٢.٢ إجازة الرسول لأدباء الإسلام وتشجيعهم
إجازة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأدباء الإسلام وتشجيعهم
سنةُ النبي -عليه الصلاة والسلام- أقوالٌ وأفعال، أو هي آراء ومواقف؛ أقوالٌ هي ما يعرف بالأحاديث الشريفة، وقد حفظت ودوّنت وحُققت لتكون مرجعًا للأحكام والفتاوى، والأفعال هي تصرفات وأنواع من السلوك صدرت عن الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- في ظروف وأحداث، فتناقلها الرواة لتكون أيضًا مثلا يحتذى وهديًا يتبع، وسوف نتأمل في هذه الأحاديث أو الأقوال، كما نستقرئ تلك التصرفات والأفعال؛ حتى نصل إلى الحقيقة.
والسنة المطهرة في موقفها من الأدب والأدباء والشعر والشعراء بوصف الشعر أظهر أجناس الأدب وبوصفه ديوان العرب الأول.
أقول: السنة المطهرة في موقفها قد تُرحب وتُحبذ وتُثيب، وقد تقف محايدة موضوعية فترضى عن الشعر إن أصاب طريق الحق، وتأباه وترفضه إن ضلّ وانحرف، ثم هي قد تعارضه وتطارده بسبب منطقي أو دفاعًا عن الهدى والدين.
٢.٢ إجازة الرسول لأدباء الإسلام وتشجيعهم
الموقف الأول: موقف الكراهة
ويتضح في الأحاديث الآتية:
 |
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا حتى يَريه، خير له من أن يمتلئ شعرًا}} وكلمة "يريه" معناها يلفظه ويخرجه من فمه، وفي رواية أخرى للحديث: {{لأن يمتلئ جوف الرجل قيحًا حتى يريه، خير له من أن يمتلئ شعرًا}} ورواية ثالثة {{لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا، خير له من أن يمتلئ شعرًا}} ورواية رابعة لنفس الحديث: {{لأن يمتلئ جوف أحدكم دمًا أو قيحًا، خير له من أن يمتلئ شعرًا}} هذا حديث. |
 |
حديثٌ ثانٍ، يُروى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد نهى عن رواية قصيدة أمية بن أبي الصلت في رثاء قتلى قريش يوم بدر، وقصيدة الأعشى التي يرثي بها علقمة بن علاث، قال البغدادي في (خزانته): ذُكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخص في الأشعار كلها إلا هاتين الكلمتين؛ كلمة أمية بن أبي الصلت في أهل بدر، وكلمة الأعشى في علقمة. |
٢.٢ إجازة الرسول لأدباء الإسلام وتشجيعهم
 |
النص الثالث: عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قال صلوات الله وسلامه عليه: {{اللهم من هجاني فالعنه}}. |
 |
نصٌّ رابع: أُثِر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أهدر دم الشعراء الذين هجوه واعتدوا على أعراض المسلمين، كما أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقتل رجلٍ ممن كانوا يهجونه، وهرب ابن الزبعرى السهمي وهبيرة بن أبي وهب المخزومي خوفًا؛ لأنهما هجوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم. |
ونحن نعلم أنه حين أسلم بجير بن زهير بن أبي سلمى، أرسل إليه أخوه كعب بن زهير، يلومه على تركه دين آبائه، ويتطاول على الرسول الكريم في شعره، فأهدر الرسول دمه وأباح قتله.
ثلاثة آثار تتفق في موقف واحد.
ولنناقش هذه النصوص والأخبار نقاش العقل والمنطق، يقول العلامة المناوي صاحب (فيض القدير) في شرح الحديث: {{لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا، خير له من أن يمتلئ شعرًا}} قال: شعرًا أنشأه أو أنشده؛ لما يؤول إليه أمره من تشاغله به عن عبادة ربه، قال القاضي: والمراد بالشعر ما تضمن تشبيبًا أو هجاء أو مفاخرة، كما هو الغالب في أشعار الجاهلية، وقال بعضهم: قوله: شعرًا، ظاهره العموم في كل شعر، لكنه مخصوص بما لم يشتمل على الذكر والزهد والمواعظ والرقائق، مما لا إفراط فيه، وقال النووي: ...
٢.٢ إجازة الرسول لأدباء الإسلام وتشجيعهم
... هذا الحديث محمولٌ على التجرد للشعر، بحيث يغلب عليه فيشغله عن القرآن والذكر، وفي (فيض القدير) عند سعد وأبي سعيد قالا: "بينما نحن نسير مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ عرض شاعر يُنشد، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{خذوا الشيطان أو أمسكوا الشيطان}} ثم ذكر الحديث السابق {{لأن يمتلئ جوف...}} إلى آخره، وقد ورد في (سنن ابن ماجه) شرح للحديث، وقد فسره الفقهاء على أنه المقصود: أن يغلب الشعر على الرجل؛ يشغله عن ذكر الله وعن القرآن والحديث.
