٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني


الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية

لقد سطر القرآن الكريم في ثناياه أساليب دعوته إجلالًا لدورها وإثراء لفائدتها، ولكي تبقى طريق الدعاة إلى الله على طول الزمن في دعوتهم وعملهم، ذلك أن الدعوة انتشرت بها وحدها أولًا، ولا بد أن يقتصر انتشارها عليها كذلك إلى الأبد؛ لأن ما حدث أولًا هو القاعدة لكل ما سيكون بعده.

كما أن هذه الأساليب تملك الحيوية الدائمة وعناصر التأثير المستمر؛ لأنها تناقش العقل وتشبع الغرائز وتخاطب الوجدان، وتجادل بالتي هي أحسن. إن الأساليب تراعي تنوع الناس حيث كانوا بدوًا أو حضرًا، في الشرق أو في الغرب في القديم أم في الحديث، ومع تنوعها ومراعاتها لاختلاف الناس، تلتزم بملامح واحدة توجد في كل نوع منها على حدة. إن أسلوب الدعوة يجب أن يكون سهل الإدراك مكشوف المعنى، متفقًا مع مألوف السامعين لا يغرب عن تفكيرهم، ولا يشذ في دلالته عن عقولهم، ولا يكون وحشيًّا غريبًا مستهجنًا. إن اللفظ لو لم يكن سهلًا لانصرف عنه المستمعون، ولتخيلوه غريبًا عن لغتهم. إن الدعوة تبحث عن الاستمالة والجذب، واللفظ الغريب يؤدي إلى البعد والنفور.



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني


هذا وقد سمى أرسطو الكلمة السهلة بالكلمة المستولية؛ لاستيلائها على العقول بسرعة، وعرفها ابن رشد بقوله: "هي اللفظ الخاص بأهل لسان ما، وتكون مشهورة عندهم سهلة دالة على المعاني التي وضعت لها من أول الأمر، من غير تفسير وتأويل". ويقول أرسطو: "إن الكلمة المستولية هي الكلمة البهية النبيلة غير الحقيرة". ولذلك كان الأسلوب القرآني سهلًا ميسرًا جامعًا لكل فنون القول، ومتلائمًا مع واقع الناس، وسوف أتحدث عن هذه الملامح العامة للأسلوب القرآني إن شاء الله تعالى، فيما يتعلق بالوضوح التام وملازمة الحسن والدقة، والتوجه لجميع المكلفين وذلك فيما يلي:

الملامح العامة للأسلوب القرآني

الوضوح التام: تلتزم جميع الأساليب القرآنية بالوضوح الدقيق والبيان الشامل، حيث يتسع وضوحها لمبادئ الدعوة، وهي تعرضها وتدلل عليها مستعينة بإحاطتها بمن توجه إليهم الدعوة، متفهمة للداعية وقدره ولدقة فهم الأساليب وإحاطتها بواقع المدعوين، نراها تأتي موجزة أحيانًا وطويلة أحيانًا أخرى، حقيقة أو مجازًا مثلًا أو جدلًا أو قصة، وهكذا تبعًا لمقتضى الحال. وقد وضع الله في أسلوب القرآن الوضوح والبيان؛ لكي يقوم بدوره في الناس، ويعرض الدعوة قوية تثير داعية النظر عند المدعوين، كما هو شرط إبلاغها، والدعوة من غير بيان ما كانت ولن تكون، ولذلك يقول الله تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)) [إبراهيم: ٤].



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني


وتلك قاعدة ضرورية؛ لأن اتحاد اللغة بين الداعية والناس يجعل الفهم سريعًا وميسرًا وبلا عناء، ولذلك ضمن الله لأساليب القرآن هذا البيان، فقال تعالى: ((إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)) [القيامة: ١٧ - ١٩].

إن البيان شرط في تبليغ الدعوة؛ لأنه لا معنى لكلام غير مفهوم، ولا قيمة لثرثرة كلامية لا معنى لها، ولذلك سمى الله رسالة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالبينة؛ لما فيها من بيان ووضوح، وجعل رسوله هو البينة لما في حديثه من ظهور، كما قال تعالى: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً)) [البينة ١، ٢] وكان صلى الله عليه وسلم يقول كما علمه الله تعالى: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) [يوسف: ١٠٨].

ومعنى البصيرة التي عليها دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- تتضمن الأسلوب والحجة الواضحة، والبيان الدقيق والبرهان الساطع والفهم العميق للدعوة والمدعوين، وكون الدعوة على بصيرة شرط فيها، كما يقول الرازي عند تفسيره لهذه الآية، وهذا يدل على أن الدعاء إلى الله تعالى إنما يحسن ويجوز مع هذا الشرط، وهو أن يكون على بصيرة مما يقول، وعلى هدي ويقين فإن لم يكن كذلك فهو محض الغرور.



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني


وهذه البصيرة أسلوب بياني، وكونها شرطًا دليل على أن حرفة الكلام وعلم الأصول هي حرفة الأنبياء -عليهم السلام- وأن الله ما بعثهم إلى الخلق إلا لأجلها، وما كانت حرفة الأنبياء هكذا إلا أنهم يملكون هذه البصيرة، ويدعون وهم فاهمون للدعوة والمدعوين.

