نشأة الأدب المقارن
نشأ علم "الأدب المقارن" في القرن التاسع في فترة سادتها روح العصبية القومية ونشبت الحروب بين دولها، وكان التنازع والتكالب على اكتساب المغانم الاستعمارية على أشده بينها، مما عمّق فكرة الأثرة القومية والعصبية المقيتة في نفوس الشعوب الأوروبية، وأخذ كل واحد من هذه الشعوب ينظر إلى الآخر نظرة العداء والازدراء. لقد كان المزاج الأوروبي الذي ساد القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مشبَّعا بأسباب التنافر والتباعد لا بمظاهر التآزر والتقارب. حقَّا لقد كانت هناك نقط التقاء توحِّد بين الأدباء الأوروبيين في ذلك الوقت، إذ كانوا جميعا يَرَوْنَ في شعراء اليونان واللاتينين القدماء مَثَلهم الأعلى الذي يتعين عليهم أن يحتذوه، إلا أن روح القومية التي سادت في ذلك الوقت كانت تعصف بكل رغبة في التسليم بتبادل التأثير بين الآداب الأوروبية بعضها وبعض.
لكن ظهرت في ألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، حركة نادت بــ"الأدب المقارن" حيث تتجمع الآداب المختلفة كلها في أدب عالمي واحد يبدو وكأنه نهر يرفده كل أدب من الآداب القومية بأسمى ما لديه من نتاج إبداعي وقيم إنسانية وفنية. وكان زعيم هذا الاتجاه الشاعر الألماني جوته (١٧٤٩- ١٨٣٢م)، الذي عد نفسه نموذجا تتجمع فيه صفة العالمية، فلقد كان مطلعا على الآداب الأوروبية متمثلا قيمها واتجاهاتها،