...١.٢ التأثير بأنواعه بين الآداب القومية المختلفة والمؤلفاتر والترجمات


التأثير بأنواعه بين الآداب القومية المختلفة والمؤلفات والترجمات

يؤكد بعض الدارسين المقارنين أن الأدب المقارن لا يعد الدراسات التي تجري بين نتاجات أديبين من قوميتين مختلفين ولكن لا توجد بينهما صلة تاريخية أو ثقافية، لا يعدها دراسة مقارنة، إذ يجب في رأيهم أن يكون ظاهرا لدى من يقوم بالمقارنة أن الأدب القومي واقع تحت تأثير أدب أجنبي واستفاد منه وانتهج بعض أساليبه و جوانبه الفنية، وعليه أن يثبت كيفية التقاء هذين الأدبين وزمن التقائهما و نوعية تأثير أحدهما في الآخر، وأن أهمية الأدب المقارن من ثم لا تقف عند حدود دراسة التيارات الفكرية والأجناس الأدبية و القضايا الإنسانية في الفن بل لا بد له أن يكشف عن جوانب تأثر الكتاب في الأدب القومي بالآداب العالمية، فهو تأكيد في غير محله، إذ الأدب المقارن لا ينحصر في دراسة التأثير والتأثر بين الآداب المختلفة كما قلنا، وإن كانت بعض مدارسه تشترط ذلك، وهى المدرسة الفرنسية ومن يلفون لفها.

ذلك أن دراسة التأثير والتأثر بين مختلف الآداب إنما يمثل جانبا واحدا من جوانب بحوث الأدب المقارن كما وضحنا. وفى هذه الحالة فإن الأدب المقارن، كما يوضح أولئك المقارنون، يدرس مواطن التلاقي بين الآداب في لغاتها المختلفة، وصلاتها الكثيرة المعقدة، في حاضرها أو في ماضيها، وما لهذه الصلات التاريخية من تأثير أو تأثر، أيا كانت مظاهر ذلك التأثير أو التأثر سواء تعلقت بالأصول الفنية العامة للأجناس والمذاهب الأدبية أو التيارات الفكرية أو اتصلت بطبيعة الموضوعات والمواقف والأشخاص التي تعالج أو تحاكى في الأدب،

...١.٢ التأثير بأنواعه بين الآداب القومية المختلفة والمؤلفاتر والترجمات


أو كانت تمس مسائل الصياغة الفنية والأفكار الجزئية في العمل الأدبي وكانت خاصة بصور البلاد المختلفة كما تنعكس في آداب الأمم الأخرى بوصفها صلات فنية تربط بين الشعوب والدول بروابط إنسانية تختلف باختلاف الصور والكتاب: ثم ما يمت إلى ذلك بصلة من عوامل التأثير والتأثر في أدب الرحالة من الكتاب.

ويشمل التأثير والتأثر كثيرا من الموضوعات الأدبية: فقد يتعلق بأديب من الأدباء، وقد يتعلق بموضوع أدبي، وقد يتعلق بأسلوب لغوى، وقد يتعلق بشكل فني، وقد يتعلق باتجاه فكري، وقد يتعلق بجنس من الأجناس الأدبية، وقد يتعلق بقواعد تخص هذا الجنس أو ذاك، وقد يتعلق بالصور الفنية، وقد يتعلق بنموذج أو شخصية أدبية... إلخ. ويتناول الباحثون في الأدب المقارن هذا الموضوع الأدبي أو ذاك فيتابعون انتقاله من أدب إلى آخر محاولين معرفة الطريق التي سلكها في رحلة الانتقال والعوامل المسئولة عن ذلك الانتقال، ومسجلين ما يطرأ عليه من تحويرات أو تعديلات.

ومع هذا فيشير الباحثون في الأدب المقارن إلى أن هناك موضوعات تقليدية غاب أصلها الأدبي في غياهب الزمن، فلم نعد نعلم عن انتقالها من هذا الأدب إلى ذاك شيئا، وذلك مثل أسطورة خاتم سليمان، وأسطورة طاقية الإخفاء، وأسطورة الشحاذة الطيبة الجميلة التي تتزوج ملكا. وفي كل موضوع من تلك الموضوعات نجد تفصيلات يضيفها كل كاتب إليه فتعطيه نكهته التي يتميز بها عن معالجة مبدع آخر لذات الموضوع.

