٢.٣ اتجاه شديد الاستغراب في الأدب الحديث
ظهور الاتجاه الابتداعي العاطفي
بعد سنوات من بداية تلك الفترة السابقة، وبعد أن أصيب الاتجاه الشعري الأول، وهو المحافظ بالتجمد، ومني الاتجاه الثاني، وهو التجديد الذهني بالانحسار، وكانت الظروف مهيأة لنشأة اتجاه شعري جديد، وانطلاقه مما أصاب الحياة الشعرية من تجمد على أيدي البيانيين، ومن انحسار على أيدي الذهنيين، وإذا كنت قد سميت الاتجاه الأول: الاتجاه المحافظ البياني نظرا لميله إلى المحافظة على القيم الشعرية التي خلفتها عصور الازدهار ثم لاهتمامه بالناحية البيانية قبل كل شيء أي في التعبير الشعري وإذا كنت قد سميت الاتجاه الثاني: الاتجاه التجديدي الذهني نظرا لاهتمامه بالتجديد في مفهوم الشعر، وأسلوبه، ووظيفته ثم لإبرازه الجانب الفكري في مضمون الشعر.
أقول: إذا كنت سميت الاتجاهين السابقين على هذا النحو فإني أميل إلى تسمية هذا الاتجاه الثالث: بالاتجاه الابتداعي العاطفي نظرا لكون الشعر السائر في هذا الاتجاه لا يتسم بالتجديد فحسب، وإنما يتجاوزه للابتداع المنطلق المتحرك، ثم لكون هذا الشعر يجيش بالعاطفة الحارة المتدفقة لا بالبيان المنمق، ولا بالذهن المتفلسف، وسوف تتضح تلك التسمية بصورة أكثر جلاءً حين أعرض للخصائص الفنية لهذا الاتجاه، أما تلك الظروف التي هيأت التربة لظهور هذا الاتجاه، وجعلت منه اتجاها ضروريا في ذلك الحين ضروريا لسد الفراغ في الحياة الفنية فأهمها ذلك الصراع الذي كان قد احتدم بين المحافظين البيانيين، وعلى رأسهم شوقي، وبين المجددين الذهنيين، وعلى رأسهم العقاد.
٢.٣ اتجاه شديد الاستغراب في الأدب الحديث
وقد كان رواد هذا الاتجاه من شعراء الشباب في ذلك الحين مثقفين ثقافة أوربية، ومجيدين بصفة خاصة للغة الإنجليزية متعلقين بصفة أخص بشعر الرومانتيكيين الإنجليز فأحمد زكي أبو شادي الذي يعتبره عدد من الدارسين رائد هذا الاتجاه كان قد عاش في إنجلترا نحو عشر سنوات لإتمام دراسته في الطب، وكان مفتونا ببعض الشعراء الرومانتيكيين الإنجليز، وإبراهيم ناجي الذي كان يعد من أهم معالم هذا الاتجاه إن لم يكن أهمها جميعا كان من المجيدين للغة الإنجليزية، ومن أقوياء الصلة بالشعر الإنجليزي الرومانتيكي بالإضافة إلى معرفته بالفرنسية، وقراءته لبعض الشعراء الفرنسيين، ومحمد عبد المعطي الهمشري الذي يمثل أبرز خصائص هذا الاتجاه كان أيضا يقرأ الشعر الإنجليزي، ويتمثل بعض خصائص شعرائه الرومانتيكيين.
وكذلك علي محمود طه، وقد كان على علم بالإنجليزية، والفرنسية، وله قراءات في شعرهما، وبخاصة الشعر الرومانتيكي، ومثله صالح جودت، وحسن كامل الصيرفي، وكذلك نرى هؤلاء الذين يعتبرون الدعامات الأولى لهذا الاتجاه كانوا جميعا ممن يقرءون الشعر الرومانتيكي ضمن ما يقرأون من الأدب الأوربي، وكان لهم ميل خاص إلى، وردز ورس وبيرون، وشيدي، وكدس، والرومانتيكيين الإنجليز، بل إن بعض رواة هذا الاتجاه الابتداعي العاطفي كان مفتونا ببعض هؤلاء الرومانتيكيين لدرجة تشبيه نفسه به، واتخاذ حياته نمطا لحياته.
