٣.١ المنهج الاستنباطي من حيث مفهومه، وأقسامه، ونشأة النوازل الفقهية


المنهج الاستنباطي من حيث مفهومه وأقسامه

مفهومه: الاستنباط لغة: الاستخراج، يُقال: نبط الماء نبع، وبابه دخل، وجلس، والنبط الماء الذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت، وقد نبط ماؤها ينبط، وينبط نبطًا، ونبوطًا، وأنبطنا الماء، أي: استنبطناه وانتهينا إليه.

وقال ابن منظور: واستنبطه، واستنبط منه علمًا وخبرًا ومالًا، استخرجه، والاستنباط: الاستخراج، واستنبط الفقيه إذا استخرج الفقهَ الباطن باجتهادِهِ وفهمه.

وقال ابن سريج: وقد علم الجميع بأن النصوص لم تُحِط بجميع الحوادث، فعرفنا أن الله قد أبان حكمها بغير طريق النص، وهو القياس، ويؤيد ذلك قوله تعالى ((لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم)) [النساء: ٨٣] لأن الاستنباط هو الاستخراج وهو بالقياس.


٣.١ المنهج الاستنباطي من حيث مفهومه، وأقسامه، ونشأة النوازل الفقهية


ويقول الشوكاني: ويُجاب عنه بأن الاستنباط هو استخراج الدليل على المدلول، بالنظر فيما يفيده من العموم، أو الخصوص، أو الإطلاق، أو التقييد، أو الإجمال، أو التبيين في نفس النص، أو نحو ذلك مما يكون طريقًا إلى استخراج الدليل منه، ثم قال: ولو سلمنا باندراج القياس تحت مسمى الاستنباط؛ لكان ذلك مخصوصًا بالقياس المنصوص على علته، وقياس الفحوى ونحوه، لا بما كان ملحقًا بمسلك من مسالك العلة التي هي محض رأي لم يدل عليها دليل من الشرع، فإن ذلك ليس من الاستنباط من الشرع بما أذن الله به، بل من الاستنباط بما لم يأذن الله به.

ويقول الآمدي في الرد أيضًا على من قصر الاستنباط في الآية السابقة عن القياس؛ لأنه يمكن أن يُراد بالاستنباط استخراج الحكم من دليله وهو أعم من القياس: ولهذا يصح أن يُقال لمستخرج الحكم من دلالة النص: إنه مستنبط، ومعنى الاستنباط الاستخراج، يُقال استنبط الماء من باطن الأرض بمعنى استخرجه، وهو يحتاج إلى بذل الجهد كما هو ظاهر، حتى يمكن الوصول إلى النتيجة المطلوبة، ومن هنا كان الاستنباط بمعناه الشرعي بذل الجهد الفكري لاستخراج الحكم الشرعي لمسألة من المسائل الفرعية التي يُراد معرفة حكم الله فيها، واستخراج هذا الحكم إنما يكون من الأدلة الشرعية، فالمجتهد يبحث بفكره وعقله في الدليل الشرعي الكتاب أو السنة، حتى يصل إلى الحكم المراد معرفته بخصوص الواقعة الجزئية المعروضة، وفي قواعد الفقه الاستنباط لغة: استخراج الماء من العين.


٣.١ المنهج الاستنباطي من حيث مفهومه، وأقسامه، ونشأة النوازل الفقهية


قال الجرجاني في (التعريفات): اصطلاحًا: استخراج المعاني من النصوص بفرط الذهن وقوة القريحة، والاستنباط من قدرات العقل الإنساني التي وهبها الله الإنسان؛ حيث يستطيع الإنسان إذا ما أعمل فكره في الظاهرة سواء كانت إنسانية أم طبيعية أن يستنتج العوامل المتسببة فيها، وكذلك إذا أعمل فِكْرَهُ في كتاب الله، أو سنة رسوله أن يستنبط الحكم الشرعي، ويعتبر الاستنباط المنهج الرئيسي في استخراج الحكم الشرعي من النصوص.

