١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


علم أصول الدعوة

علم أصول الدعوة كغيره من العلوم, له مبادئ تبصّر الطالب به، وتعرفه بغايته وهدف دراسته، وقد جمع بعضهم هذه المبادئ في قوله:
                                إن مبادئ أي علمٍ كان
                                عشرٌ تزيد من درى عرفانا
                                الحد والواضع ثم الاسم
                                والنسبة الموضوع ثم الحكم
                                وغاية وفضله استمداد
                                مسائل بها الهنا يزداد
وهذه المبادئ العشرة: اسمٌ لمجموعة من المعاني والمعارف يتوقف عليها شروع الطالب والباحث في طلب العلم وتحصيله، وسنحاول بإذن الله -عز وجل- في هذا الدرس أن نلمّ بهذه المبادئ العشرة لعلم أصول الدعوة.

١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


وحتى نتعرف على معنى أصول الدعوة كلقب أطلق على هذا العلم، يلزمنا أن نعرف أولًا مفردات هذا اللقب، وهي: كلمة أصول وكلمة الدعوة, فنقول: الأصول في اللغة جمع أصل, وهو ما يبنى عليه غيره، وضده الفرع, وهو ما يبنى على غيره.
وأما اصطلاح الفقهاء أو العلماء, فإن الأصل يطلق على عدة معانٍ؛ منها الدليل، تقول: الأصل في وجوب الدعوة الكتاب والسنة؛ يعني: الدليل على وجوب الدعوة الكتاب والسنة. ومن معاني الأصل: الراجح كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة, أي: الراجح حمل الكلام في الأصل على الحقيقة، ويطلق الأصل أيضًا على القاعدة المستمرة، كقولهم: إباحة الميتة على خلاف الأصل، أي: على خلاف القاعدة، فالقاعدة في المحرمات: يحرم أكل الميتة، ولكن أبيح أكل الميت على خلاف الأصل؛ أي: على خلاف القاعدة، والمختار من هذه الاصطلاحات مما يناسب موضوعنا هو المصطلح الأخير وهو القواعد الثابتة.
أما كلمة الدعوة, فإنها تدور مادتها على معنى الطلب والنداء إلى أمرٍ والحث والحض عليه، فمن دعا بالشيء فقد طلب إحضاره، ومن دعا إلى الشيء فقد حثّ على قصده وسأل غيره أن يجيبه إليه، وقد تكون الدعوة إلى الخير وتكون إلى الشر، كما تكون إلى الحق وإلى الباطل، وتكون إلى الجنة وإلى النار، قال الله -تبارك وتعالى- عن الشيطان وأعوانه: (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) [البقرة: ٢٢١], وقال عن فرعون وملئه:

١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


(وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) [القصص: ٤١], وقال الله تعالى عن نفسه: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ) [يونس: ٢٥], وفي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا»
أما الدعوة اصطلاحًا, فإن كلمة الدعوة في اصطلاحها الشرعي, وعند أهلها من الدعاة والعاملين يُعرف معناها بتقدير مضافٍ إليه محذوف لاشتهاره، فهي دعوة الله أو دعوة الإسلام؛ أي: إنها دعوة إلى الله أو دعوة إلى دين الإسلام، قال الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ)[يوسف: ١٠ ٨] وقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) [الأحزاب: ٤٥، ٤٦], وقال: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [النحل: ١٢٥], وقال: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران: ١٠ ٤].

