنبطنا منها هذه الكنوز العظيمة في مجال التشريع لنكتشف فقهًا حضاريًّا في إطار علوم الإنسان والقوانين الاجتماعية التي تحكم مسيرة الحياة والأحياء، والتي تخلفنا فيها إلى درجة لا نُحسد عليها. |