١.٣ موقف القرآن الكريم من الأدب الإسلامي


موقف القرآن الكريم من الأدب الإسلامي

الكلمة التي صاغ بها الشعراء الجاهليون أفكارهم ومشاعرهم قبل أن تلامسهم قلوبهم إشاعة الوحي- هي نفسها التي صاغ بها الشعراء بعد ذلك معانيهم الإسلامية، ومع ذلك فالفرق بين النتاجين بعيد كالفرق بين العَرض والجوهر، ولا تفسير لذلك إلا التغيير الجذري الذي تناول به الإسلام هذه النفوس، فبدّل فهمها للحياة وكشف غطاء بصائرها، فإذا تستقبل الأحداث بأسلوب لا يستطيع التصور الجاهلي أن يرتفع إليه.
ولتوكيد هذه الحقيقة الخطيرة أعرض عليكم هذه العبارة المخضرمة، التي تنطوي على جملة من أدق الدلالات على هذا التغيير الجذري؛ في أمثال الجاهلية القديمة قولهم: "انصر أخاك ظالِمًا أو مظلومًا" وهي عبارة رهيبة تصور واقع البشرية، كل ما انتكس فتلها، فعادت إلى مثلها الجاهلية، إنها مادة من قانون الغاب الذي يجمع فصائل الوحوش في جبهات متناحرة متفانية لغرض واحد هو الرغبة في تفوق الفصيل دون أي اعتبار للحق والعدالة، ويأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالهدى ودين الحق، فيحطم مبدأ العدوان هذا ليقيم على أنقاضه صرح القانون الرباني، الذي يهتف بالمؤمنين دائمًا وأبدًا: ((اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)) [المائدة: ٨]؛ ولذلك كان مدعاة للدهشة أن يسمعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم يقول: {{انصر أخاك ظالِمًا أو مظلومًا}}، ...

١.٣ موقف القرآن الكريم من الأدب الإسلامي


... فلا يتمالكون أن يسألوه: أفرأيت إن كان ظالمًا! كيف أنصره؟ فلا يلبث أن يأتيهم الجواب النبوي الحكيم: {{تحجزه عن الظلم؛ فإن في ذلك نصره}}، إن هنا انقلابًا عجيبًا في المفهوم الخلقي، يستتبع انقلابًا مثله في مهمة الكلمة، فلم تعد وظيفة الأدب إثارة الفتنة لمجرد التفوق القبَلي، أو الغلو في المجالات التي تسخر البيان للشر.
القرآن الكريم هو كتاب الله العزيز، ودستور السماء، ومعجزة الإنسان الكبرى، قال فيه رب العزة سبحانه: ((لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ)) [فُصِّلَت: ٤٢] ووصفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{كتاب الله؛ فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم}} نزل القرآن الكريم على النبي الأمين -صلى الله عليه وسلم- عن طريق جبريل -عليه السلام- وقد تكفل الله تعالى بحفظه وصيانته من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان.

