٣.٢ تطبيقات للمنهج الاستنباطي من القرآن والسنة.
تطبيقات للمنهج الاستنباطي من القرآن والسنة
أما القرآن الكريم، ففي قوله سبحانه وتعالى: ((وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)) [النساء: ٨٣].
أما السنة النبوية، فأظهر ما استدلوا به دليلان: الأول حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قال له: ((كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنةِ رسولِ الله، فإن لم أجد أجتهد رأيي ولا آلوه، فضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على صدره، وقال: الحمد لله الذي وفَّقَ رسولَ رسولِ الله لما يُرضي رسول الله)).
فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقر معاذًا -رضي الله عنه- على أن يجتهد إذا لم يجد نصًّا يقضي به في الكتاب والسنة، وهذا الاجتهاد وبذل الجهد للوصول إلى الحكم يشمل القياس؛ لأنه نوع من الاجتهاد والاستدلال، والرسول لم يقره على نوع من الاستدلال دون نوع.
٣.٢ تطبيقات للمنهج الاستنباطي من القرآن والسنة.
والثاني ما ثبت في صحاح السنة من أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كثير من الوقائع التي عُرضت عليه ولم يوحَ إليه بحكمها استدل على حكمها بطريق القياس.
وفِعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذا الأمر العام تشريع لأمته، ولم يقم دليل على اختصاصه به، فالقياس فيما لا نص فيه من سنن الرسول -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين فيه أسوة فقد ورد: ((أن امرأة جاءت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذرأفأصوم عنها؟ فقال: أرأيتِ لو كان على أمكِ دين فقضيتيه أكان يؤدى ذلك عنها؟ قالت: نعم، قال فصومي عن أمك)).
أما عن كيفية الاستفادة من المنهج الاستنباطي في مجال الدعوة الإسلامية:
فقد برزت في العصور الحديثة مناهج للاستنباط فيما استجد من نوازل ومستجدات، وكل منهج من هذه المناهج له مستنبطوه، وكل مجتهد له مدرسته الخاصة، وهو امتداد لهذه المدارس، ولم تكن هذه المدارس إلا ثمرة من ثمرات الجمع بين المذاهب الفقهية المختلفة لمواكبة النوازل المستجدة بحلولٍ شرعية مناسبة، بل إن الاستفادة من المذاهب الأخرى لم تلغِ المذاهب الفقهية، بل وسعت من دائرتها وأفرزت لنا هذه المحاولات عددًا من المدارس الفقهية، فَسُمِّيتْ المدرسة التي تغلب النصوص بمدرسة الأثر أو النص أو الحديث، وسميت المدرسة التي تغلب الرأي بمدرسة الرأي أو العقل وبينهما مدرسة وسط، هي الموازنة والترجيح، ونلقي الضوء على كل منها.
الفرع الأول مدرسة النص، وتمتاز هذه المدرسة بما يلي :
٣.٢ تطبيقات للمنهج الاستنباطي من القرآن والسنة.
فوائد القواعد الفقهية وأهميتها في استنباط الأحكام الفقهية للنوازل المعاصرة:
علم القواعد الفقهية من أهم العلوم الإسلامية التي يتزود بها المجتهد لاستنباط الأحكام الفقهية، والتي تساعده على معرفة الطرق التي سلكها المجتهدون قبله، وتجمع له شتات المسائل وفروعها وجزئياتها فتوفر له الوقت والجهد، وتنمي الملكة الفقهية التي تسهل عليه استنباط الأحكام الفقهية للوقائع المستجدة، والنوازل المعاصرة.
قال السيوطي -رحمه الله-: "اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم به يُطلع على حقائق الفقه ومداركه ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمستورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مر الزمن". ولذلك قال الإمام القرافي: "وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقه ويشرف.
القاعد الفقهية تضبط الفروع الجزئية المتناثرة في سلك واحد، فبمجرد تَذَكر القاعدة يسهل استذكار حكم المسائل الفقهية، وبذلك يستغنى عن حفظ أكثر الفروع لاندراجها تحت القواعد الكلية، يقول الإمام القرافي -رحمه الله-: "ومن ضَبَط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها تحت الكليات.
القواعد الفقهية تيسر على المجتهد معرفة مقاصد الشريعة وأسرارها، وذلك أن ربط الفروع الجزئية بالقواعد الفقهية الكلية يدل على أن هذه الفروع جاءت لتحقيق مصلحة أكبر، وفي ذلك لفت للأنظار إلى المقاصد العامة الكبرى، وهذا الأمر قد لا يتيسر من مجرد معرفة الفروع المجردة من قواعدها.