...١.٢ التأثير بأنواعه بين الآداب القومية المختلفة والمؤلفاتر والترجمات


وتقوم المقارنة الأدبية هنا بتبيان الفروق ووجوه الاتفاق والاختلاف بين المعالجات المختلفة لذلك الموضوع.
وفي وسع الدراسات المقارنة أن تتناول مثلا موضوع الغيرة أو الانتقام أو التضحية في سبيل الواجب أو بعض العادات أو السلوكيات أو المعتقدات أو القيم، فتلقي ضوءا قويًّا كاشفا على عبقرية الكتاب الذين تناولوا هذا الموضوع.وعندنا، إلى جانب هذا، النماذج الأدبية.وهذه النماذج الأدبية يمكن أن تنقسم إلى نماذج الشعوب المختلفة، كالفرنسي والألماني والمصري والصيني، أو نماذج المهن أو الوظائف، مثل الشيخ والكاهن والفلاح والطبيب والمحامي والصيدلي وحفار القبور والجاسوس والبغي وقاطع الطريق، أو نماذج التشويه البدني أو النفسي، كالمخنث والأعمى والمعتوه والأحدب والمقامر والسكير.ويستطيع المقارن الأدبي أن يدرس تصوير الأدباء لهذه النماذج الاجتماعية والإنسانية عن طريق تتبعه للصفات المشتركة التي رأوها في هذه الشخصيات، ومدى تأثر بعضهم ببعض واختلاف بعضهم عن بعض. كذلك هناك النماذج الأسطورية الخيالية التي تعود إلى حكايات قديمة أو موغلة في القدم تحورت أو تشوهت أو فقدت معناها الأصلي.

ومن هذه النماذج نموذج الشيطان، وكذلك نموذج الساحرة الشريرة. وهناك نماذج أسطورية تحولت إلى رمز فلسفي أو اجتماعي، وتناولها كل أديب من وجهة نظره الخاصة التي تتفق مع عصره وظروفه. ومن هذه النماذج نموذج بجماليون، وهو فنان من جزيرة قبرص هامَ عشقًا بجمال تمثال صنعه بيده. ومن تلك النماذج الأسطورية أيضا نموذج "برومثيوس"، إله النار لدى الإغريق.

...١.٢ التأثير بأنواعه بين الآداب القومية المختلفة والمؤلفاتر والترجمات


وقد تناوله العديد من الشعراء في شعرهم، وكذلك بعض كتاب المسرح في مسرحياتهم، بدءا من الشعراء الإغريق، ووصولا إلى الكتاب الأوروبيين في عصر النهضة الأوروبية. وثم مجال آخر يتعلق بدراسة الشخصيات المتميزة وتناوله بالبحث الدارسون المقارنون، ومنه شخصية "جحا" التي تعود إلى المصادر الشعبية، وأصبحت موضوعا تتناوله الآداب العالمية بمختلف ألوانها، إذ نجده في الأدب الشعبي المصري، وفي الأدب الشعبي التركي، وفي الأدب الشعبي القوقازي، والأدب الشعبي الفارسي.

وهو في كل ذلك رمز للإنسان البسيط خفيف الظل، الذي يعبر عن رأيه في شجاعة، منتقدا أوضاع السلطة الحاكمة الفاسدة أو المستبدة، حاملا ملامح كل أمة ينتمي إليها حسبما لوحظ. ومن هذه الشخصيات كذلك شخصية "دون جوان"، التي يصعب الآن معرفة الموطن الذي نبتت فيه هذه الشخصية. ويرمز دون جوان إلى الإنسان المستهتر المخادع الذي لا هم له إلا التغرير بالفتيات وتحطيم قلوبهن ثم هجرهن دون عودة.