١.٣ موقف القرآن الكريم من الأدب الإسلامي


بعث خاتم النبيين سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس كافة، فأيده الله جل في علاه بمعجزات حسية كُثر، لكن الرسل السابقين كانت رسالتهم محددة الزمان والمكان والناس، فناسب ذلك المعجزات الحسية التي تنقضي بانقضاء أحدهم، أما محمد الرسول الخاتم المبعوث للناس أجمعين، فهو في حاجة إلى معجزة أخرى، معجزة تتفق مع رسالته، معجزة لا تنقضي عجائبها ولا تخلق على كثرة الرد، معجزة تبقى ما بقيت الدعوة وتدوم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، معجزة تتجلى في كل يوم شاهدة على الرسول الأعظم -صلى الله عليه وسلم، ناطقة بعظمة الإسلام، معجزة تسمو بالعقل الإنساني وتعلو بالفكر البشري إلى سموات الارتقاء في عوالم الحق والخير والجمال، فكان القرآن الكريم معجزة النبي الخاتم -صلى الله عليه وسلم- إلى العرب من جنس ما نبغوا فيه وكانوا قادرين، ألا وهو الفصاحة والبلاغة؛ لذلك كان مثار دهشتهم حين نزل، وما لبث أن استقر في وجدانهم تسليمًا بطرائق نظمه وإجلالًا بما فيه من أساليب التعبير وروعة التصوير، حتى المعاندون منهم أدركوا ذلك وأحسوه، فكانوا كثيرا ما يجأرون: ((لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون)) [فُصِّلَت: ٢٦] وأنى لهم ذلك؟ أنى لهم ذلك وهم هم الذين كانوا يسترقون السمع ويغافل بعضهم بعضًا ليسمعوا ويستمتعوا بهذا السحر الحلال، هنا كان الحيرة في تعليل ذلك التأثر وكان التخبط، فمنهم من يقول: إنه أساطير الأولين: ((وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)) [الفرقان: ٥] وكذبوا، ((قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا)) [الفرقان: ٦] ومنهم من يقول: إنه شعر، وفريق ثالث يدعي أنه سحر. ((وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُون * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُون)) [الحاقة: ٤١- ٤٢].

١.٣ موقف القرآن الكريم من الأدب الإسلامي


وآخرون يدعون أن القرآن الكريم ما هو إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، كيف؟ كيف وقد قال الله تعالى: ((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيل * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِين * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِين * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِين)) [الحاقة: ٤٤-٤٧].
روي أن الوليد بن المغيرة استمع إلى آيات من الذكر الحكيم، تلاها عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتأثر الوليد تأثرًا كبيرًا على كفره وعناده، فبلغ ذلك أبا جهل، فاجتمع بالوليد مع نفر من قريش يسألونه أن يقول في القرآن قولًا يذيعونه بين العرب في موسم الحج؛ ليصدوهم عن الدين الجديد، فقال الوليد: ماذا أقول؟ شاعر، ما هو بشاعر! فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئًا من هذا، أقول: كاهن، والله ما هو بكاهن! لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه، قالوا: فماذا تقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو وما يعلى عليه. لكن كفره وعناده يغلبان عليه فيفكّر ثم يقدّر فيقول: إن أقرب القول فيه أن تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر؛ يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك، وتتنزل الآيات من السماء تتوعده بسوء الجزاء، وتصور ما كان من صدّ عن دين الله بدافع العناد والكبرياء، برغم الإقرار بما في الذكر الحكيم من جمال وسناء: ((ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)) [المدَّثر: ١١-٣٠].

١.٣ موقف القرآن الكريم من الأدب الإسلامي


والمتصفح للقرآن الكريم تطالعه كثيرٌ من المواقف، التي تمده بأثر القرآن الكريم ومدى تأثر الكفار والمشركين وأهل الكتاب والعامة والخاصة بهذا الكتاب المعجز، كلّ يستشعر جلاله ويحس جماله، ولا عجب فالقرآن يخاطب العقل والعاطفة معًا؛ ولذا بلغ الغاية في إقناعه وتأثيره في وقت واحد، اقرأ معي قول الحق تبارك وتعالى: ((لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ)) [المائدة: ٨٢-٨٣] نعم، لقد تعانق البيان والحق، وبهما كان التأثير والخشوع وفيض الدموع: ((اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ)) [الزُّمَر: ٢٣] ((وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا)) [الإسراء: ١٠٩] ((إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا)) [الإسراء: ١٠٧] هذا شأن كل سامع واعٍ، وكل قارئ فطن لآيات الذكر الحكيم؛ إنه يجد أسلوبًا مطّردًا في جودة الإفهام وروعته، وسهولة اللفظ ومتانته وسلامته؛ فلكل غرض أسلوبه ولكل موضوع تعبيراته؛ لذلك تنوعت أساليب القرآن الكريم وتشعبت وبالغت في المطابقة بين المقام والمقال حد الإعجاز.