القواعد الفقهية تتيح لغير المتخصصين في العلوم الشرعية الاطلاع على الأحكام الشرعية بشكل أسهل وميسر.
ومن خلال ما سبق تبين لنا دور القواعد الفقهية والحاجة الماسة إليها لمعرفة حكم ما يجدُّ من قضايا ونوازل، فالتعمق في علم القواعد الفقهية وعلم مقاصد الشريعة يفتح المجال أمام الفقهاء لاستنباط حكم الله فيما يجدُّ من قضايا معاصرة، ومن المجالات التي يصلح لها هذا المنهج قوانين السير في الأرض، واكتشاف السنن الحاكمة لحركة الحياة، أو فقه الحياة من علوم مادية، وكشف حضاري سواء في مجال العلوم الاجتماعية، أو التربوية أو العلمية.
٣.٢ تطبيقات للمنهج الاستنباطي من القرآن والسنة.
ملاحظات مهمة عرض بعضها الدكتور عمر عبيد حسنة، ومنها:
في كلا المنهجين إبداع وإنتاج جميل، ولكن لكل مجال ميدان يحقق السبق.
الفقه التشريعي في الإسلام يخضع للمنهج الاستنباطي القياسي، بيد أن الفقه الاجتماعي والحضاري يخضع للمنهج الاستقرائي، وقد يكون من بعض عيوب العقل المسلم المعاصر الخلط بين المنهجين، وعدم القدرة على استخدام كل في مجاله.
إن سنن التداول الحضاري استيحاء من قوله تعالى: ((وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس)) [آل عمران: ١٤٠] لا تتأتى إلا من السير في الأرض الذي فرضه الله على المسلم بقوله: ((قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ)) [الروم: ٤٢] فلنتعرف على القوانين التي حكمت حركة البشر للإفادة منها للحاضر والمستقبل، فقد يكون الحاضر نتيجة لمقدمة في الماضي، وقد يكون مقدمة لنتيجة لا تظهر إلا في المستقبل.
لقد كان جيل القرون الأولى يتعامل مع السنن بشكل عملي وتلقائي؛ لأنهم فقهوا الوحي، أما نحن فلم نزل نبحث فيها وننظر في مدى أهميتها في إعادة تشكيل العقل وتصميم الذهنية الإسلامية التي لا تزال تعاني من التخلف بسبب الغفلة عن السير في الأرض، والكشف عن سنن الله في الأنفس والآفاق، وأهمية ذلك في معرفة قيام المجتمعات وسقوط ونهوض الأمم.
لا شك أن معطيات الوحي في الكتاب والسنة تضمنت خلاصة السنن التي تحكم الحياة والأحياء، بما عرضت له من القصص القرآني عن نهوض الأمم والحضارات وسقوطها، وربط الأسباب بالمسببات، والمقدمات بالنتائج، بشكل أشبه ما يكون بالمعادلات الرياضية التي تحكم عالم المادة ليعتبر أولوا الأبصار.
اكتشاف السنن والتوصل إلى الدليل الذي يبين الحق إنما يتأتى من استقراء التاريخ والواقع وآيات الأنفس والآفاق، لكن المشكلة جاءت من الامتداد بأحد المنهجين وتعطيل الآخر، خاصة عندما توقف العقل المسلم عند السير في الأرض وتعطل النظر في الأنفس والآفاق في العصور المتأخرة، الأمر الذي أدى به إلى الانحصار الحضاري.
٣.٢ تطبيقات للمنهج الاستنباطي من القرآن والسنة.
تطبيق عملي
وجميل أن نسوقها هنا فكرة عملية نرجو أن تتسع لها عقول الناشطين وإسهاماتهم في خدمة قضايا أمتنا، هذه الفكرة عرضها الدكتور عمر عبيد حسن بشكل عام، ونركز الضوء عليها بعرض التساؤل الآتي: ما قيمة القصص القرآني الخالد إذا لم يشكل عقلًا مدركًا للقوانين والسنن التي تحكم التجمع الإنساني، وتتحكم بقيام وسقوط الحضارات، هل هي حكايات لتسجية الوقت أسقطها الزمن، وطواها التاريخ؟
المطلوب اليوم أكثر من أي يوم مضى في مجال الدراسات الإنسانية التي بلغت عند غيرنا شأوًا بعيدًا أن نتوجه صوب فقه القصص القرآني بالقدر نفسه الذي توجهنا به نحو آيات الأحكام، واستنبطنا منها هذه الكنوز العظيمة في مجال التشريع لنكتشف فقهًا حضاريًّا في إطار علوم الإنسان والقوانين الاجتماعية التي تحكم مسيرة الحياة والأحياء، والتي تخلفنا فيها إلى درجة لا نُحسد عليها.