وقبل أن نتخذ رأيًا في الحديث {{لأن يمتلئ جوف...}} إلى آخره، نشير إلى أن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- قالت حين سمعت رواية أبي هريرة: "لم يحفظ أبو هريرة الحديث، إنما قال رسول الله: {{لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا ودمًا، خير له من أن يمتلئ شعرًا هجيت به}} أكرر {{هيجت به}} ضع خطّا تحت هذه العبارة، وبهذا التصحيح من أم المؤمنين ينجلي الحق، فلا ريب أن السنة النبوية تشرح القرآن وتوضحه، فلو أخذنا برواية أبي هريرة لكان الحديث مخالفًا للقرآن ولأقوال وأفعال أخرى للرسول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أما رواية عائشة -رضي الله عنها- فتحدد الشعر المذموم وهو هجاء الرسول -عليه الصلاة والسلام- وهو ما يوافق آي القرآن، وما يؤكده الحديث الذي يلعن من هجا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم هو كذلك لا يتعارض مع رأي النبي وموقفه -صلى الله عليه وسلم- من الشعر والشعراء بعامة.
٢.٢ إجازة الرسول لأدباء الإسلام وتشجيعهم
أما حديث النهي عن رواية قصيدتي أمية والأعشى، فيثبت صحة هذا التفسير الذي ذكرناه أيضًا؛ بمعنى: أن القصيدتين المنهي عنهما تخوضان في أعراض المسلمين، وتمجدان الكفر، وتهاجمان الدين الحنيف، بدليل أن أشعارًا كثيرة لأمية بن أبي الصلت كانت تُعجب الرسول -عليه الصلاة والسلام- وأن أشعار الأعشى غير ما ذكر ونُص عليه، غير هذه القصيدة التي مدح فيه علقمة، كانت تُنشد بلا غضاضة، ولا ينكرها الرسول -صلى الله عليه وسلم.
بقيت مواقف الرسول -عليه السلام- ممن هجوه، حين أهدر دمهم، وقتل من بقي على كفره حين ظفره به.
أقول: لم يوضح الراوي نوع ما كان ينشده من شعر، فلعله كان هجاءً مرذولًا يكفر صاحبه، ولعله فحش من القول يستحق قائله الرجم، وربما كان هُيامًا في أودية الضلالات يجب أن يحارب، وما كان رسول الله -عليه الصلاة والسلام- ليقول عنه الشيطان إلا لسببٍ مما ذُكر.
٢.٢ إجازة الرسول لأدباء الإسلام وتشجيعهم
الموقف الثاني: الموقف الموضوعي المحايد
الذي يحسن ما كان حسنًا موافقًا لمبادئ الدين وقيمه، ويحارب ما كان سيئًا منافيًا للدين وتعاليمه، هذا الموقف تظهره عدة نصوص وأحاديث لرسول الله -صلى الله عليه وسلم؛ منها عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{الشعر بمنزلة الكلام؛ فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام}} رواية أخرى للحديث نفسه: {{إنما الشعر كلام مؤلف، فما وافق الحق منه فهو حسن، وما لم يوافق الحق منه فلا خير فيه}}.
موقف آخر: موقف الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- من أبي جرول
ينقله صاحب (العقد) عن ابن هشام، حدثني أبو جرول وكان رئيس قومه قال: أسرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين، فبينما هو يميّز الرجال من النساء، إذ وثبت فوقفت بين يديه وأنشدته:
|
امنن علينا رسول الله في حرم |
فإنك المرءُ نرجوه وننتظر |
|
امنن على نسوة قد كنت ترضعها |
يا أرجح الناس حِلمًا حين يُختبر |
|
إنا لنشكر للنعمى إذا كُفرت |
وعندنا بعد هذا اليوم مدخر |
٢.٢ إجازة الرسول لأدباء الإسلام وتشجيعهم
يقول أبو جرول: فذكرته حين نشأ في هوازن وأرضعوه، فقال عليه الصلاة والسلام: {{أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لله ولكم، فقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لله ولرسوله، فردت الأنصار ما كان في أيديها من الذراري والأموال}} ويعقّب ابن عبد ربه مؤلف (العقد) بقوله: فإذا كان هذا مقام الشعر عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فأي وسيلة تبلغه!
موقف آخر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من عمرو الخزاعي؛ روي أن عمرو بن سالم الخزاعي قدم على الرسول مستنصرًا، وكانت خزاعة في حلفه -صلى الله عليه وسلم، فاعتدت عليها قريش، فقال عمرو:
|
يا رب إني ناشدٌ محمدًا |
حلف أبيه وأبينا الأتلدا |
فما أن سمع الرسول -عليه الصلاة والسلام- هذا الشعر، حتى دمعت عيناه، وقال: {{نصرت يا عمرو بن سالم، نصرت يا عمرو بن سالم}}.