٢.١ الحديث النبوي الشريف


الحديث النبوي الشريف
من المسلم به أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو أفصح العرب، وأبلغ أرباب البيان منذ وجد البيان وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أليس هو القائل: {{أوتيت جوامع الكلم}} وكيف لا يكون كذلك وقد أرسل إلى أمة صناعتها الكلام، وإذا كان القرآن الكريم يقول: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)) [إبراهيم: ٤] فلا بد أن يكون محمد -عليه الصلاة والسلام- أبين العرب، وقد صدق الجاحظ في وصف كلامه -صلوات الله وتسليماته عليه: بأنه الكلام الذي قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة ونزه عن التكلف، وكان كما قال الله تبارك وتعالى: قل يا محمد ((وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِين)) [ص: ٨٦] فكيف وقد عاب التشديق وجانب أصحاب التعقيد واستعمل المبسوط في موضع البسط والمقصور في موضع القصر وهجر الغريب الوحشي ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة وغشّاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، لم تسقط له حكمة ولا زلت به قدم ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبدأ الخطب الطوال بالكلم القصار، هذا ما قاله الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين).

٢.١ الحديث النبوي الشريف


من هنا عرف الجميع قدره وشعروا بمكانته -عليه الصلاة والسلام- وأدركوا أنه رائد الفصاحة وإمام البلغاء وسيد المتكلمين باللسان العربي المبين، هذا وقد اتسمت البلاغة النبوية بسمات تتصل بالألفاظ والأساليب، والأغراض والمعاني والصور والأخيلة والموضوعات، وهذه السمات كانت وما زالت معينًا يستمد منه الأدباء والمتأدبون زادًا لأدبهم زادًا لا ينفد على كر الأيام وتتابع الأجيال، أما الألفاظ والأساليب فكانت كما نقول: السهل الممتنع، كما كانت موجزة غالبًا، ومن ثَمَّ كانت كلماته حكمًا وجوامع، فإذا أطال -صلى الله عليه وسلم- فإنما كان للإرشاد وتبليغ الرسالة أيضًا، كانت ألفاظه منزهة عن الساقط والمبتذل بعيدة عن الغريب والوحشي، وكيف لا تكون كذلك وهي ألفاظ النبوة يعمرها قلب، قلبٌ متصل بجلال خالقه، يثقلها لسان نزل عليه القرآن بحقائقه، فهي إن لم تكن من الوحي ولكنها جاءت من سبيله، محكمة الفصول محدودة الفضول، إن خرجت بالموعظة قلت: أنين من فؤاد مقروح، وإن راعت بالحكمة قلت: صورة بشرية من الروح، وإذا أراك القرآن أنه خطاب السماء للأرض أراك هذا أنه كلام الأرض بعد السماء وهما بعد ذلك كأنهما سواء في سهولة الإقناع وصعوبة الامتناع.

٢.١ الحديث النبوي الشريف


هذا من جهة الألفاظ والأساليب وموقف الأدباء وموقفها من الأدباء، أما المعاني -معاني الأحاديث النبوية الشريفة- كانت الحق المنزه عن الشك والحكمة الصادقة والأدب الرفيع، وقد سبق المصطفى -عليه الصلاة والسلام- إلى معانٍ جديدة استمدها من معاني القرآن الكريم، وبخاصة المعاني العقدية والتشريعية والتي تتحدث عن الدار الآخرة وما فيها وغير ذلك من معانٍ جاهلية لم تكن معروفة في الحياة الجاهلية قبل الإسلام، ولا عجب بعد أن تكون أغراض أحاديث الرسول -عليه الصلاة والسلام- متأثرة إلى حد كبير بأغراض القرآن وموضوعاته، فكانت موضوعات أحاديثه -صلى الله عليه وسلم- تتضمن تبليغ الرسالة والدعوة إلى الحق وإلى طريق مستقيم، كما كان -صلى الله عليه وسلم- يشرع النظم الاجتماعية والسياسية ويبين العبادات وأحكامها، وكل ما فيه صلاح الفرد والمجتمع الإنساني كله، وهذا هو معنى قوله -صلى الله عليه وسلم: {{أوتيت الكتاب ومثله معه}}؛ ولذا كان كلامه كله -صلى الله عليه وسلم- حافلًا بالحكمة والموعظة الحسنة، محلقًا دومًا في سموات الفصاحة والبلاغة، وصدق من قال: إن البلاغة النبوية هي المثل الأعلى للبلاغة العربية، وإذا كان كلام الله كتاب البيان المعجز، فإن كلام الرسول سنة هذا البيان، وإذا كان البلاغ صفة كل رسول فإن البلاغة صفة محمد وحده.