وقد سعى العلماء المسلمون منذ عهد مبكر في وضع ضوابط له، فنشأ علم أصول الفقه الذي يهدف إلى ضبط وتوجيه الفهم لإدراك حكم الله من النص، ولم يقتصر الاستنباط على ميدان الفقه، بل إنه جزء من كل علم شرعي، ولكنه تجلى أكثر في ميدان الفقه، وذلك للحاجة الكبيرة للفقهاء في ضبط الاستنباط، فقاموا بتقعيده، وتنظيم مسائله، وجمعه تحت مظلة واحدة هي أصول الفقه، ومن ثم انتفع طلبة العلم في كافة التخصصات من هذا العلم.

ومن ضمن العلوم التي استفادت العلوم الإنسانية؛ إذ استخدم طائفة من الباحثين منهج الاستنباط في استخراج سنن الله -عز وجل- في السلوك الإنساني سواء من استقراء أحول الناس، أو من استقراء النصوص الشرعية.


٣.١ المنهج الاستنباطي من حيث مفهومه، وأقسامه، ونشأة النوازل الفقهية


وينقسم المنهج الاستنباطي إلى نوعين :
الأول: منهج استنباط الأحكام التربوية من النصوص الشرعية، وهو منهج الفقه التربوي.
الثاني: منهج استنباط سنن الله في الظاهرة الإنسانية من القرآن الكريم والسنة المطهرة. وسنتحدث بشيء من التفصيل عنهما.

أولًا: منهج استنباط الأحكام التربوية من النصوص الشرعية

بعث الله نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- معلمًا ومربيًا، وهاديًا يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه القرآن كلامَ الله؛ ليقرأه على الناس، ويربيهم على ما فيه من قيم وآداب محمودة، وهذا الكتاب جعله الله للناس نورًا يستضيئون به على مر الأجيال، وينبوعًا لا ينفذ للمتأملين فيه، والمستخرجين لأحكامه، فلا يستغني عنه مربٍّ مسلم، كلما أراد أن يفهم ظاهرةً إنسانية تدبر في آياته، فسيجد فيها من الإشارات والإيماءات ما يمَكِّنه من فهم واستنباط سنة الله في تلك الظاهرة، قال تعالى: ((لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)) [الأنبياء: ١٠]، وقال سبحانه: ((الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)) [إبراهيم: ١]، وقال تعالى: ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)) [الإسراء: ٩].

٣.١ المنهج الاستنباطي من حيث مفهومه، وأقسامه، ونشأة النوازل الفقهية


ومن ثم سعى العلماء المسلمون إلى استخراج سنن الله -تبارك الله وتعالى- في الظاهرة الإنسانية سواء من صلاح أو فساد من رشد أو غي من فقر، أو غنى من رجاء، أو شدة من نصر، أو هزيمة، ونحو ذلك من أحوال الناس والقرآن قد تضمن الأحكام التربوية كافة من أهداف، ومبادئ وتوجيهات، وأسس، وقواعد، ولا يمكن الكشف عنها إلا باستخدام المنهج الاستنباطي، فأصبح هذا المنهجُ من أهم مناهجِ البحثِ في التربية الإسلامية.

فالدراسات التي تبحث في القرآن لاستخراج المبادئ التربوية، أو القواعد والأساليب التربوية تعتمد على المنهج الاستنباطي، ويستعير المنهج الاستنباطي معظم عناصره من مناهج البحث في العلوم الشرعية، فهو يستعير جزءًا كبيرًا من منهج الفقهاء أصول الفقه، ومن منهج المحَدِّثين، ومن منهج المفسرين، ومن منهج اللغويين، ثم تمتزج تلك المناهج لينضم إليها طرف من مناهج التربية وعلم الاجتماع وعلم النفس؛ لينتج لنا منهج البحث الاستنباطي التربوي، ويمكن أن يُطلق عليه منهج الفقه التربوي؛ لأن لأكثر مناهج البحث تأثيرًا في منهج الاستنباط الفقهي أصول الفقه، كما أن مفهوم الاستنباط والفقه واحد إن كان لاستخراج حكم تربوي من نص شرعي، أما إن كان لاستخراج آراء لشخصية تربوية أو لبحث ظاهرة إنسانية ونحو ذلك فالأنسب تسميته بالمنهج الاستنباطي.