١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


فالدعوة اصطلاحًا: نداء الناس إلى الله تعالى إيمانًا به وتصديقًا، وإلى دين الإسلام إجابة وتحقيقًا، قال الإمام الطبري: الدعوة هي دعوة الناس إلى الإسلام بالقول والعمل. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به, وبما جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به, وطاعتهم فيما أمروا به.
أما أصول الدعوة كلقب أطلق على هذا العلم، فإن العلماء قد تكلموا فيه، فقال بعضهم: المراد بعلم أصول الدعوة الضوابط الكاملة للسلوك الإنساني وتقرير الحقوق والواجبات، والذي نختاره لتعريف علم أصول الدعوة باعتباره اللقبي؛ أنه علمٌ بقواعد وأحكام وأسباب وآداب يُتوصل بها إلى تمام تبليغ الإسلام للبشر عامة, وتعليم وتربية المستجيبين كافة، وتحقيق التمكين لهذا الدين خاصة.
ومما تجدر ملاحظته أن العلم بالقواعد والأحكام, والأسباب والآداب لا يغفل نوازل الدعوة المعاصرة؛ من حيث القضايا والأدوات والإمكانيات والملكات، كما يستوعب تاريخ الدعوات ومنهجية العلماء وطريقة المجددين المصلحين في الدعوة والإصلاح، كما تجدر الإشارة إلى أن الدعوة إلى الله تعنى بأمتي الإجابة والدعوة معًا، والمقصود بأمة الدعوة: كل من أرسل إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم العالمون أجمعون،

١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


كما سيجيء في بيان خصائص الإسلام ومنها العالمية، فأمة الدعوة هم جميع العالمين، وأما أمة الإجابة فالمقصود بهم الذين أجابوا دعوة النبي الأمين -صلى الله عليه وسلم- فالدعوة تتجه إلى أهل الإسلام وأهل الكتاب، كما أنها تتجه إلى من لا يتدين بدينٍ أصلًا، والدعوة تعنى بالتربية والإعداد والتكوين وتزكية المقبلين وبناء الكوادر الدعوية والعلمية والعملية، والتربية تقوم على دعائم من الربانية والوسطية والإيجابية، وإذا كان التمكين لهذا الدين من الجوانب العملية في الدعوة فإنه يقتضي بذل كل سبب مشروع لتحقيق هذا الهدف، فتأتي الأسباب المعنوية أولًا من الإخلاص والتجرد وسلامة المعتقد وصدق الاتباع وصحة العلم، ثم الأسباب المادية من العناية بالتربية والأمر والنهي والبصيرة بالواقع والتفاعل الصحيح مع قضايا الأمة والحرص على الوحدة والاجتماع والتآلف والشمول والتكامل، وصدق الله العظيم إذ يقول: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر: ٥١], وقال سبحانه: (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون).

١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


موضوع علم أصول الدعوة

أما موضوع علم أصول الدعوة فهو الإسلام من حيث تبليغ رسالته, والسعي لتكون كلمة الله هي العليا، قال الله تبارك وتعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: ٨٥], والدعوة لها جوانب منها المضمون، والمقصود وهو بيان الإسلام بمراتبه وأركانه وشرائعه وأخلاقه وأنظمته وخصائصه ومقاصده ومحاسنه، ومن حيث ما يجب في بلاغ الدعوة من قواعد حاكمة وضوابط لازمة وأولويات مرتبة ومآلات مرعية، ومن حيث ما يعرض للدعوة من مشكلات ومعوقات وما يتعلق بها من أحكام وآداب, وما يستجد بساحتها من النوازل واستنباط أحكامها الشرعية، ومن حيث ما يتوسل به لتحقيق أهداف الدعوة من الوسائل والأساليب المشروعة. كما يعنى علم أصول الدعوة بما يجب على الداعي من واجباتٍ في نفسه وفي غيره، وما يليق أن يتحلى من الصفات وما يلزمه أن يتخلى عنه من الآفات، وما يتعين التزامه والانضباط به في جميع ما يتعلق بالدعوة من أعمال وممارسات.