وبالمثل كان لشخصية كليوباترا حظ موفور في الآداب العالمية. ومن الشخصيات التاريخية في الأدبين العربي والفارسي يمكن للدارس المقارن أن يذكر على سبيل المثال شخصيتي ليلى العامرية وحبيبها قيس بن الملوح العامري، المعروف بـ"مجنون ليلى". وكما قلنا فليس شرطا أن يدرس الأدب المقارن التأثير والتأثر بين الآداب المختلفة، فهذا إنما يشكل بعضا من مهمته وليس مهمته كلها. وفى هذه الحالة يكشف الأدب المقارن عن مصادر الأصالة في الأدب القومي، وما دخل عليه نتيجة تلاقحه مع الآداب الأخرى.

...١.٢ التأثير بأنواعه بين الآداب القومية المختلفة والمؤلفاتر والترجمات


ولا شك أن جوانب التأثر كثيرة ومتعددة. فالأدب كائن حي، يؤثر ويتأثر، يأخذ ويعطي، وهذه سُنة العطاء الإنساني. وهنا يوضح الأدب المقارن خط سير الآداب في علاقاتها بالآداب الأخرى، ومدى تقاربها في الأفكار، مبينا لنا أهمية التأثير والتأثر في تقوية الأدب القومي، وكذلك في العمل على تقارب الشعوب وخروجها من عزلتها. وبذلك يكون للأدب المقارن أهمية كبيرة في دراسة المجتمعات وتفهمها.

وهناك مجموعة من الشروط يجب توافرها في من يبحث في الأدب المقارن، منها: أن تتسع معارفه بحيث يكون مطلعا على جوانب متعددة من الثقافات فيما يتصل بالأدب، وأن يعرف بعض اللغات الأجنبية، إذ لا يستطيع أن يعرف ما تم من تأثير وتأثر في الموضوعات التي يدرسها إلا بالإطلاع على النصوص والآثار الأدبية في لغاتها الأصلية. معرفة عملية التأثير والتأثر. وإذا وقعت له ترجمة لعمل من الأعمال الأدبية فعليه أن يقارن بين الترجمة والأصل، أو بين الترجمات المتنوعة إذا كان هناك أكثر من ترجمة للعمل المذكور. وبالمثل عليه معرفة ما يختص بدراسة الأجناس أو الأنواع الأدبية.

وإلى جانب هذا يجب أن يتتبع الدارس المقارن كل نوع وتطوره في لغتين أو أكثر، وأن يبحث العوامل التي أثرت في كل الآداب التي يراد دراستها. وقد يحاول الباحث المقارن دراسة جنس أدبي في أدبين فقط. وعليه أن يأتي بالدليل على تأثر ذلك الكاتب أو أولئك الكتاب بالجنس الأدبي موضوع الدراسة، وقد يصرح الكاتب نفسه بهذا التأثير، وعليه تكون مهمة التدليل والبرهنة يسيرة على الباحث المقارن.

...١.٢ التأثير بأنواعه بين الآداب القومية المختلفة والمؤلفاتر والترجمات


ومما ينبغي معرفته طبقا لما يقوله أساتذة الأدب المقارن أن يحدد الدارس مدى تأثر الكاتب بالجنس الأدبي، وهل كان تأثرا شاملا أو جزئيًّا؟ ومن هنا يجب على الباحث المقارن دراسة حياة الكاتب، وظروفه الاجتماعية والنفسية، وكذلك مكوناته الفكرية والثقافية. وبالنسبة لدراسة الموضوعات الأدبية كدراسة شخصية الملكة كليوباترا في الأدب الإنجليزي والأدب الفرنسي والأدب العربي.

ومن أكثر فروع الأدب المقارن انتشارا دراسة تأثير كاتب معين في أدب أمة أخرى. ولا مانع من دراسة أثر كاتب أو عمل معين في أمة من الأمم على كاتب أو أعمال إبداعية معينة من أمة أخرى. كذلك ينبغي التنبه إلى أن التأثر بين الآداب المختلفة قد يكون على غير اتجاه الأصل المؤثِّر، بمعنى أن يفهم الأديب المتأثر الأديب الذي تأثر به فهما مخالفا لمقصده. وهناك التأثر العكسي في فهم رؤى الآخر كأن يقف أديب موقفا مضادًّا من الرؤية الفنية الفكرية لأديب أو حركة أدبية مختلفة في لغة أو قومية أخرى.