٣.١ المنهج الاستنباطي من حيث مفهومه، وأقسامه، ونشأة النوازل الفقهية


ثانيًا: منهج استنباط سنن الظواهر الإنسانية من القرآن والسنة

أنزل الله القرآن نورًا لهداية الإنسان؛ فضمنه من التوجيهات والإرشادات والأخبار ما ينفع الإنسان، فهو كتاب هداية، وتفصيل لكل شيء وقد كشف الله لنا فيه حقيقة الإنسان وغرائزه، وما يحيط بالإنسان من بيئة وكائنات أخرى، فبين للإنسان كل ما يحتاج إليه، وليس للإنسان إلا الكشف عن هذه التوجيهات وعن تلك السنن لينتفع بها.

والاستنباط يكون أيضًا في النوازل، فالنازلة على وجه العموم هي الحادثة التي تحتاج إلى حكم شرعي، فالنوازل الفقهية هي تلك الحوادث، والوقائع اليومية التي تنزل بالناس؛ فيتجهون إلى الفقهاء للبحث عن الحلول الشرعية لها، ومن ذلك قول ابن عبد البر: باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزولِ النازلةِ.

وقول النووي: وفيه اجتهاد الأئمة في النوازل وردها إلى الأصول، وقال ابن القيم: فصل: وقد كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجتهدون في النوازل.


٣.١ المنهج الاستنباطي من حيث مفهومه، وأقسامه، ونشأة النوازل الفقهية


والنوازل بهذا المعنى نادرة الحدوث، وسواء كانت قديمة أم مستجدة، فهي بهذا المعنى ترادف مصطلح الفتاوى، إلا أن الذي يتبادر إلى الذهن في مصطلح الناس له انصرافه إلى واقعة، أو حادثة مستجدة لم تُعرف في السابق بالشكل الذي حدثت فيه الآن، وإطلاق الناس له على المسألة الواقعة الجديدة التي تتطلب اجتهادًا.


٣.١ المنهج الاستنباطي من حيث مفهومه، وأقسامه، ونشأة النوازل الفقهية


نشأة النوازل الفقهية

لقد جاءت الشريعة لتنظيم حياة الإنسان المسلم تنظيمًا محكمًا، وتسايره في أطوار حياته منذ ولادته إلى أن تسلمه إلى الحياة الآخرة، ولشدة حرص المسلمين على القيام بشعائرهم الدينية، والعمل طبق تعاليم هذا الدين كانوا لا يفتئون يسألون الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن شئون دينهم ودنياهم، ولمدة ثلاث وعشرين سنة ظل القرآن ينزل حسب الوقائع والنوازل والأحداث رابطًا حياتهم بربهم.

ومن خصائص الشريعة الإسلامية: أنها واقعية تجيبُ أسئلةَ السائلين، وترد المبطلين، وتعلم السالكين فوردت كلمة "يسألونك" في كتاب الله خمس عشرة مرة في السور المكية والمدنية. وتلك الأسئلة تناولت جميع شئون الحياة، وإذا أضفنا إلى ما تقدم ما ورد في كتاب الله في ذلك وما ورد في هذا الشأن من السنة النبوية، فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يجيب أصحابه عما لا قرآن فيه، وأحيانًا يبين لهم أن الله قد بين لهم أشياء، وسكت عن أشياء رحمة بهم من غير نسيان، إلى غير ذلك من أجوبة الرسول وفتاويه التي حاول بعضهم أن يحصيها ويؤلف فيها، فقد جمع ابن القيم -رحمه الله- جملة من فتاويه -عليه الصلاة والسلام- ضمن كتابه (إعلام الموقعين).