٢.١ الحديث النبوي الشريف


ومن آثار الحديث النبوي الشريف في اللغة والأدب: أنه ساعد القرآن الكريم على انتشار اللغة العربية وهذّبها من الغريب والوحشي، وأضفى عليها سلاسة ورونقًا ووضوحًا، كما كان له أثره في إثراء المواد اللغوية من ألفاظ دينية وفقهية وأساليب أدبية لم تكن تستخدم من قبل هذا الاستخدام الخاص، ومن الأساليب البليغة في الأدب العربي والتي صارت من بعده مسرى الأمثال قوله -صلى الله عليه وسلم: {{إن المنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى}} {{كل الصيد في جوف الفرى}} {{رفقا بالقوارير}} {{لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين}} {{الأعمال بخواتيمها}} {{هدنة على دخن}} {{الجار قبل الدار}} {{والرفيق قبل الطريق}} {{علّق سوطك حيث يراه أهلك}} {{وعد المؤمن كأخذ باليد}} تلك طائفة من الأساليب النبوية التي سارت مسرى الأمثال.
من آثار الحديث الشريف: أنه قضى على سجع الكهان، وبذلك تخلّص النثر من مظاهر التكلف والتعسف.
من آثار الحديث النبوي الشريف: أنه كان له دور لا ينكر في توجيه العلماء والأدباء إلى النظر في الشعر العربي وجمعه وروايته، للاهتداء به في تفسير بعض الكلمات القرآنية، تحقيقًا لقول الرسول العربي {{إن من الشعر لحكمة -أو لحكمًا- فإذا ألبس عليكم شيء من القرآن فالتمسوه في الشعر فإنه عربي}} وكذلك كان يفعل حبرُ الأمة الإسلامية عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- ويقول تأسيًّا بالمصطفى -عليه الصلاة والسلام: "إذا خفي عليكم شيء من كتاب الله تعالى فالتمسوه في الشعر؛ فإنه ديوان العرب".

٢.١ الحديث النبوي الشريف


أخيرًا، ظل الحديث النبوي الشريف وسيظل منهلًا عذبًا، ينهل منه الأدباء والمتأدبون ما يجمّل أساليبهم ويلبسها رونقًا وبهاء، كما أمد الأدب بأغراض ومضامين تمَثلها الأدباء وحاولوا تقليدها باقتباس ألفاظها وموافقة معانيها، دعك من حذو البلاغة المحمدية حذوا والاستشهاد بنصوصها في ثنايا الكلام.
ولعل الموازنة بين بعض أقوال النبي الأعظم محمد -صلى الله عليه وسلم- وبعض ما قاله الأدباء في معنى واحد تظهر لك جليّا بلاغة النبي الأمي -عليه الصلاة والسلام- برغم أنَّ الشعراء الذين شاركوه المعنى كانوا متأخرين، وطبعيٌّ ألّا يقف المتأخر عند الذي قاله المتقدم، فلا بد أن يضيف فضلا عن أن الأول قد سبق إلى اختراع المعنى والوصول إليه؛ استمع إلى قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محذرًا من الغفلة والانسياق مع الهوى، يقول -عليه الصلاة والسلام: {{حبك الشيء يُعمي ويُصم}} يعني: الإنسان إذا أحب الشيء أغضى عما في مواطن عيوبه كأنه لا ينظر، وأعرض عما يستحق الإيلام والعتاب من قوله كأنه لا يسمع؛ فصار كالأعمى لتغاضيه وكالأصم لتغابيه، أخذ هذا المعنى شاعرٌ فقال:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساوي


٢.١ الحديث النبوي الشريف


وبالموازنة، نجد أن حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود؛ أجود وأدق في التعبير عن المعنى من قول الشاعر، الذي اقتصر في بيته على حاسة البصر، وجعلها ضعيفة فقط لا كما في قول المصطفى الذي زاد حاسة السمع فأحاط المعنى في إيجاز رائع.
كذلك قال أفصح البشر -صلى الله عليه وسلم: {{كفى بالسلامة داء}} فجمع المعاني الكثيرة في تلك الألفاظ القليلة، ومعنى الحديث في جملته: أن السلامة تؤدي إلى الأدواء القاتلة، فطولها يؤدي إلى موت الشهوات وانقطاع اللذات وإلى الأمراض والشيخوخة وغيرها؛ فلذلك كانت داء باعتبار ما تؤدي إليه وتوقع فيه، نظر كثير من الشعراء لهذا المعنى ونظموا فيه، ولكن بقي قول النبي -عليه الصلاة والسلام- أروع مما قال الشعراء وأبلغ وأوجز، يقول حميد بن ثور:
أرى بصري قد رابني بعد صحة وحسبك داء أن تصح وتسلم.
ومن جوامع كلمه -صلى الله عليه وسلم- التي رسمت للإنسان الحق الذي يبلّغه السعادة في الدنيا والآخرة: {{الحياء لا يأتي إلا بخير}} {{ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس}} {{إن أحبكم إليّ أقربكم مني منازل يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا, الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويُؤلفون}} {{استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهن عوان، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا}} {{إياكم وخضراء الدمن}} {{ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس}} {{اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى}}.