ملخص الدرس


"العالمية" هي المصدر الصناعي من كلمة "عالَم"، وهي ترجمة لكلمة"Universalism" المأخوذة من كلمة "The Universe"، ومعناها "العالم" بمعنى "الكون"، وإن كانت مستعملة هنا بمعنى المجتمع البشري على الأرض، من باب إطلاق الجزء على الكل. والمفروض أن هذا المصطلح يومئ إلى الأخوة الإنسانية وما ينبغي أن يسود بين الناس من تفاهم سبيله الحوار والتبادل الثقافي وما إلى ذلك على أساس من المساواة بين البشر ورجوعهم جميعا إلى أصل واحد، وبخاصة في هذا العصر الذي قصرت فيه المسافات وتقاربت المتباعدات.
على أن هناك معاني أخرى لتلك العالمية: منها ما قاله جوته ومن ساروا على دربه من أن "الآداب العالمية، حين يتم تجاوبها بعضها مع بعض، لن تلبث أن تتوحد جميعا في أجناسها الأدبية وأصولها الفنية وغاياتها الإنسانية بحيث لا تبقى من حدود سوى اللغة وما يمكن أن توحي به البيئة أو الإقليم"، وهو ما ينكره د. محمد غنيمي هلال إمكان تحققه في يوم من الأيام؛ لأن الأدب، كما قال، هو "قبل كل شيء استجابة للحاجات الفكرية والاجتماعية للوطن والقومية، وموضوعه تغطية هذه الحاجات، فهي محلية موضعية أولا".

ملخص الدرس


وثم معنى ثالث لمفهوم "العالمية"، ألا وهو بلوغ بعض الأعمال الأدبية مستوى فنيا ومضمونيا سامقا بحيث يقبل عليها النقاد القراء من مختلف دول العالم ويجدون فيها المتعة والفائدة، ويتفقون على أنها أعمال متميزة على مستوى العالم. لكن كيف تصل تلك الإبداعات إلى أيدي القراء من مختلف دول العالم؟ ليس هناك من سبيل إلا الترجمة، فهي وسيلة المواصلات التي تنقل تلك الأعمال إلى القراء. لكن من يقوم بهذه المهمة؟ إنهم ناس من الناس يخضعون لما يخضع له الناس عادة من كسل وهوى وتعصب واعتبارات سياسية أو دينية أو أدبية، ومن ثم فمن الممكن أن تُترجم أعمال لا ترقى إلى المستوى العالمي، وتهمل أعمال أخرى رغم قيمتها الفنية والإنسانية العالية. ولقد سبق أن أشرت قبل قليل إلى ما تصنعه المؤسسات الغربية الثقافية والسياسية مع أدباء العالم الثالث، إذ تقرب من ينخرط في خدمة مخططاتهم وتغدق عليهم نفحاتها، في الوقت الذي تضرب فيه صفحا عمن يتأبى منهم على ذلك ويخلص لوطنه ودينه. وترجمة الأعمال الأدبية إلى اللغات الواسعة الانتشار والكتابة عنها والإشادة بها وبأصحابها وتلميع أسمائهم هي باب من أبواب المكافأة في هذا المضمار.

ملخص الدرس


من الواجب على المقارن العربي المسلم أن يتنبه إلى أن هناك فروقا بين عاداتنا وتقاليدنا وعقيدتنا وأخلاقنا وأذواقنا وبين نظيراتها عند الأمم الأخرى، وأن كل ذلك من شأنه، على نحو أو على آخر، أن يطبع كل أدب بطابعه. وعلى هذا فلا بد، عند الأخذ من الآداب الأخرى أو دراسة هذا الأخذ، أن نكون على بصيرة ووعى كاملين بها فلا نترامى على آداب الآخرين فرحين بتقليدها والنقل عنها باعتبار ما ننقله شيئا جديدا.
ولكن قبل أن نلجأ إلى مخزوننا التراثي علينا أيضا واجب جد هام، ألا وهو النظر في هذا التراث. وموقفنا في هذا السياق هو وجوب وضع هذا الأدب في كل عصوره تحت المجهر: فما كان في مضامينه متفقا مع قيم الخير والجمال والحق قبلناه، وما لم يكن قلنا فيه رأينا بمنتهى الصراحة واستنكرنا ما يتضمنه من قيم الزيف والتشويه والأذى. على أن يكون مرجعنا في هذا هو الإسلام وقيمه ومبادئه.
ومن الناحية اللغوية فالمعروف أن العربية الفصحى كانت هي أداة الإبداع العربي على مر العصور، لا يعرف أداة غيرها تقريبا. ثم جاء العصر الحديث فأثيرت مسألة الكتابة بالعامية، وتولى كبر الدعوة إليها على حساب الفصحى طائفة من عتاة المستشرقين.
وسمة أخرى لذلك الأدب ينبغي الحفاظ عليها، ألا وهي ألا تقوم بين المبدع والقارئ تلك الأسوار العالية الصلبة التي لا يمكن اختراقها، وبالتالي لا يمكن أن يفهم القارئ إبداع المبدعين.

ملخص الدرس


وكان الأدب العربي في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية مصدر إشعاع وتأثير، إذ كان أدبا قويا مفعما بالحيوية. ومن إبداعات العرب في ذلك الوقت مما تأثرت به الآداب الأوروبية "كليلة ودمنة"، الذي كان باب من أبواب الإلهام للأديب الفرنسي لافونتين في خرافاته: "Les Fables"، تلك القصص التي جعل لافونتين أبطالها من عالم الحيوان وضمنها ما يريد نشره بين الناشئة من قيم ومبادئ ونصائح ومعارف، وكذلك "ألف ليلة وليلة"، التي فتنت أهل الغرب فتنة ما بعدها فتنة وكانت ملهمة لروائيي أمريكا اللاتينية في إبداعاتهم الواقعية السحرية، وأيضا "رسالة الغفران" لأبى العلاء المعري، و"رسالة حي بن يقظان" لابن طفيل، التي يرى بعض الدارسين أن دانييل ديفو الصحفي والسياسي الإنجليزي قد استوحاها، ضمن ما استوحاه، في كتابة روايته المشهورة: "Robinson Cruso". وهناك أيضا الموشحات الأندلسية، التي أثرت أقوى تأثير في شعر الشعراء التروبادور، وكذلك المقامات، التي استلهمها مبدعو روايات الشطار في الآداب الأوروبية...إلخ