١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


ولهذا العلم -علم أصول الدعوة- أسماء، ومعلوم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى غالبًا، ومن أشهر الأسماء المعاصرة لهذا العلم: علم الدعوة، وهذا الاسم هو أعمّ أسماء هذا العلم وأوسعها وأشملها وأكثرها تناولًا واستعمالًا, وباسمه صنف كتب كثيرة من أهمها على سبيل المثال (المدخل إلى علم الدعوة) لفضيلة الدكتور محمد أبي الفتح البيانوني؛ حيث عرف هذا العلم بقوله: هو مجموعة القواعد والأصول التي يتوصل بها إلى تبليغ الإسلام للناس وتعليمه وتطبيقه. وعلى هذا الاسم -علم الدعوة- درج كثيرٌ من الكتاب, والدعاة المعاصرين. ومن أسماء هذا العلم اسم أصول الدعوة، وهو الاسم الذي اخترناه واعتمدناه في بحثنا هذا تعريفًا واصطلاحًا لقبيًّا لهذا العلم، فتدخل أدلة الدعوة ومصادرها وأركانها دخولًا أوليًّا، ثم يمتد نطاق هذا المصطلح ليشمل أحكامًا وآدابًا تتعلق بالدعوة في وسائلها ونوازلها المتصلة بقضية البلاغ، وصنيع من كتب في أصول الدعوة من العلماء والدعاة يُوحي بهذا المعنى الواسع، كما في كتاب (أصول الدعوة) لفضيلة الدكتور عبد الكريم زيدان؛ حيث شمل كتابه كثيرا مما يتصل بأصول الدعوة وموضوعها ووسائلها وآدابها، وما يتصل بالداعي والمدعوّين من مسائل, وإن خلا الكتاب من تعريف اصطلاحي دقيق لهذا العلم.

١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


ومن أسماء هذا العلم اسم مناهج الدعوة، وهذا اصطلاح يتناول خطة الدعوة ونظمها، وقد يتوسع في مفهومه فيتناول الأهداف والأصول والقواعد، كما فعل فضيلة الأستاذ محمد سرور زين العابدين في كتابه (منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله), حيث قال عن مقصوده من هذا المصطلح: قصدت الأصول والأهداف التي كانت تجمع بين أنبياء الله جميعًا، وهذا الذي يعنيه كثير من الكتاب في عصرنا، وعلى أية حال فقد قيل: لا مشاحة في الاصطلاحات. ومن أسماء هذا العلم: فقه الدعوة، وهذا الاسم من أشمل هذه الأسماء وباسمه صنفت كتب كثيرة منها: (فقه الدعوة إلى الله) لفضيلة الدكتور علي عبد الحليم محمود. ومن الجدير بالذكر أن أبواب هذا العلم قد أفردت بالتصنيف, بل وأفردت بالدراسة على أنها علوم مستقلة، في كلية الدعوة وأقسامها بجامعات العالم الإسلامي اليوم.

١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


حكم تعلم هذا العلم

أما عن حكم تعلم هذا العلم -علم أصول الدعوة- فنقول: إن حكم تعلم هذا العلم ينبني على حكم الدعوة نفسها، فإذا عرفنا حكم الدعوة عرفنا حكم تعلم أصولها، ومن أمعن النظر علم أن الدعوة إلى الله حياة الأديان، وأنه ما قام دينٌ ولا انتشر إلا بالدعوة، ولا تداعت أركان ملة بعد قيامها وتلاشت إلا بترك الدعوة والتعليم والتذكير، يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله: إذا كانت الدعوة أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها, فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، ولا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد يصل إليه السعي.
وقد اتفق العلماء في الجملة على وجوب الدعوة إلى الله؛ وذلك لعموم قول الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ) [النحل: ١٢٥], وقوله سبحانه: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ) [الحج: ٦٧]، لكنهم اختلفوا في هذا الواجب: هل هو واجب عيني أم واجب كفائي؟ يعني: هل الدعوة إلى الله فرض عين, فيجب على كل مسلم أن يكون داعية، أم هي فرض كفاية؟

