...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


الركن الرابع من أركان الإيمان

الإيمان بالكتب
الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين ركن من أركان الدين, كما قال الله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) [البقرة: ١٧٧], وقال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: ٢٨٥]، وفي حديث جبريل المشهور حين سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان قال: (الإيمان: أن تؤمن بالله, وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره).

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


وقد أمرنا الله تعالى -نحن المسلمين- بالإيمان بالكتب التي أنزلها على المرسلين السابقين, فقال سبحانه: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: ١٣٦]، وقال تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [العنكبوت: ٤٦]، وكذلك أمر الله تعالى أهل الكتاب بالإيمان بما أنزل إلينا فقال -عز وجل: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ, وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) [البقرة:٤٠, ٤١], وعلّق الله -سبحانه وتعالى- هداية أهل الكتاب على إيمانهم بمثل ما آمنا, فقال تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [البقرة: ١٣٧].

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


والإيمان بالكتب معناه: الإيمان بكل ما أنزل الله من كتاب على وجه العموم والإجمال, كما قال الله تعالى لرسوله -صلى الله عليه وسلم: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) [الشورى: ١٥]، ثم إنّ من الإيمانِ بالكتب الإيمانَ بما سمى الله تعالى منها في القرآن الكريم على وجه الخصوص، فإن الله -سبحانه وتعالى- لم يسمِّ كل كتاب أنزله على المرسلين في القرآن الكريم، وإنما سمى بعضها وسكت عن أكثرها؛ فمن الإيمان بالكتب الإيمان بها كلها على وجه العموم والإجمال، والإيمان بالبعض المسمى في القرآن على وجه الخصوص والتعيين. ومن الكتب التي سماها الله تعالى في القرآن: التوراة، والإنجيل، وزبور داود، وصحف إبراهيم وموسى, قال تعالى: (الم, اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ, مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) [آل عمران: ١-٤]، وقال تعالى: (وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا) [النساء: ١٦٣]، وقال تعالى: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) [الأعلى: ١٨, ١٩].

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


ومن الجدير بالذكر أن أهل الكتاب قد غيّروا كتبهم وحرّفوها، وزادوا فيها ونقصوا منها, أخبرنا بذلك رب العالمين الذي أنزل تلك الكتب وهو بكل شيء عليم, قال تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [البقرة: ٧٥]، وقال سبحانه: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) [البقرة: ٧٩]، وإذا ثبت أن أهل الكتاب حرفوا كتبهم, فلا يدور الجزم بأن شيئًا فيها بعينه هو كلام الله -عز وجل- وإن كنا نؤمن بعموم الكتاب وأنه من عند الله, فنحن نؤمن بأن الله أنزل على موسى التوراة، وأنزل على عيسى الإنجيل، لكن لا نستطيع أن نجزم بشيء في التوراة ولا في الإنجيل بأنه بنفسه كلام الله -عز وجل- لأن الله أخبرنا أنهم حرفوا وغيروا وبدلوا, وزادوا ونقصوا.

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


أما القرآن الكريم فهو محفوظ بحفظ الله له من التغيير والتبديل, قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: ٩]، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ, لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: ٤٢]، ومن يكفر بالقرآن فهو كافر بالله سبحانه، قال تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) [البقرة: ٩٩] أي: الخارجون عن الإيمان إلى الكفر, وقال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ, بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ)[البقرة: ٨٩, ٩٠]. ومن الإيمان بالقرآن الكريم اتباعه والعمل به والتحاكم إليه, قال الله تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [البقرة: ١٢١]، وللمفسرين في تأويل حق التلاوة أقوال:

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


أولها: أنهم تدبروه فعملوا بموجبه, حتى تمسكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما.
ثانيها: أنهم خضعوا عند تلاوته, وخشعوا عند قراءته في صلاتهم وخلوتهم.
ثالثها: أنهم عملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وتوقفوا فيما أشكل عليهم منه, وفوضوه إلى الله تعالى.
رابعها: أنهم يقرءونه كما أنزل الله، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يتأولونه على غير حق.
خامسها: أن تُحمل الآية على كل هذه الوجوه؛ لأنها مشتركة في مفهوم واحد وهو تعظيمها والانقياد لها لفظًا ومعنًى، فوجب حمل هذا القدر المشترك تكثيرًا لفوائد كلام الله تعالى، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ): يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ: (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا) [الشمس: ٢]. ففسر ابن عباس التلاوة بالاتباع، واستمد هذا المعنى من قول ربنا -عز وجل: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا, وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا)[الشمس: ١, ٢] أي: تبعها.

