٢.٣ مواقف للرسول في إجازته للشعر والحض عليه وإثابة صاحبه
مواقف للرسول -صلى الله عليه وسلم- في إجازته للشعر والحض عليه وإثابة صاحبه
كان -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا ما يستنشد أصحابه الشعر الذي يقول:
|
وحيي جميع الناس تسب عقولهم |
تحيتك الأدنى فقد ترفع النغل |
|
فإن أظهروا بشرا فأظهر جزاءه |
وإن ستروا عنك القبيح فلا تسل |
|
فإن الذي يؤذيك منه سماعه |
وكل الذي قد قيل خلفك لم يقل |
تأمّل الأبْيَات، وكيف تُوافق ما جاء به الإسلام الحنيف من أخلاق وسلوك، وأثر ذلك في بناء المجتمع المُتماسك المُتعاون المتراحم، ذلك لما سمع سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الشعر قال قولته المشهورة: {{إن من الشعر لحكمة}} أو {{لحُكمًا}}، وقد مَرّ بك في المحاضرة الأولى، موقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من وفد بني تميم في عام الوفود؛ فلا حَاجة إلى إعادته.
موقف آخر: حين دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة مُعتمرًا عُمرة القضاء, في السنة السابعة من الهجرة، قَدِم بين يديه عبد الله بن رَواحة؛ فأخذ بخطام ناقته مرتجزًا أبياتًا منها:
٢.٣ مواقف للرسول في إجازته للشعر والحض عليه وإثابة صاحبه
خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير مع رسوله
يا ربي إني مؤمن بقيله أعرف حق الله في قبوله
ونختم الأمثلة والنماذج والمواقف الدّالة علي تذوق الرسول -صلى الله عليه وسلم- للشعر واستحسانه والثناء عليه بقوله: {{إن من البيان لسحرا}} و{{إن من الشعر لحكمًا}} أو {{لحكمة}} لأنه -صلى الله عليه وسلم- وهو يَطُوفُ حول الكعبة عرضت له امرأة هي أخت النضر بن الحارث الذي قتله الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيد علي بن أبي طالب؛ لأنه هجا الرسول -صلى الله عليه وسلم، يقال لها قتيله، واختلفت الروايات هل هي أخته أم أبنته، الذي يَهُمنا أنّ هذه المرأة اعترضت الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو يطوف قائلة له شعرًا:
|
أمحمدٌ ها أنت نجل نجيبة |
من قومها والفحل فحل معرق |
|
ما كان ضرك لو مننت وربما |
من الفتي وهو المغيظ المحنق |
|
والنضر أقرب من قتلت وسيلة |
وأحقهم إن كان عتق يعتق |
٢.٣ مواقف للرسول في إجازته للشعر والحض عليه وإثابة صاحبه
فما كان تعليقه -صلى الله عليه وسلم: {{لو سمعت هذا قبل قتله ما قتلته}}, صلى الله وسلم وبارك عليك يا رسول الله وصدق من سماك الرءوف الرحيم.
أدرك الرّسول -صلى الله عليه وسلم- بفِطرته السليمة وحكمته البالغة اعتزاز العرب بالشعر، وإبداعهم فيه، وتَمَسُّكهم به؛ حتى ليُوشك أن يكون غريزة فيهم -كحليب الإبل- والرسول -صلى الله عليه وسلم- كما قلت عربي، يتذوق الشعر ويُدرك تأثيره في النفوس؛ فليس من المعقول منطقيًّا أنْ يُقال: إنه -صلى الله عليه وسلم- قد حاربه أو نهى عنه.
ثم من المواقف العديدة للرسول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- مع شعراء آخرين, يتضح جليًّا أنّ الرّسول -صلى الله عليه وسلم- لم يَكُن يَرْفُض الشِّعْرَ بِعامّة، ولم يَكُن يُعرض عن الشُّعَراء أجمعين؛ فقد رأيناه يقبل على ما هو حسن، على ما يوافق الحق، يقبل من الأشعار على ما هو حسن أو ما وافق الحق, ولم يتضمن ما ينافي روح الإسلام وتعاليمه وآدابه، واشتمل على العظة العبرة والتذكير, والحض على الفضائل وغير ذلك مما يدخل تحت قوله -صلى الله عليه وسلم: {{إن من الشعر لحكمة}}.
ما دام للشعر تأثيره وقوته؛ فلا ريب أنّ الحِكْمَة النبوية رأت اتخاذه سلاحًا للدفاع عن الدين, ومُنَاهضة الشِّرك خَاصّة وقد بدء الشعراء الكُفّار بإطْلَاقِ سِهام ألسنتهم، واختار الرسول -عليه الصلاة والسلام- حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة من الأنصار ليردوا على شعراء قريش.
٢.٣ مواقف للرسول في إجازته للشعر والحض عليه وإثابة صاحبه
ولم تقتصر نظرة الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- إلى الشعر بوصفه فنًّا من الفنون، يستحسن الحسن منه، ويستهجن القَبيح، بل كان -عليه السلام- يُرغب فيه بالحث على روايته واستنشاده، وكان يسمع لأصحابه في مجلسه، وكان يبدي آراء نقدية صائبة فيما يسمع. كان يثيب على ما يعجبه، كان يرد من أخطأ، ولو تذكرنا أو رجعنا إلى موقفه مع النابغة الجعدي، ومع لبيد، ومع كعب، ثم مع رواة شعر قيس بن الحطيم أو مع وفد بني تميم سوف نَجِدُه يُرَحّب ويُعْجَبُ بكل شعر تضمن الدعوة إلى خلق كريم، أو أصدر حكمًا صائبًا على فعل وسلوك.
ولكن الرسول- عليه الصلاة والسلام- بحسّه المُرهف، وحكمته السديدة، كان يُعرض عن ذلك الشعر الذي يشيد بقيم جاهلية، أو يخوض في الأعراض، أو يُوقد كامن الفتن والضغائن، أو يتباهى بروح الخيلاء والفخر بالأحساب والأنساب, ولَو كانَ الرَّسُولُ -عليه الصلاة والسلام- يَكْرَهُ الشِّعر أو لا يعرفه حق المعرفة، ما كان يعقد تلك المجالس الأدبية لروايته وإنشاده، ما كان ليسمح لشعرائه بالرد على شعراء الوفود، كما في بني تميم أو شعراء قريش.
وما كان ليرى فيه سلاحًا مكملًّا لأسلحة القتال، وما كان ليبدي تلك الآراء الصائبة, وما كان ليُظهر ذلك الإعجاب الصادق، وما كان يستجيب لمن أتخذ الشعر وسيلة للاعتذار وطلب العفو, بل الافتداء من الأسر، فالرسول- صلى الله عليه وسلم- إذن مهتديًا بالقرآن لا يرفض الشعر جملة، إنما يَقْبَلُ ما وافق الحق والدين.