٢.٣ اتجاه شديد الاستغراب في الأدب الحديث
فأبو شادي مثلا كان يرى في حياة كدس صورة لحياته، وكان يتحدث عن هذا الشاعر الإنجليزي، وكأنه يتحدث عن نفسه، وكان يرى في تلك المشابهة عزاء عما يعانيه من اضطهاد، وعدم تقدير، ومما قاله في ذلك عن كدس: "إن أساليبه، ونزعاته التجريدية لم ترض جمهرة الأدباء في البداية، ولكنها استحالت فيما بعد إلى مفخرة من مفاخر الأدب الإنجليزي، وأن شخصيته الأدبية القوية لم تهضمها البيئة، ولا المطالعات بل هو الذي هضمها، وأن المواهب الجديدة قد لا يعترف بها اعترافا منصفا إلا بعد زوال صاحبها، وعلى الأخص إذا كان من الشباب؛ لأن الناس غالبا عبيد ما تعودوا".
التأثر بأدب المهجر
قد كان هذا العامل كبير الأثر بصفة خاصة عند الشعراء المحبين لهذا الاتجاه العاطفي، ولكنهم لا يجيدون لغة أجنبية، ولا يستطيعون الإفادة من الشعر الرومانتيكي في لغته الأصلية، ومعروف أن أدب المهجر المبكر الممثل في نتاج جبران خليل جبران يغلب عليه الطابع الرومانسي برغم أن معظمه نثر، ومعروف أيضا أن أهم شعراء المهجر قد التقوا في دعوتهم التجديدية بدعوة المجددين المصريين الذي رادها العقاد وشكري، والمازني غير أن هؤلاء المهجريين كانوا أكثر من شعر المجددين انطلاقا، وتحررا كما كان أقل ذهنية، وأغزر عاطفية أو بعبارة أخرى كان أشبه بشعر الرومانتيكيين الغربيين ثم إن أدب المهجر نثرا، وشعرا كان قد بدأ يذاع في مصر خلال كتب هؤلاء المهجرين، ودواوينهم، وقصائدهم التي كانت تنشر في بعض المجالات الأدبية حينذاك مثل الهلال، والمقتطف.
٢.٣ اتجاه شديد الاستغراب في الأدب الحديث
ومن هنا كان هذا الشعر أحد العوامل التي هيأت لظهور هذا الاتجاه الابتداعي العاطفي، وكان أكثر المستفيدين من الشعر المهجري هؤلاء الشعراء الابتداعيين العاطفيين الذين لم يتح لهم حينذاك الاتصال المباشر بالشعر الرومانتيكي الغربي ربما كان الشعر المترجم الذي كان ينشره العقاد، وشكري، والمازني، وغيرهم عاملا مشابها لهذا العامل من حيث التأثير على طائفة من شعراء الشباب الذين تطلعوا إلى الابتداع، وفاضوا بالعاطفة، وآثروا هذا الاتجاه الشعري الثالث دون اتصال مباشر بروافد ثقافية أجنبية بل اعتمدوا إلى درجة كبيرة على الشعر المترجم عن الرومانتيكيين كما اعتمدوا على شعر المهجر المشبه بدوره لشعر هؤلاء الرومانتيكيين.
هذا، وقد ألف بعض الباحثين أن يحددوا تاريخ ظهور هذا الاتجاه بظهور مجلة أبوللو سنة ألف وتسعمائة واثنين وثلاثين، وتكوين جمعيتها في العام نفسه باعتبار أن أهم شعراء هذا الاتجاه كانوا من بين جماعة أبوللو أو ممن ينشرون شعرهم على صفحات مجلتها، وينالون تشجيع مؤسسها الدكتور أبي شادي كذلك برز بعض الباحثين على تسمية هذا الاتجاه باسم جماعة أبوللو باعتباره قد انبثق من خلال تلك الجماعة التي أسسها أبو شادي، وبالغ البعض فسمى الاتجاه مدرسة أبوللو، والحق أن هذا الاتجاه قد ظهر قبل ظهور مجلة أبوللو، وتأسيس جمعيتها بسنين حيث كان رواد هذا الاتجاه ينشرون شعرهم قبل ظهور تلك المجلة في صحف ذلك العهد التي كانت تعني بالأدب كالسياسة الأسبوعية، والبلاغ الأسبوعي، وكالمصور، والهلال، والمقتطف، وغيره.