ومن المسائل التي يتناولها الدارس المقارن ما يمكن عقده من موازنات بين طرفين في أدبين مختلفين ليس لهما من علاقة تبادل تأثير، وهو أمر لا يدخله عدد من الباحثين في صلب الأدب المقارن، الذي يرون أنه ينبغي أن يركز فقط على حالتي التأثر والتأثير بين طرفين أدبيين. ومن الموضوعات التي يتناولها الأدب المقارن موضوع الترجمة ومدى دقتها أو ابتعادها عن الأصل وأثر ذلك على فهم مرامي المؤلف وما إلى ذلك..

...١.٢ التأثير بأنواعه بين الآداب القومية المختلفة والمؤلفاتر والترجمات


ومعروف أن المترجمين لا يمكنهم نقل الأصل على وجهه الذي أبدعه فيه صاحبه إلى اللغة التي يترجمون إليها مهما بذلوا وسعهم واستفرغوا كل جهدهم. أي أنهم كانوا على علم بطبيعة الترجمة وحدودها، وأن ما يؤديه المترجمون لا يمكن أن يجيء مطابقا للنص الأصلي.

ذلك أن المترجم الأدبي، وهو الذي يهمنا هنا، إنما يحاول الدخول إلى عقل إنسان آخر واقتناص خواطره وانفعالاته وأفكاره ودقائق معانيه. وأنَّى له ذلك، والسياق الذي يعمل هو فيه يختلف عن السياق الذي أبدع فيه صاحب النص نصه، والخلفية الثقافية والفنية والأدبية التي ينتمي إليها المبدع تختلف عن خلفيته هو، والظروف الشخصية تختلف في حالته عن حالة من يترجم له؟ كما أن الأديب لا يقول في إبداعه كل شيء، ولا يكون واضحا في ذهنه كل شيء، بل تظل هناك زوايا وخبايا ومناطق مظلمة أو معتمة أو مغبَّشة أو تغشّيها الظلال على الأقل، ومعانٍ وأحاسيس روّاغة تستعصي على القنص، وأقصى ما يمكنه عمله إزاءها هو أن يشير ويومئ. ومما يتناوله الأدب المقارن أيضا كتب الرحلات، إذ إن هذا النوع من الكتب إذا كان يدور حول بلد أجنبي فإنه يقوم بتقديم صورة لذلك البلد وشعبه للقراء المحليين، وهذا ميدان من ميادين الأدب المقارن.

...١.٢ التأثير بأنواعه بين الآداب القومية المختلفة والمؤلفاتر والترجمات


ويدرس الأدب المقارن صورة هذا البلد أو ذاك في كتابات ذلك الأديب أو هذا، ثم يمضى فيتتبع تأثير تلك الصورة على كتابات الكتاب الآخرين في بلاده بغض النظر عن لون تلك الكتابات: قصة كانت أو رحلة أو شعرا أو مسرحية...، وسواء زار أولئك الكتاب المتأثرون ذلك البلد أو اكتفوا باستقاء صورته مما قرأوه للأديب الذي تأثروا به.

ومن الطبيعي أن تلك الصورة لا بد أن تختلف من أديب إلى آخر تبعا لاختلاف ظروف كل منهم عن ظروف الآخرين، إذ الحقيقة الكاملة المطلقة لأي شيء إنما يعلمها الله وحده، أما نحن البشر فلا نعرف منها إن عرفنا إلا جانبا واحدا فقط، وملونا في الغالب بلون نفسياتنا ومواقفنا وثقافاتنا وتجاربنا وتطلعاتنا ومخاوفنا... الخ، اللهم إلا ما كان متعلقا بالأرقام والوقائع التي لا يمكن المماراة فيها وما أشبه.