٣.١ المنهج الاستنباطي من حيث مفهومه، وأقسامه، ونشأة النوازل الفقهية


يقول ابن القيم: وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين عبد الله، ورسوله، وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عبادِهِ، فكان يفتي عن الله بوحيه المبين؛ فكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقوم بهذه المهمة، وكانت فتاواه -صلى الله عليه وسلم- حسب التوجيهات الإلهية من الوحي، أو من تفسير الوحي، ثم قام الصحابة الكرام المتخرجون من مدرسة الوحي بأخذ هذا الإرث العظيم الذي ورثوه من المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فما خرجوا على نهجه في الفتوى، والنظر الشرعي للوقائع المستجدة، والحوادث الطارئة، وكانوا في ذلك ما بين مكثر ومُقِل.

قال الحجوي: فمهما نزلت نازلة فزعوا إلى الشورى فلم تصدر الفتوى والحكم إلا عن تبصر وحكمة، ولذلك قلما يبقى الخلاف بخلاف الزمن النبوي الذي كان الخلاف فيه معدومًا، وبخلاف عصر من بعدهم كانت الشورى فيه غالبة، فمجلس أبي بكر وعمر وعثمان وعلي كان مجلس تشريع وفقه واستنباط ومشاورة، والذين حُفظت عنهم الفتوى من الصحابة الكرام مائة وثلاثون نفسًا، ما بين رجل وامرأة، والمشهور منهم: الخلفاء الراشدون، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، وعبد الله بن عمر، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وغيرهم.


٣.١ المنهج الاستنباطي من حيث مفهومه، وأقسامه، ونشأة النوازل الفقهية


وكان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره، بل وقد اجتهد الصحابة في كثير من الأحكام، ولم يعنفهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة فاجتهد بعضهم فصلاها في الطريق، وقالوا: لم يُرد منا التأخير وإنما أراد سرعة النهوض، فنظروا إلى المعنى واجتهد آخرون فأخروها حتى وصلوا بني قريظة وصولها ليلًا فنظروا إلى اللفظ وهؤلاء سلف أصحاب المعاني والقياس.

فالصحابة -رضي الله عنهم- مثَّلُوا الوقائع بنظائرها وشَبهوها بأمثالها، وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبينوا لهم سبيله، ثم صارت الفتوى بعد الصحابة إلى فقهاء التابعين -رضي الله عنهم- ثم فقهاء الأمصار المشهورة في صدر الإسلام، ثم إلى أئمة المذاهب، ثم إلى تلاميذهم، وهكذا السلف الأولون من هذه الأمة، ودأب الجميع على الأخذ والاستنباط من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- كلٌّ يغرف على قدر غزارة علْمِهِ واتساع مداركه، ثم اتسعت رقعة الإسلام، وامتدت من المحيط الأطلسي غربًا إلى حدود الصين شرقًا، ومن أواسط أوروبا شمالًا إلى المحيط الهندي جنوبًا، وتفرعت المذاهب الفقهية، وكُتب البقاء لأربعة منها، وهي المذاهب المشهورة: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وكلها تستقي من مصدر واحد.


٣.١ المنهج الاستنباطي من حيث مفهومه، وأقسامه، ونشأة النوازل الفقهية


ولما كان منصب الاستنباط والإفتاء في دين الله جليل القدر عظيم الخطر؛ لأن المفتي بفتواه يُوَقِّعُ فيها عن ربِّ العالمِينَ، فهو مؤتمن فيها على شرع الله، ودينه، ويقوم مقام النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أمته؛ لا سيما في الأمور المستجدة والحوادث النازلة؛ لذلك وجب أن يكون المتصدي للفتوى مؤهلًا لاستنباط الأحكام الشرعية لما يجدُّ من أمور، ووجب أن يكون ذا قدرة على النظر والاجتهاد.


٣.١ المنهج الاستنباطي من حيث مفهومه، وأقسامه، ونشأة النوازل الفقهية


الضوابط الشرعية التي يسلكها المستنبط أثناء الحكم

بذل غاية الوسع في البحث عن الحكم الشرعي للنازلة، فعلى المستنبط استفراغ وسعه في تتبع الأدلة في مظانها حتى يحس بالعجز عن المزيد بتتبع طرق استنباط النوازل.