٢.٣ اتجاه شديد الاستغراب في الأدب الحديث
ويمكن اعتبار سنة ألف وتسعمائة سبع وعشرين تاريخ ظهور هذا الاتجاه ففي هذا العام أخرج الدكتور أحمد ذكي أبو شادي ديوان (الشفق الباكي) الذي يمثل إلى حد كبير كثيرا من خصائص هذا الاتجاه، وفي نحو هذا التاريخ كان علي محمود طه، وإبراهيم ناجي ومحمد عبد المعطي الهمشري، وصالح جودت، وحسن كامل الصيرفي ينتجون طلائع شعرهم الثائر في هذا الاتجاه، ويحاول بعضهم نشره في صحف ذلك العهد على أن بعض هؤلاء الشعراء قد سبق هذا التاريخ الذي حدد ابتداء لظهور هذا الاتجاه، ونشر بعض شعره مبكرا كأبي شادي الذي أخرج ديوانه الأول عام ألف وتسعمائة وإحدى عشرة باسم (أنداء الفجر)، وكعلي محمود طه الذي نشرت له قصيدة في السفور سنة ألف وتسعمائة وثمانية عشرة.
غير أن هذا الشعر المبكر لا يحمل طابع ذلك الاتجاه العاطفي، ونسب إلى شعراء صاروا فيما بعد من كبار الابتداعيين العاطفيين فديوان أبي شادي الأول، وما تبعه من دواوين قبل (الشفق الباكي) شعر مليئا بالتقليدية، والمحاكاة لشوقي، وغير شوقي من الشعراء المحافظين، وإن ضم بعض لمحات من التجديد أو الابتداع، وقصيدة علي محمود طه يغلب على أنها ككل ما له من شعر مبكر إن اتسم بعضه بالعاطفة الحزينة، وبعض لمحات الابتداع، وهو لا يمثل خصائص هذا الاتجاه الابتداعي العاطفي ذي السمات المعينة في الموضوعات، والأسلوب، والقيم الشعورية، والفنية المختلفة التي لم تتهيأ الظروف لإبرازها قبل سنة ألف وتسعمائة وسبع وعشرين.
٢.٣ اتجاه شديد الاستغراب في الأدب الحديث
خصائص مدرسة أبوللو
في القاهرة من سبتمبر عام ألف وتسعمائة اثنين وثلاثين اتفقت طائفة من الشعراء، والأدباء، والنقاد على ميلاد مدرسة جديدة في الشعر بريادة الدكتور أحمد زكي أبو شادي، وهي مدرسة أبوللو، ومن هؤلاء أحمد محرم، وإبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، وكامل كيلاني، وأحمد ضيف، وعلي العناني، وأحمد الشايب، ومحمود أبو الوفا، وحسن كامل الصيرفي، وغيرهم، واختير أمير الشعراء أحمد شوقي رئيسا لها، ثم توفي بعد أشهر فاختير الشاعر خليل مطران رئيسا لها ثم أصدرت الجماعة مجلة تحمل اسمها، وتذيع أدبها، وتدافع عن مبادئها، وكانت أول مجلة خاصة بالشعر، ونقده، ويكشف أبو شادي عن أهدافها فيقول في صدر العدد الأول: "نظرًا للمنزلة الخاصة التي يحتلها الشعر بين فنون الأدب، ولما أصابه، وأصاب رجاله من سوء الحال بينما الشعر من أجل مظاهر الفن، وفي تدهوره إساءة للروح القومية لم نتردد في أن نخصه بهذه المجلة.
صلة أبوللو بالرومانسية
اتخذت أبوللو الاتجاه الرومانسي في الشعر؛ لأنهم ثاروا على التزام الكلاسيكية في القصيدة بالصياغة الجيدة، والتعبير الفصيح، ومحافظتها على القواعد في الآداب القديمة، وجعلها المثال المحتذى، وإهمال العاطفة أمام القيود السابقة لذلك ثار الاتجاه الرومانسي على ذلك، ونادى بتحطيم القيود الكلاسيكية، وراعى العاطفة، والحرية، والبساطة، والوحي، ...
٢.٣ اتجاه شديد الاستغراب في الأدب الحديث
... والخيال الشرود، والخروج على القواعد اللغوية، والفنية المتوارثة، والهيام بالطبيعة، والريف، والذاتية في الشعر، والتحرر من أثقال المادة، والفطرة، والإلهام في الشعر، وإشاعة الألم، والقلق، والحزن، والسأم.