إن هذه الصفة في أساليب القرآن الكريم تؤكد على ضرورة أن يكون الأسلوب متلائم الكلمات، متآلف التراكيب بحيث تنساب الجمل وكأنها نغم يلمس أذن المستمع، ويمده بالشجن والسرور.

ويجب أن يكون واضحًا أن الكلمات إذا تنافرت فيما بينها تضر الداعية والدعوة؛ لأنها تخرج منه ثقيلة نابية، وتضر المستمعين؛ لأنها تفقدهم روح الانتباه، والميل للاقتناع. ولقد ذكر ابن الأثير أن من بلاغة الكلام أن تكون كل كلمة مع أختها متعاونة معها؛ لئلا يكون الكلام قلقًا نافرًا عن موضعه، وحكم ذلك حكم العقد المنظوم في اقتران كل لؤلؤة منه مع أختها المشاكلة لها، وقد قال البلاغيون: إن لكل كلمة مع صاحبتها مقامًا. وقال غيرهم: لكل حدث حديث، ولكل مقام مقال.



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني


ولنأخذ مثلًا موضحًا من القرآن الكريم، حيث يقول تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)) [البقرة: ٨] ألا ترى ما في اختيار كلمة ((النَّاسِ)) وعمومها من عدم مجابهة المنافقين بتعيينهم، وفي ذلك ستر عليهم وإغراء لهم بالإقلاع عن نفاقهم.

ذلك أنهم ما داموا لم يعينوا فمن المتوقع أن يصغوا إلى القرآن، فربما انصرفوا عن غيهم إذا استمعوا إلى تصوير حال ضلالهم، ولو أنه جبههم بكشف الستار عنهم لانصرفوا معرضين، وكلمة ((يَقُولُ)) توحي بأن إيمانهم لم يتعد أفواههم، وأجرى على ألسنتهم الإيمان بصيغة الماضي؛ زيادة في التمويه والخداع منهم، وخص الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن الإيمان بهما يجمع كل إيمان.

واختار في الرد عليهم الجملة الاسمية المنفية ((وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)) ليدل بها على استقرار هذا النفي وثباته، ولا بد للأسلوب أن يكون جامعًا لعديد من فنون التعبير؛ لينتقل بالسامع من فن إلى فن طردًا للسأم وتنشيطًا للذهن، وما دامت سائر التعابير تدور حول المعنى الواحد فجميعها أسلوب جميل، ذلك أن الانتقال من الإنشاء إلى الخبر ومن الاستفهام إلى النفي أو الإثبات مثلًا، يثبت الأفكار ويوقظ المشاعر ويحمل النفس على الاطمئنان إلى المعاني.



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني


ومن قديم وعلم البيان في البلاغة يعرف بأنه: العلم الذي يعرف طريقة إيراد المعنى الواحد المدلول عليه، بكلام مطابق لمقتضى الحال، بطرق مختلفة في وضوح الدلالة على ذلك المعنى، فهو علم يدور حول المعنى الواحد المؤدى بتعابير مختلفة غير مترادفة، ومن المعلوم أن البيان هو قمة البلاغة وسيد الأسلوب، وما أجمل الرسالة الدعوية التي تشتمل على التشبيه أو المجاز أو الاستعارة؛ لأن كل ذلك يقرب المعنى ويؤدي إلى تحقيق المطلوب.

ولا بد للأسلوب أن يتنوع بتنوع المقامات، وأن يلاحظ أحوال السامعين؛ لأن مقام التهديد غير مقام التحميس، وإظهار الألم غير إظهار الفرح، والحديث إلى العالم يغاير الحديث مع العامي، ودعوة الأمير تختلف اختلافًا كليًّا عن دعوة الصغير.

ويضرب الغزالي مثالًا بالخليل -عليه السلام- حينما حاج خصمه الذي قال له: ((رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)) فلما رأى أن ذلك لا يناسبه وليس حسنًا عنده، حينما رد عليه قائلًا: ((أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)) عند ذلك عدل إبراهيم -عليه السلام- إلى الأوفق لطبعه والأقرب إلى فهمه، فقال: ((فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)) فكانت النتيجة: ((فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ)) [البقرة: ٢٥٨]، ولم يركب الخليل ظهر اللجاج في تحقيق عجزه عن إحياء الموتى؛ إذ علم أن ذلك لا يلائم قريحة الخصم، ولا يناسب حده في البصيرة ودرجته في الفهم والحوار.



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني


وهكذا نجد الإمام الغزالي يدعو إلى تنوع المقامات وتعدد الأدلة؛ ليصل إلى إقناع المستمع واستمالته، ومن المعروف البدهي أن الإمداد بالموفق منتج ومفيد، والإمداد بغيره كلا إمداد في الحقيقة، وقد احتوت كل أساليب الدعوة القرآنية على هذا الوضوح.

كما نقرأ ذلك في قوله تعالى: ((فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا)) [مريم: ٩٧] وقوله تعالى: ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) [القمر: ١٧] وقوله تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)) [إبراهيم: ٤] والتيسير هو تسهيل القراءة والفهم والإدراك. وعلى الداعية أن يستمد تكوينه من هذا الوضوح؛ لأنه بدوره عنوان الدعوة ورمز حركتها، فإذا لم يكن هكذا فقدت الدعوة هذه البصيرة التي هي أهم شروط إبلاغها.


٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني



٣.٢ الضوابط للوسائل والأساليب الدعوية، والملامح العامة للأسلوب القرآني