١.١ الإرهاصات للأدب الإسلامي قبيل الإسلام
الإرهاصات للأدب الإسلامي قبيل الإسلام
لقد كانت رسالة الكلمة هي أول ما انطلقت على ألسنة النبيين والمرسلين، وكانت الكلمة وسيلتهم البليغة إلى فطرة الإنسان، يذكّرونها ما نسيت ويفجرون فيها ما غاص من المواهب القابلة الاتسام المتفاعلة مع الحق، ثم انتقلت هذه الكلمة النقية -وما تزال تنتقل- انتقلت عبر أعوان النبيين والمرسلين، وتنتقل عبر حوارييهم إلى جماهير البشر، على امتداد الأزمنة والأمكنة، تضيء البصائر وتحيي موات القلوب، وتقيم حجة الله على الخلق، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، بذلك -وعلى ذلك- تمضي مسيرة الإنسان على الطريق الأقوم، إلى أن يتسلل الشيطان إلى مواطن الضعف من الإنسان، فتنقلب الحياة إلى ميدان صراع بين الطيب والخبيث، بين الغث والسمين، ولكل رجالاته ودعاته، فإذا بالكلمة طريقان طريق القادة والمصلحين، وطريق الفسدة والشياطين.
وعلى هذا النحو تمضي الحياة، وتظل الحرب بين الفريقين سجالًا، لا تكاد تخبو حتى تعود للاشتعال والاتقاد، والأدب العربي الذي هو صورة الإنسان العربي ومرآة حيوته كلها -بما تنطوي عليه من قوة وضعف وخير وشر وصعود وهبوط- الأدب العربي جزءٌ من التراث الإنساني يحمل مميزاته ويتسم بسماته.
١.١ الإرهاصات للأدب الإسلامي قبيل الإسلام
ولكي نتصور دور هذا الأدب قُبيل الإسلام على المستوى الإنساني يحسن بنا أن نقف على واقع هؤلاء العرب، العرب الذين هم جزء من العالم الذي وصفه ربنا -عز وجل- في قوله سبحانه: ((ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون))
[الروم: ٤١] وقَفَنا هذا الوصف على مدى الفساد الذي عم البسيطة جمعاء، في الفترة التي سبقت اتصال الأرض بالسماء، عن طريق الرائد الذي اصطفاه مولاه ليهدي القطعان الضالة إلى الهدى والرشاد، ويقودهم إلى الملاذ الآمن؛ إنه فسادٌ استحوذ على كيان الإنسان في كل مكان، جزاء وفاقًا لانحرافه عن جادة الوحي العاصم إلى السبل التي تفرقت بالناس عن سبيل الله جل في علاه، ويا لها من عقوبة علَّها تردع المنحدر عن مواصلة الهُوي، ليرجع إلى الصراط المستقيم تائبًا منيبًا، لكنها الغفلة المستحكمة، ساروا في غيها فاستمر الانحدار وتكاتف الظلام، حتى تلاشت أو كادت بقايا النور والهدى، كان هذا هو واقع العرب قبيل نزول فجر السماء قبيل الإسلام، واستمع إلى الرسول الخاتم -صلى الله عليه وسلم- الذي لا ينطق عن الهوى، حين يقول مؤكدًا هذا الواقع ومتممًا لوصف تلك المرحلة الهاوية، يقول -صلى الله عليه وسلم- من حديث صحيح أخرجه مسلم: {{إن الله اطلع على أهل الأرض, فمقتهم عربهم عجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب}}.
وما كان الله جل وعلا ليمقت عبدًا خلقه بيديه, وأكرمه بإسجاد ملائكته له وفضله على كثير ممن خلق، ما كان ليمقته إلا إذا آثر هذا العبد لنفسه مفارقة توجيهات خالقه سبحانه، هذه التوجيهات التي ضمنت وتضمن سلامته وخلاصه وسعادته: ((فَإِمّا يَأتِيَنّكُمْ مِنِّي هُدَى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى)) [طه: ١٢٣].
١.١ الإرهاصات للأدب الإسلامي قبيل الإسلام
أقول: على هذا النحو كان الإنسان مغلولًا بمفاسده مستحقّا لمقت ربه، إلا أن رحمة الله التي وسعت كل شيء عوّدت عباده ألا تنطمس معالم النبوة في الأرض حتى يدركها بنور جديد، نور يصل من قطع صلة الأرض بالسماء، وهكذا كان مبعث سيد ولد آدم أعظم -عليه الصلاة والسلام- أعظم هدايا السماء للأرض، به صلى الله عليه وسلم أعاد للإنسانية وحدتها السليبة، وبرسالته هداهم للتي هي أقوم، في كل مناحي الحياة، على نحو يحل لهم كل معضل من مشكلاتهم اليومية، على الوجه الذي يوفّر لهم الأمن ويحقق لهم العدل: ((يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ)) [المائدة: ١٦].
فإذا استشرفنا الأدب العربي خلال تلك الفترة، وجدناه قد استحال في جملته ترانيم وثنية ودعوة لعبادة الجسد، وقصصًا للبطولات -بطولات في سبيل الشهوات- وأناشيد حربية، تشيد بالظلم والظالمين والقتلة والمجرمين؛ استحال الأدب العربي أساطير لمعبودات صنعها الإنسان الضائع من الحجر والخشب والطين، فإذا أردت التمثيل الدال والكلمة الجامعة قلتُ:
كان الأدب العربي في معظمه يغذي بدور الشر، ويعبر بصدق عن تلك الحياة القبلية التي يمثّلها قول الشاعر الجاهلي:
|
وهل أنا إلا من غُزيّة إن غوت |
غويت وإن ترشد غزية أرشد |
١.١ الإرهاصات للأدب الإسلامي قبيل الإسلام
واقرأ قول شاعر تغلب:
|
إذا بلغ الرضيع لنا فطاما |
تخرّ له الجبابر ساجدينا |
|
ونشرب إن وَردنا الماء صفوًا |
ويشرب غيرنا كدرًا وطينا |
|
بغاةً ظالمين وما ظُلمنا |
ولكنا سنبدأ ظالمينا |
والمتأمل في بعض أشعار الجاهليين، يعثر في غير عناء على نماذج أدبية شعرية، تحمل لمحات من عبير الخير، وتشي بالفطرة السوية: ((فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)) [الروم: ٣٠] تلمس من خلال هذه النماذج ضيق أصحابها بتلك الضلالات التي ألِفها الأكثرون، وأكثر ما تجد ذلك عند بعض الحنفاء والمتألهين، مثل أمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وقس بن ساعدة وزهير بن أبي سلمى وسواهم.
هذه الأمثلة وتلك النماذج وغيرها، كانت جديرةً بأن توقظ ضمائر السادرين في الغي، وتدفعهم إلى التأمل والتفكر ونقد الذات، لكن هذه النماذج -على كثرتها- لم تستطع أن تترك حيّزا ذا بال -تأثيرًا وتغييرًا- في مواجهة الخضم المتلاطم الأمواج في الجاهلية، من التعصب القبلي والغارات المستمرة وعبادة الأوثان والشر المستطير الذي كان ظاهرة عامة في العصر الجاهلي، وقبيل بزوغ فجر الإسلام.
١.١ الإرهاصات للأدب الإسلامي قبيل الإسلام
غير أن هذه النماذج كانت لمحات بارقة، تكمن أهميتها في دلالاتها على تململ النفوس السوية من تلك الأوضاع الشائنة، وتطلعها إلى المنقذ الذي يخلصهم من هذه الضلالات، مما يعد إرهاصًا باقتراب الفجر - فجر داعي السماء.