- خصائص الشعر عند هذه المدرسة:
وتظهر مبادئ مدرسة أبوللو التي تعمل على نهضة الشعر العربي، ورقيه، ومواصلة تقدمه، ومتابعته لمذهب التجديد في العالم، وهذه الأهداف كما أعلنتها هي:
 |
السمو بالشعر العربي، وتوجيه جهود الشعراء توجيها شريفا. |
 |
مناصرة النهضات الفنية في عالم الشعر: |
 |
ترقية مستوى الشعراء ماديا، وأدبيا، واجتماعيا، والدفاع عن كرامتهم. |
أما القيم الفنية عندهم في القصيدة فخصائصها هي:
٢.٣ اتجاه شديد الاستغراب في الأدب الحديث
الصدق في التجربة الشعرية التي تصدر من أعماق الشاعر، ومدار روعتها في القصيدة كما يقول السحرتي في تواؤم تجربتها الشعرية مع صياغة هذه التجربة، وليست عندهم استجابة عارضة أو طارئة لفكرة ما.
الوحدة العضوية: ولا تعني عندهم في القصيدة وحدة الموضوع، وهو ما دل عليه العقاد في مدرسته بل لابد من وحدة عضوية فالقصيدة في نظرهم بنية عضوية حية تتفاعل عناصرها تمتزج بعضها بالبعض، وتنمو العناصر نموا داخليا حتى يتكامل الموضوع، ويتم على أكمل وجه، وفي أجمل نسق، وذلك مثل الأعضاء في جسد الإنسان القوي النامي الحسن المنظر، وتظهر في قصيدة الأطلال لناجي الذي يقول فيها:
|
أعطني حريتي أطلق يدي |
إنني أعطيت ما استبقيت شيا |
|
آه من قيدك أدمى معصمي |
لم أبقيه، وما أبقى عليا |
|
ما احتفاظي بعهود لم تصنها |
وإلى ما الأمر، والدنيا لديا |
الصورة الأدبية: ولا تعني هذه المدرسة بالصورة الأدبية التعبير باللفظ، والتركيب فقط بل تعتمد على التعبير بالصورة الأدبية فهي الوسيلة الوحيدة التي تستطيع أن تنقل ما في أنفسهم من تجربة عميقة إلى الآخرين في القصيدة يقول ناجي عن الصورة: "وأما الصورة الشعرية تعني أنها حين تقرأ للشاعر قطعة من شعره يكون الشيء، وكأنه مرسوم أمامك بوضوح شديد، ومجسم بارز تجاه بصرك".
ويقول أيضا: "الأسلوب التصويري في مذهب الصوريين هو من مظاهر التطور في الأدب الأوربي الحديث، ويبني الصوريون مذهبهم على أن الأدب يجب أن يكون صورا متلاحقة مضغوطة، وقد بالغوا في ضبط صورهم، وتفننوا حتى حملوا الكلمة صورا مجتمعة لا صورة واحدة، وقادهم ذلك إلى الرمزية".
الإيحاء في اللفظ: لابد أن يكون اللفظ للصورة عندهم موحيا تتعدد معانيه، والكلمة مشعة ترسل خيوطها العميقة في كل مكان، فإن كثرة المعاني والاتجاهات للكلمة الواحدة تكتب للقصيدة الخلود، وتبقى القصيدة حية متجددة تجد موقعا حسنا من كل قارئ فيفسرها حسب ذوقه، وعمق فكره، ولذلك بقيت قصائد شكسبير، وغيره خالدة؛ لأنهم اهتموا بوحي الألفاظ، وهي رسائل كثيرة، وأشعار متعددة مثل قصائد (محترقة) لناجي، و(البحر والقمر) لعلي محمود طه، و(مناجاة) للشابي يقول فيها:
|
أنت يا شعر فلذة من فؤادي |
تتغنى وقطعة من وجودي |
|
فيك ما في جوانحي من حنين |
أبدي إلى صميم الوجود |
|
فيك ما في طفولتي من سلام |
وقنوع، وغبطة ومعودي |
|
فيك ما في شبيبتي من أمان |
باسمات، ومن غرام سعيد |
الهيام بالطبيعة: إنهم أحبوا الطبيعة قد، وجدوا فيها القلب الحنون والأم الرءوم كارهين صخب المدينة، وضوءها فعشقوها عن حب، وعانقوها عن هيام فأحبوها، وأحبتهم، وألفوها، وألفتهم، وحدثوها، وحدثتهم عن أسرار الجمال فيها، وسحر الوجود منها يقول محمود غنيم:
|
نبهوني لدى السحر نبهوني |
|
وضعوني على النهر، ودعوني |
|
أنا والماء والشجر في سكون |
|
أملأ السمع، والنظر بالفنون |
|
ثم أفضي إلى القمر بشجوني |
البناء الفني في القصيدة:
قد أيد الشعر المرسل وتعدد الوزن، والقافية في القصيدة الواحدة، وأيد الشعر الحر الذي لا يلتزم بحرا، ولا قافية، وقد يلتزم تفعيلة واحدة تتكرر مرة أو مرتين أو ثلاث، وقد لا يلتزم مطلقا وكذلك أبدعوا في الشعر القصصي، والأقصوصة الشعرية، وتحرروا بصفة عامة في الشكل، والمضمون من مذهبه الفني للفن، والفن للحياة، ومن القيود الكلاسيكية، ولكن هذه المحاولة هي الأخرى لم تصادف أي نجاح في شعر أصحاب هذا الاتجاه، ولذا عدل عنها، وعن مثيلتها الدكتور أحمد زكي أبو شادي الذي كان أكثر شعراء هذا الاتجاه جرأة في محاولة التجديد في موسيقى الشعر.