١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


ولكل فريق أدلته؛ فمنهم من ذهب إلى أنها فرض عين, ومنهم من ذهب إلى أنها فرض كفاية، وقد جمع شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بين القولين فقال: وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره، فما قام به غيره سقط عنه وما عجز لم يطالب به، كما يمكن الجمع بين القولين بتقسيم الدعوة إلى قسمين: دعوة خاصة ودعوة عامة؛ فالخاصة في بيت الرجل وبين أهله وفي سلطانه, وهذه الدعوة الخاصة فرض عين لقوله -صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ, وكلكم مسئولٌ عن رعيته». والدعوة العامة في سائر المسلمين دعوة إلى الخير وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وهي فرض كفاية لقول الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران: ١٠ ٤].
وأخيرًا, فإن تحقق الكفاية في الدعوة اليوم أمر متعذر وغير متيسر، فدعوة المسلمين مجال رحب فسيح متجدد, وأوسع منه وأرحب دعوة غير المسلمين للإسلام، كل ذلك في عالم يموج بالفتن وتستحكم فيه الجهالة ويتسع فيه الخرق على الراقع؛ ولهذا فإن الدعوة إلى الله -عز وجل- اليوم أصبحت فرضًا عامًّا وواجبًا على جميع العلماء وعلى جميع الحكام الذين يدينون بالإسلام، فرض عليهم أن يبلغوا دين الله حسب الطاقة والإمكان؛ بالكتابة والخطابة وبكل وسيلة استطاعوا، وفرض عليهم ألا يتقاعسوا عن ذلك الواجب أو يتكلموا على زيد أو عمرو؛ فإن الحاجة بل الضرورة ماسة إلى التعاون والاشتراك, والتكاتف في هذا الأمر العظيم.

١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


ومن الخطأ أن يُفهم القرآن الكريم فهمًا خاطئًا ويحمل على غير مراده، فيتقاعس الناس عن القيام بواجب الدعوة، ويتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محتجين بظاهر بعض الآيات التي أخطئوا في فهمها، ومنها مثلًا قول الله -تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) [المائدة: ١٠ ٥] ففهمَ بعض الناس من ظاهر هذه الآية أن المسلم إذا كان مهتديًا في نفسه فلا يضره ضلال غيره, وإلا لم يقم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا خطأٌ جاء من الفهم السقيم للآية؛ ولذلك لما أحسّ أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- بوجود مثل هذا الفهم في نفوس بعض الناس, قام في الناس خطيبًا فقال: أيها الناس, إنكم تقرءون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها، وإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه؛ أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده».

١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


إذا معنى الآية كما فسر ذلك كثير من السلف {يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} -: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، ولم يستجب لكم؛ فحينئذٍ لا يضركم ضلال من ضل، فإن الله تعالى قال: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} -، أما إذا فشا المنكر وزاع وشاع في الناس وسكت القادرون عن إنكاره؛ فإن ضلال الضالين يضر المهتدين الذين قعدوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله -تبارك وتعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال: ٢٥], وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: «مثلُ القائم في حدود الله, والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مرّوا على من فوقهم فقالوا: لو أن خرقنا في نصيبنا خرقًا فلم نؤذِ من فوقنا» قال -صلى الله عليه وسلم: «فلو تركوهم وما أرادوا لهلكوا جميعًا, ولو أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا».


١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: ترك أهل العلم لتبليغ الدين كترك أهل القتال للجهاد, وترك أهل القتال للقتال الواجب عليهم كترك أهل العلم للتبليغ الواجب عليهم. كما أنه لا يجوز للداعية أن يقعد عن القيام بواجب الدعوة والتبليغ لأن الناس لم يستجيبوا له ولم يقبلوا دعوته ولم يهتدوا بهديه؛ فإن الله -سبحانه وتعالى- قال للنبي -صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [القصص: ٥٦] وقال سبحانه: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [البقرة: ٢٧٢].
فالدعاة حين يقومون بواجب الدعوة إلى الله -عز وجل- إنما يقيمون الحجة لله على المدعوين, ويعذرون أنفسهم من الله -عز وجل- وبعد ذلك يرجون هداية المدعوين ويرجون دخولهم في دين الله أفواجًا، فإذا قاموا بواجب الدعوة فقد أصابوا هدفين من هذه الثلاثة؛ أقاموا حجة الله على العباد، وأعذروا أنفسهم من الله -عز وجل- فإن لم يهتدِ المدعوون فحسبهم أن أصابوا هدفين من الثلاثة، وإن قبل المدعوين دعوتهم فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