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: (حَقَّ تِلَاوَتِهِ): أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزل، ولا يحرف الكلم عن مواضعه, ولا يتأول منه شيئًا غير تأويله. وللقرآن الكريم أثره الكبير في حياة المؤمن، فالله تعالى سمى القرآن الكريم نورًا وهدًى ورحمة وشفاء، قال الله -سبحانه وتعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: ١٨٥]، وقال سبحانه: (يَا أَهْل الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ, يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [المائدة: ١٥, ١٦]، وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [يونس: ٥٧].
وقد جعل الله -تبارك وتعالى- روحًا تحيا بها أرواح بني آدم, فقال -عز وجل: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) [الشورى: ٥٢]، فإذا كانت الروح هي سر حياة الأبدان، فإن روح الأرواح هو القرآن الكريم، فمن آمن بالقرآن الكريم واتبعه فهو حي، ومن كفر بالقرآن الكريم وكذبه فهو ميت وإن كان يدبّ على وجه الأرض, قال الله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: ١٢٢].

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


وقد ضمّن الله -تبارك وتعالى- القرآن الكريم كل ما يحتاج الناس إليه في دينهم ودنياهم وآخرتهم, قال الله سبحانه: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام: ٣٨]، وقال سبحانه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) [النحل: ٨٩]، وقال سبحانه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: ٩] على وجه العموم والشمول لا على وجه الخصوص، فالقرآن لا يهدي للتي هي أقوم في مسألة دون مسألة، ولا يهدي للتي هي أقوم في أمر دون أمر، ولا يهدي للتي هي أقوم في مشكلة دون مشكلة ولا في قضية دون قضية، ولكن القرآن يهدي للتي هي أقوم في كل القضايا، وفي كل المشاكل، وفي كل الوقائع والأحداث والأمور. فعزّة المؤمن في اتباع القرآن, وسعادته في التمسك به، وطمأنينة قلبه في قراءته وتلاوته (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: ٢٨]، هذا هو الركن الرابع من أركان الإيمان؛ الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين.

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


الركن الخامس من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر
المراد باليوم الآخر: يوم القيامة؛ فإن الله -تبارك وتعالى- جعلهما يومين اثنين؛ اليوم وغدًا، اليوم الدنيا وغدا الآخرة، والإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان؛ قال الله تعالى: (الم, ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ, الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ, وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) [البقرة: ١-٤]، وقال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) [البقرة: ١٧٧]، وفي حديث جبريل المشهور, لما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم: ما الإيمان؟ كان جوابه -صلى الله عليه وسلم: (الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر....) إلخ.

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


والإيمان باليوم الآخر من أهم أركان الإيمان؛ ولذلك كثيرًا ما يقرن الله -تبارك وتعالى- بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر في مواضع من القرآن الكريم, منها هذه الآية التي ذكر الله فيها أركان الإيمان: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) فقدم الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين، وقال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [المائدة: ٦٩]، وقال سبحانه: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [البقرة: ٢٢٨]. فالإيمان باليوم الآخر من أهم أركان الإيمان, وإنكاره والكفر به والتكذيب به كفرٌ بالله -عز وجل- يوجب الخلود في النيران، قال الله تعالى: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ, أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [الرعد: ٥].

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


ولقد بعث الله تعالى الرسل إليه داعين وبلقائه منذرين, قال تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ)[الزمر: ٧١]، وهذا اعتراف من أصناف الكافرين الداخلين جهنم, أن الرسل -عليهم الصلاة والسلام- أنذرتهم لقاء يومهم هذا، ولما كان نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- خاتم النبيين، وكان هو الحاشر الذي يحشر الناس على عقبه حتى قال -صلى الله عليه وسلم: (بعثتُ أنا والساعة كهاتين, وضم السبابة والوسطى) لما كان كذلك, فقد بيَّن -صلى الله عليه وسلم- أحوال الآخرة وأهوالها بيانًا لم يسبق له نظير في الكتب السابقة، حتى إن الله تعالى أخبر أن الحكمة من الإيحاء إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- هي إنذار الناس لقاء الله, فقال سبحانه: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) [الشورى: ٧] وقال تعالى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ, يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ, الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [غافر: ١٥-١٧].

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


ولما جادل المشركون النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما أنذرهموه من البعث بعد الموت، (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا) [الإسراء: ٤٩], أمره ربه أن يقسم لهم على وقوع ما كذبوه, فقال تعالى: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ أي: وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) [يونس: ٥٣]، وقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) [سبأ: ٣]، وقال تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [التغابن: ٧].
ولم يكتفِ ربنا -سبحانه وتعالى- بقسم نبيه -صلى الله عليه وسلم- حتى أقسم هو سبحانه على وقوع البعث, فقال -عز وجل: (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا, أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا, فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا, ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا, ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا) [مريم: ٦٦-٧٠]. فمن كذب الله ورسوله بعد ذلك فالنار أولى به, كما قال تعالى:- (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا, إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا, وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا, لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا) [الفرقان: ١١-١٤].

