![]() |
يؤكد بعض الدارسين المقارنين أن الأدب المقارن لا يعد من الدراسات المقارنة تلك الدراسات التي تجري بين نتاجات أديبين من قوميتين مختلفين ولكن لا توجد بينهما صلة تاريخية أو ثقافية، إذ يجب في رأيهم أن يكون ظاهرا لدى من يقوم بالمقارنة أن الأدب القومي واقع تحت تأثير أدب أجنبي واستفاد منه، لكن هذا تأكيد في غير محله، إذ الأدب المقارن لا ينحصر في دراسة التأثير والتأثر بين الآداب المختلفة كما قلنا، وإن كانت بعض مدارسه تشترط ذلك. ذلك أن دراسة التأثير والتأثر بين مختلف الآداب إنما يمثل جانبا واحدا من جوانب بحوث الأدب المقارن. |
![]() |
ويشمل التأثير والتأثر كثيرا من الموضوعات الأدبية: فقد يتعلق بأديب من الأدباء، وقد يتعلق بموضوع أدبي، وقد يتعلق بأسلوب لغوي، وقد يتعلق بشكل فني، وقد يتعلق باتجاه فكري، وقد يتعلق بجنس من الأجناس الأدبية، وقد يتعلق بقواعد تخص هذا الجنس أو ذاك، وقد يتعلق بالصور الفنية، وقد يتعلق بنموذج أو شخصية أدبية... إلخ. ويتناول الباحثون في الأدب المقارن هذا الموضوع الأدبي أو ذاك فيتابعون انتقاله من أدب إلى آخر محاولين معرفة الطريق التي سلكها في رحلة الانتقال والعوامل المسئولة عن ذلك الانتقال، ومسجلين ما يطرأ عليه من تحويرات أو تعديلات. |
![]() |
ومع هذا فهناك موضوعات تقليدية غاب أصلها الأدبي في غياهب الزمن، فلم نعد نعلم عن انتقالها من هذا الأدب إلى ذاك شيئا، وذلك مثل أسطورة خاتم سليمان، وأسطورة طاقية الإخفاء، وأسطورة الشحاذة الطيبة الجميلة التي تتزوج ملكا. |
![]() |
وفي وسع الدراسات المقارنة أن تتناول مثلا موضوع الغيرة أو الانتقام أو التضحية في سبيل الواجب أو بعض العادات أو السلوكيات أو المعتقدات أو القيم. |
![]() |
وعندنا إلى جانب هذا النماذج الأدبية. |
![]() |
ويستطيع المقارن الأدبي أن يدرس تصوير الأدباء لهذه النماذج الاجتماعية والإنسانية عن طريق تتبعه للصفات المشتركة التي رأوها في هذه الشخصيات، ومدى تأثر بعضهم ببعض واختلاف بعضهم عن بعض. |
![]() |
وثم مجال آخر يتعلق بدراسة الشخصيات المتميزة وتناوله بالبحث الدارسون المقارنون، ومنه شخصية جحا وشخصية "دون جوان" وشخصية وشخصيتا ليلى العامرية وحبيبها قيس بن الملوح العامري، المعروف بـ"مجنون ليلى". |
![]() |
وليس شرطا أن يدرس الأدب المقارن التأثير والتأثر بين الآداب المختلفة، فهذا إنما يشكل بعضا من مهمته وليس مهمته كلها. وفى هذه الحالة يكشف الأدب المقارن عن مصادر الأصالة في الأدب القومي، وما دخل عليه نتيجة تلاقحه مع الآداب الأخرى. |
![]() |
وهناك مجموعة من الشروط يجب توافرها في من يبحث في الأدب المقارن منها أن تتسع معارفه بحيث يكون مطلعا على جوانب متعددة من الثقافات فيما يتصل بالأدب، وأن يعرف بعض اللغات الأجنبية، إذ لا يستطيع أن يعرف ما تم من تأثير وتأثر في الموضوعات التي يدرسها إلا بالإطلاع على النصوص والآثار الأدبية في لغاتها الأصلية. |