١.٣ موقف القرآن الكريم من الأدب الإسلامي


إنَّ القرآن يعطي لكل حالة ما يناسبها من الإيجاز أو الإطناب والذكر أو الحذف والتقديم أو التأخير والهدوء أو الانفعال، كل ذلك في سبك محكم وإنشاء بديع وبيان سامٍ؛ فهو مثلًا إذا خاطب الخاصة أوجز وإذا حدث العامة أطنب، وإذا كان الخطاب للعربي ألمح وإذا الخطاب لغير العربي صرّح، وكثيرًا ما تجد التكرار في مواقف الاعتبار وفي تعداد النعم والتذكير بالمنعم ووجوب شكره، يقول أبو هلال العسكري في كتابه (الصناعتين): "وقد رأينا أن الله تعالى إذا خاطب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعل الكلام مبسوطًا، وقلما تجد قصة لبني إسرائيل إلا مطولة مشروحة ومكررة في مواضع متعددة، لماذا؟ لبعد فهمهم وتأخر معرفتهم".
من روائع الإعجاز في القرآن الكريم قول الله جل في علاه: ((أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ)) [الأعراف: ٤٥٤] فقد جمع في تلك الكلمات القصار معاني كثيرة، بل قل حوت شئون الخلق والتدبير، وقد أحس ذلك العربي فقال حين سمع هذه الآية: من بقي له شيء فليطلبه؟!
وانظر -بل تأمل- قول الحق تبارك وتعالى: ((خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين)) [الأعراف: ١٩٩] تجد قد استغرقت هذه الآية خصالَ الخير، استغرقت هذه الآية القصيرة خصال الخير وصفات الكمال الإنساني، وعليك أن تتصور لو شاعت وذاعت تلك الخلال في مجتمع ما، كيف تكون هيئته، ثم اقرأ القصص القرآني وتدبره، إنك واجد إيجازًا رائعًا، إيجاز بحذف جملة أو عدة جمل تدرك من السياق، فلا حاجة لذكرها، ففيها إطالة وبعد بالكلام عن أهدافه ومراميه، يقول جل في علاه في قصة موسى مع شعيب وابنتيه: ...

١.٣ موقف القرآن الكريم من الأدب الإسلامي


... ((فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير * فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين)) [القصص: ٢٤-٢٥]، أو اقرأ من قصة سليمان مع الهدهد: ((قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِين * اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُون * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيم)) [النمل: ٢٧-٢٩].
ومثل هذا كثير في القرآن الكريم نستغني عن التفاصيل أو يحذف كلمة أو جملة اعتمادًا على فطنة القارئ إلى المحذوف ودلالته، أو اكتفاء باللمحة البارقة والإشارة الدالة، حين يكون التلميح أبلغ من التصريح، حين تكون الإشارة أقوى من العبارة: ((ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد * بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيب * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيد)) [ق: ١-٣].
ثم اقرأ وتدبر كيف يصور القرآن قصر الحياة وهوانها في دقة وجمال: ((وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ)) [الكهف: ٤٥] تلك كلمات لخصت قصر الحياة في صدق وفي دقة وفي جمال؛ الصدق حين عَرضت أطوار النبات.

١.٣ موقف القرآن الكريم من الأدب الإسلامي


تلك المشاهد نفسها عرض لها القرآن الكريم في مقام آخر، مقام التذكير بنعم الله تعالى على عباده واقتداء شكره وحسن عبادته، فناسب في هذا المقام أن تأتي في أسلوب يغلب عليه الإطناب والتفصيل والبسط، لماذا؟ كي يتعظ المتلقي، كي يتأمل صنع الله الذي أتقن كل شيء، يقول الله تعالى: ((اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون)) [الروم: ٤٨] فالآية الكريمة تبسط نعمة الله في إسقاط المطر، ليحيي به الأرض وهو المشهد الأول في آية الكهف ((كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء)) إلا أنه هنا عرض في عدة جمل وفصل في عدة مراحل، فالرياح تثور لتثير السحب في السماء فتتراكم هذه السحب فيخرج منها المطر فينزل المطر من السماء، أما المشهدان الآخران فقد فصّلهما قول الحق تبارك وتعالى: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَاب)) [الزُّمَر: ٢١] فاستخدم أداة العطف ثم، فجعل الأداء ينساب في تمهّل واضح، وتفصيل ينسجم مع أطوار المطر والنباتات التي تعتريها المتغيرات في أزمان متباعدة.
على هذا النحو يسير القرآن في عرض المواقف والأغراض والموضوعات، فيجعل لكل موقف أسلوبًا يتقتضيه، ولكل غرض تعبيرًا يؤديه، ولكل موضوع ألفاظه التي توفيه على نحو من الدقة التي تبلغ حد الإعجاز.

١.٣ موقف القرآن الكريم من الأدب الإسلامي


ومما تفرد به القرآن الكريم المعجز الخالد، مما تفرد به من خصائص وسمات أنه يقصد قصدًا في مجالات البيان وميادين القول، يقصد إلى إثارة العقل والقلب معًا، في الوقت الذي يجمع بين الحق والصدق والخير والجمال، فلا تملك النفس بعد -أقصد النفس الخيرة المؤمنة- لا تملك إلا أن تتوجه حيث يأمر القرآن وتُدبر وتعرض عما نهى عنه، بل إنك لا تعدم هذا المنهج في معرض إقامة الأدلة على قدرة الله تعالى، بحيث يأخذ بمجامع القلوب ويستولي على العقول في إمتاع وإقناع متلازمين، وتأمل أية صورة من صور الإبداع الإلهي وعظمته، بل اقرأ معي تلك الآيات البينات التي تتحدث عن خلق السماء وما فيها والأرض وما عليها والمطر وما يحيي به الله من نبات وجنات، يقول جل في علاه: ((أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوج * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيب * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيد * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيد * رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوج)) [ق: ٦-١١].
آيات تخاطب العقل والعاطفة، وتثير فينا أحاسيس دافقة بقدرة الله تعالى الذي خلق السماء وبناها فأحكم بناءها وزينها بالكواكب والنجوم، والأرض بسطها ومدها وأمدها بما تحتاجه ويحتاجه أهلها، فألقى فيها جبالا ثوابت شامخات تحفظها أن تميد بنا، ثم أمد الأرض بمقومات الحياة، فخلق النبات وأنزل من السماء ماء مباركًا لتنبت به الجنات والنخل الباسقات، كل ذلك وغيره كثير وكثير يفيض به الذكر الحكيم.

١.٣ موقف القرآن الكريم من الأدب الإسلامي


جمع القرآن الكريم العرب على لهجة واحدة هي لهجة قريش، فأتم سيادتها وجعلها لغة واحدة ينطق بها المسلم في كل بقاع العالم الإسلامي، فتلاوة القرآن فرض مفروض على كل مسلم، وبذا ضمن القرآن للغة العربية البقاء والخلود إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كما أتاح القرآن الكريم للغة العربية أن تثرى بألفاظ ومعان جديدة مثل: الفرقان الإسلام الكفر الإيمان الصلاة الصوم الركوع السجود الزكاة الحج وغيره، أضف إلى ذلك: أن القرآن الكريم قد تشعبت منه علوم جمة كعلوم القرآن والقراءات والفقه وأصوله، ومن أثره كذلك: أنه هذب اللغة من الوحشي والغريب وأقامها على هذا الأسلوب المعجز من البيان والبلاغة، وعلى بصيرة من أسلوب القرآن وروعته نهجَ الخطباء والكتاب والشعراء يمتحون من معين القرآن الكريم، يصوغون آثارهم الأدبية مهتدين بدقة الكلمات وجمال العبارات وروعة التصويرات، ولا يزال أدباء العرب وسيظلون ينهلون من فيضه الثرّ ما يقوّم ألسنتهم ويكفل لهم جودة القول دونما تكلف ولا تعمل.