هذه أهم خصائص هذا الاتجاه في الموضوعات، وفي الأسلوب، وطريقة الأداء، والموسيقى، والقالب الفني.
٢.٣ اتجاه شديد الاستغراب في الأدب الحديث
خصائصه من حيث المضمون، ومصادر المضمون
أما خصائصه من حيث المضمون فأولها: غلبة الجانب الوجداني على المضمون الشعري بحيث تبدو العاطفة أوضح خيط في نسيجه أو بحيث تمثل أهم ما عند الشاعر، وأبرز ما يحاول نقله إلى الآخرين، والخاصة الثانية: هي غلبة طابع الحزن على تلك العاطفة بحيث تصدر عن أسى، ومرارة حينا وعن يأس، واستسلام حينا آخر، وتثير الشجن، والحزن في كثير من الأحايين، والخاصة الثالثة: هي فردية النزعة بحيث يعبر الشاعر في الأعم الأغلب عن أحاسيسه هو، ويهتم بهمومه الفنية، ولواعجه الذاتية، وشئونه الخاصة على، وجه العموم.
وقلما التفت الشاعر في فترة ظهور هذا الاتجاه إلى أحاسيس الجماعة أو اهتم بالأمور الوطنية، والقومية، وحين اهتم بعض الشعراء بتلك الأمور فيما بعد كانت دائما في ظل المحل الثاني، ونتيجة لهذه النزعة العاطفية الذاتية المنطوية الحزينة جاءت دواوين شعراء هذا الاتجاه الأول تحمل عناوين توحي بالانطواء والذاتية، وتسبح في جو عاطفي حزين, فناجي يسمى ديوانه (من وراء الغمام) ليوحي بأنه شاعر محلق في سماء الشعر، وأنه بعيد عن الأرض ناء عن الدنيا، وأنه غير مبتهج في هذا التحليق، وإنما هو وراء غمام من الهموم القاطبة تجعله يرى كل شيء، وقد اكتسى غلالة رمادية أو تجعله لا يرى شيئا على حقيقته بعد أن حال الغمام بينه، وبين الأشياء.
٢.٣ اتجاه شديد الاستغراب في الأدب الحديث
أهم مصادر تلك الخصائص: هذه هي أهم خصائص الاتجاه، وليس من شك بأن كثيرا منها قد أفاده شعراؤه من ثقافتهم الأجنبية التي وصلتهم بنتاج شعراء الرومانتيكية الغربية وبخاصة الإنجليز، وقد مضى ما يوضح صلتهم بشعر هؤلاء الشعراء، وإعجابهم به، وقد تمثل تأثرهم بهؤلاء الرومانتيكيين في أكثر من جانب كالاهتمام بموضوعي الطبيعة، والحب، والاتجاه إلى موضوع الحنين، وإلى مواطن الذكريات، ولا للإكثار من الشكوى، وبث الحزن ثم إلى النزعة العاطفية المنطوية، والروح الهاربة على أجنحة الخيال، وأخيرا الثورة على الأساليب المحافظة، واصطناع أساليب مبتدعة.