![]() |
كذلك ينبغي للدارس المقارن أن يلم بالمصادر والأصول الخاصة بموضوع البحث كي يستطيع معرفة عملية التأثير والتأثر. |
![]() |
وإذا وقعت له ترجمة لعمل من الأعمال الأدبية فعليه أن يقارن بين الترجمة والأصل، أو بين الترجمات المتنوعة إذا كان هناك أكثر من ترجمة للعمل المذكور. وبالمثل عليه معرفة ما يختص بدراسة الأجناس أو الأنواع الأدبية. |
![]() |
وإلى جانب هذا يجب أن يتتبع الدارس المقارن كل نوع وتطوره في لغتين أو أكثر، وأن يبحث العوامل التي أثرت في كل الآداب التي يراد دراستها. وقد يحاول الباحث المقارن دراسة جنس أدبي في أدبين فقط. |
![]() |
وعليه أن يأتي بالدليل على تأثر ذلك الكاتب أو أولئك الكتاب بالجنس الأدبي موضوع الدراسة، وقد يصرح الكاتب نفسه بهذا التأثير، وعليه تكون مهمة التدليل والبرهنة يسيرة على الباحث المقارن. |
![]() |
ومما ينبغي معرفته طبقا لما يقوله أساتذة الأدب المقارن أن يحدد الدارس مدى تأثر الكاتب بالجنس الأدبي، وهل كان تأثرا شاملا أو جزئيًّا؟ ومن أكثر فروع الأدب المقارن انتشارا دراسة تأثير كاتب معين في أدب أمة أخرى. |
![]() |
كذلك ينبغي التنبه إلى أن التأثر بين الآداب المختلفة قد يكون على غير اتجاه الأصل المؤثِّر، بمعنى أن يفهم الأديب المتأثر الأديب الذي تأثر به فهما مخالفا لمقصده. |
![]() |
وهناك التأثر العكسي في فهم رؤى الآخر كأن يقف أديب موقفا مضادًّا من الرؤية الفنية الفكرية لأديب أو حركة أدبية مختلفة في لغة أو قومية أخرى. |
![]() |
ومن المسائل التي يتناولها الدارس المقارن ما يمكن عقده من موازنات بين طرفين في أدبين مختلفين ليس لهما من علاقة تبادل تأثير. |
![]() |
ومن الموضوعات التي يتناولها الأدب المقارن موضوع الترجمة ومدى دقتها أو ابتعادها عن الأصل وأثر ذلك على فهم مرامي المؤلف وما إلى ذلك... |
![]() |
ومعروف أن المترجمين لا يمكنهم نقل الأصل على وجهه الذي أبدعه فيه صاحبه إلى اللغة التي يترجمون إليها مهما بذلوا وسعهم واستفرغوا كل جهدهم، بل تظل هناك زوايا وخبايا ومناطق مظلمة أو معتمة أو مغبَّشة أو تغشّيها الظلال على الأقل، ومعان وأحاسيس روّاغة تستعصي على القنص، وأقصى ما يمكنه عمله إزاءها هو أن يشير ويومئ. |
![]() |
ومما يتناوله الأدب المقارن أيضا كتب الرحلات، إذ إن هذا النوع من الكتب إذا كان يدور حول بلد أجنبي فإنه يقوم بتقديم صورة لذلك البلد وشعبه للقراء المحليين، ثم يمضى فيتتبع تأثير تلك الصورة على كتابات الكتاب الآخرين في بلاده بغض النظر عن لون تلك الكتابات: قصة كانت أو رحلة أو شعرا أو مسرحية... ومن الطبيعي أن تلك الصورة لا بد أن تختلف من أديب إلى آخر تبعا لاختلاف ظروف كل منهم عن ظروف الآخرين. |