فضائل علم أصول الدعوة

وفضل هذا العلم عظيم، فعلم أصول الدعوة فضائله تجلّ عن الحصر وتفوق عن العدّ؛ فإن له ما للقيام من الدعوة من فضائل؛ لأنه بتعلم علمه يحصل المتعلم عميم الأجر وجزيل الفضل، فأجور الدعاة مضاعفة أبدًا، والدعاة الفقهاء بأصول الدعوة يترقون في مقامات الأنبياء تعلمًا وتعليمًا، قائمين على حدود الله, يحفظون الدين من الوَهن ويجددون أركانه, ويرعون سفينة المجتمع أن تغرق في بحار الشهوات والشبهات، وبتعلم أصول الدعوة يتوصل إلى تحقيق الحكمة الدعوية المأمور بها قرآنًا وسنة, وتتحقق البصيرة بسبيل الدعوة وأساليبها ووسائلها، ويتوصل إلى أحكام الله تعالى في النوازل الملمة ومناهج التغيير ووسائله ومسائله المستجدة، فإذا كان الدعاة ورثة الأنبياء في التزكية والبلاغ فإن الدعاة العلماء في الذروة من هذه المنزلة.

١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


يقول ابن القيم -رحمه الله: إن أفضل منازل الخلق عند الله منزلة الرسالة والنبوة، فالله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس، فكيف لا يكون أفضل الخلق عند الله من جعلهم وسائط بينه وبين عباده في تبليغ رسالاته وتعريف أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وجعل أشرف مراتب الناس بعدهم مرتبة خلافتهم ونيابتهم في أممهم بأنهم يخلفونه على مناهجهم وطريقهم, من نصيحتهم للأمة وإرشادهم الضال وتعليمهم الجاهل ونصرهم المظلوم, وأخذهم على يد الظالم وأمرهم بالمعروف وفعله، ونهيهم عن المنكر وتركه، والدعوة إلى الله بالحكمة للمستجيبين والموعظة الحسنة للمؤمنين الغافلين، والجدال بالتي هي أحسن للمعاندين المعرضين، وإذا كان طلب العلم محمودًا ومعدودًا في سبيل الله؛ فإن طلب العلم الذي يتوقف عليه تبليغ الدين وإقامته من أعظم الجهاد، كما قال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر».
وإذا كان دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وأهل السموات والأرض للدعاة عمومًا, فإن الدعاة الذين نفروا ليتفقهوا في أصول الدعوة هم في الطليعة من هذا الخير، فهم أحسن الدعاة قولًا وأصلحهم في المسلمين عملًا، وإذا كان جهاد الدعوة بالكلمة له فضل كبير, فإنه لا يدرك أمانة الكلمة ولا فقهها مثل الدعاة العلماء بهذا العلم النفيس، قال الله -عز وجل: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت: ٣٣].

١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه


أولئك -والله- هم الأقلون عددًا والأعظمون عند الله قدرًا؛ ليحفظ الله بهم حججهم وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان متعلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه. وإذا كانت الدعوة إلى الله من أشرف الأعمال عند الله, فإن علم أصولها من أشرف العلوم وأنفعها للداعي والمدعو على حد سواء، وكل فضلٍ ثبت للدعاة عموما فأرباب البصيرة بأصول الدعوة وفقهها به أولى وأحرى، قال الله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: ١١].
ولا يفوت في هذا المقام أن نؤكد على أن تعلم هذا العلم -علم أصول الدعوة- من أعظم سبل الوحدة والائتلاف، ونبذ الفرقة والاختلاف، ومن أعظم أسباب صلاح ذات البين، وما قد يوجد من مظاهر الفرقة والتخالف بين الدعاة مرده إلى أمور كثيرة؛ من أهمها غيابُ أو ضعف العلم الشرعي الأصيل، وكذا علم أصول الدعوة وفقه ممارستها، وخفوت نور الربانية في الصدور وضعف التحقق بالأخلاق النبوية والشمائل السلفية، فلا غنى عن غلبة روح التأصيل العلمي والتفريق بين المقبول والمردود من الخلاف, والمحكم والمتشابه من النصوص, والقطعي من الظني من الدلالات.

١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه



١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه



١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه



١.١ معنى علم أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه