١.٢ التحول الحضاري للأدب بعد الإسلام


التحول الحضاري للأدب بعد الإسلام
ظهور الإسلام كان أكبر حدث غيّر وجه التاريخ، وإليه يرجع أبلغ الأثر، إذ حولهم من أعراب بدو يدينون بالمعتقدات الباطلة ويؤمنون بالخرافات الفاسدة، إلى أمةٍ تستحق أن تنهض بمسئولياتها الجسام على ظهر البسيطة فتنشر الإيمان والعدل والنور في بقاع المعمورة، ولا عجب فقد كان الإسلام بتعاليمه ومُثله وغاياته ثورةً على الحياة الجاهلية بكل صورها ومظاهرها -عقديّا وسياسيّا واجتماعيّا- دعاهم إلى عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
فلا العزى أدين ولا ابنتيها ولا صنمَي بني غنم أزور
ولا هبلا أدين وكان ربّا لنا في الدهر إذ حلمي صغير

ولا ود ولا سواع ولا يغوث ولا يعوق ونسرًا، ولا عبادة للكواكب أو غيرها مما يشي بالتخبط الشديد في ظلمات الجهل، وفي فساد العقيدة لقد دعا الإسلام إلى إعمال العقل والتفكير الصحيح، وتوجيه الأذهان إلى النظر والفهم والتدبر؛ بغية الوصول إلى وجود الخالق سبحانه، والوقوف على دلائل وحدانيته وقدرته جل وعلا: ((وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم)) [البقرة: ١٦٣]، ...

١.٢ التحول الحضاري للأدب بعد الإسلام


... ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون)) [البقرة: ١٦٤]، وقد تبع ذلك أن وجّه الإسلام المسلم إلى أن يكون عضوًا عاملًا نافعًا في مجتمع قويم، أساسه التضامن الاجتماعي والتكافل الإنساني، فكانت الدعوة إلى البر بالفقراء والمساكين، وصلة الرحم وحسن الجوار، والنهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحريم الزنا وشرب الخمر والربا والسرقة والقتل، وما إلى ذلك؛ مما يكوّن منهجًا وسلوكًا ليحيى الإنسان على ما يأتي ويذر في دنياه الفانية الزائلة؛ افعل ولا تفعل.
والمتصفح للقرآن الكريم يقرأ الآيات الكثيرة، التي ترسم للإنسان هذا السلوك السليم والصراط المستقيم: ((قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون * وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)) [الأنعام: ١٥١- ١٥٣]، ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون)) [النحل: ٩٧]، ((لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)) [النساء: ١٢٣، ١٢٤].

١.٢ التحول الحضاري للأدب بعد الإسلام


وكما جمع الإسلام أتباعه تحت مظلة وحدة العقيدة، وردهم إلى فطرهم الخيرة، وأرشدهم إلى ما فيه سعادتهم دنيا وآخره- جمعهم كذلك تحت حكمٍ واحد لا يدينون ولا يخضعون إلا لأولي الأمر، الذين يحكمون بما أنزل الله، فلا عصبية ولا تعصّب ولا عرف ولا هوى، بل بدل بذلك كله الولاء للإسلام واعتناق تعاليمه، وبدل بالأخوة في الدم الأخوة في الإسلام، ومن ثم أضحى الإسلام دستورًا يُلتمس فيه وبه الحق والعدل والأمن والسلام.
كان لا بد إذن أن تنفعل أحداث العرب بالحدث الخطير أعني الإسلام فتنقلب شريعة القوة والظلم والاسترسال مع الشهوات.
ولا يخفى أثر ذلك كله في تكوين مجتمع فاضل متماسك يسوده العدل وتربطه عُرى المحبة والتعاون والمساواة، فلا فضل لعربي على أعجمي ولا لأسود على أبيض، إلا بالتقوى والاجتهاد في الطاعات والتقرب إلى الله سبحانه بصالح الأعمال وخالص النوايا