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


ومع ذلك, فإن الله سبحانه قد أزاح كل إشكال, وأبطل كل شبهة عرضت للذين أنكروا البعث, وكذبوا بلقاء الله؛ ليهلك من هلك على بينة ويحيا من حي عن بينة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ) [الحج: ٥]. إنا خلقناكم أول مرة, فكيف نعجز عن إعادتكم مرة ثانية, وأنتم تعلمون دائمًا أن المرة الثانية أهون وأيسر من المرة الأولى، كما قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الروم: ٢٧]؟ فإن كنتم في ريب من البعث, فاعلموا أنا خلقناكم أول مرة، فلن نعجز عن إعادتكم مرة ثانية كما قال -عز وجل: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) [الواقعة: ٦٢], يعني: فلولا تذكرون, فتعلمون أن الذي أنشأكم أول مرة قادر على النشأة الأخرى, (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ, ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ, وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) [الحج: ٥-٧]، وقال سبحانه:

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


(وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا, أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا) [الإسراء: ٨٩-٩٩]، وقال سبحانه: (ق, وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ, أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ, قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) [ق: ١-٤].
لما استبعدوا البعث بعد موتهم, وتمزُّق أجسامهم، واختلاطها بالتراب اختلاطًا يصعب تمييزها في نظرهم، قال تعالى: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) أي: من لحومهم وعظامهم وأشعارهم، وهو على جمعهم إذا شاء قدير، (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) [القيامة: ٣, ٤].

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


ولما أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت، كذّبهم الله تعالى وبيَّن لهم الحكمة في البعث بعد الموت, فقال -عز وجل: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ, لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ) [النحل: ٣٨, ٣٩]؛ وذلك لكمال حكمته -سبحانه وتعالى- حيث جعل الدنيا دار عمل لا دار جزاء، ولقد كان من الناس الصالحون ومنهم من دون ذلك، ومنهم الظالمون ومنهم المظلومون، ومنهم المؤمنون ومنهم الكافرون، والموت يعمّ الجميع (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ), فلو أُهملوا بعد الموت ولم يُبعثوا لاستووا، وقد نفى الله تعالى التسوية بينهم فقال: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) [السجدة: ١٨]، وقال سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ, مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [القلم: ٣٥, ٣٦]، وقال سبحانه: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص: ٢٨]. فحكمة الله إذًا تقتضي أن يرجع الناس إليه؛ ليجزيهم بما كانوا يعملون، ويقضي بينهم فيما كانوا فيه يختلفون؛ ولذلك قال تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ, ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) [الزمر: ٣٠, ٣١]، وقال سبحانه (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [الجاثية: ١٧].

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


هذا, وإن للإيمان باليوم الآخر تأثيرًا كبيرًا في سلوك الإنسان وانضباطه، وشتان بين رجلين يؤمن أحدهما بالبعث والحساب والجزاء، ويكفر الآخر بذلك؛ فالثاني ضابطه هواه وقائده شهوته ومركبه لذّاته، يفعل ما يشاء من غير خوف من حساب أو جزاء، والأول ضابطه الإيمان وقائده الخوف ومركبه الطاعة، إذا همَّ بسوء تذكر أنه مجزيٌّ به فأقلع عنه، وإذا أقدم على ظلم إنسان تذكر أنه سيقتصّ منه يوم القيامة فرجع عن ظلمه، وقد فرق القرآن الكريم بين الرجلين, قال تعالى: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ, إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) [التوبة: ١٧, ١٨]، وقال سبحانه: (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ, إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) [التوبة: ٤٤, ٤٥]،

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


وقال سبحانه: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا, عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا, يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا, وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا, إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا, إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا, فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا) [الإنسان: ٥-١١]، وقال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ, إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ, عَنِ الْمُجْرِمِينَ, مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ, قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ, وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ, وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ, وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ, حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ, فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) [المدثر: ٣٨-٤٧]، وقال تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ, فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ, وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الماعون: ١-٣].
فهنيئًا لمن أيقن بلقاء الله واستعد له، والويل كل الويل لمن كذب بلقاء الله ولم يستعد له, قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ, أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ, إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ, دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [يونس: ١٠].

...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن


...٢.٢ بقية أركان الإيمان (الركن الرابع: الإيمان بالكتب - الركن