وليس من شك أيضا في أن هذا الاتجاه كان اتجاها بعيدا عن الواقع قد أفاد شعراؤهم من صلتهم بنتاج الشعراء الرمزيين، وقد مضى أيضا على ما يوضح أن أعلام هذا الاتجاه الابتداعي العاطفي كان على صلة بشعر بدرين، وفرلين كذلك كان أحمد زكي أبو شادي يشيد بقيمة بعض هذه الخصائص الرمزية في التعبير، ومن المأثور عنه قوله:
كلما سما الفن كان رمزيا في بلاغته.
٢.٣ اتجاه شديد الاستغراب في الأدب الحديث
ريادة هذا الاتجاه
هذا وقد درج بعض الباحثين على اعتبار الدكتور أحمد زكي أبو شادي رائد هذا الاتجاه، وأستاذ الثائرين فيه، والحق أن الدكتور أبا شادي كان من أوائل المتحمسين لهذا الاتجاه كما كان أكثر أصحابه تشيعا، وأخذا بيد الشبان المتجهين إليه وقد صنع من أجل ذلك الكثير فأصدر مجلة أبوللو لتتيح لهم فرصة النشر بجانب الشعراء الكبار كما ألف جماعة أبوللو ليعلو فيها صوت هؤلاء الشعراء الشبان إلى جانب ما كان يزحم الحياة الأدبية من أصوات كما ساعد على نشر دواوين هؤلاء الشعراء الشبان الجدد، وإذاعة نتاجهم، والدفاع عنهم.
إلا أنه مع سبقه، وتحمسه، ومع كل ما كان له من جهود خيره لم يكن أقوى شعراء هذا الاتجاه شاعرية، ولا أعظمهم فنا، وإن كان أكثرهم خدمة للاتجاه، وأكثرهم نتاجا بين أصحابه، وقد اتسم نتاجه بالعفوية، والتلقائية، وعدم التجويد المبني على المراجعة فجاء غير محافظ على المستوى الفني المرضي حيث ارتفع بعضه إلى درجة الشعر الجيد، وانحط بعضه إلى مهاوي النظم الرديء، وجاء كثير منه على سطحية في الفكر أو نثرية في التعبير أو برودة في العاطفة مما لا يدفع بصاحبه إلى الصف الأول من بين شعراء هذا الاتجاه برغم ما نرى من مجاملة بعض رفاقه عنه وحديثهم عنه كرافع لواء التجديد في هذا الاتجاه.
٢.٣ اتجاه شديد الاستغراب في الأدب الحديث
والحق أنه إذا كان شوقي قمة الاتجاه المحافظ البياني، وإذا كان العقاد قمة الاتجاه التجديدي الذهني فإن ناجي هو قمة الاتجاه الابتداعي العاطفي، وذلك لطاقته الضخمة، ونتاجه الأجود، وفنه الأسمى على أن هناك شاعرًا قد مات في عمر الورد، ولو قدر له أن يعيش كما عاش رفاقه لانتزع لواء هذا التجديد، وهذا الاتجاه، وتربع على عرش فنه هذا الشاعر هو محمد عبد المعطي الهمشري الذي نرى نتاجه الأقل كما من نتاج رفاقه يمثل إرهاصات عبقرية شعرية فذة كما نرى فيه أوضح الخصائص لهذا الاتجاه بحيث يمكن أن تمثلها القصيدة الواحدة من قصائده، وتنقله إلى درجة كبيرة، وعالية.
مقاومة هذا الاتجاه، وإنصافه
لقي هذا الاتجاه كثيرا من المقاومة، وبخاصة حين خرجت إلى النور دواوينه الأولى سنة ألف وتسعمائة وأربع وثلاثين، وأعجب بهذا الاتجاه فبدأت المقاومة من النقاد المتحررين في الثقافة الغربية، والميول التجديدية فقد تعرض شعر هذا الاتجاه ممثلًا في بعض دواوينه الأولى لهجوم طه حسين، والعقاد، وهما دعامتا الأدب الجديد في ذلك الحين، ويبدو أن هذا الهجوم لم يكن بدوافع فنية حتى يثير العجب، وإن كانت وراءه الروح الفترة التي تتسم بالصراع السياسي، والخصام الحزبي الذي انعكس كثير من المجالات حتى مجال الفكر والأدب، وقد عرف الناس أن العقاد كان يضيق بشعراء هذا الاتجاه؛ لأنهم كانوا على صلة بأبي شادي، ومجلته، وأبو شادي كان في رأي العقاد على صلة برئيس الديوان الملكي حينذاك كما كانت له كبوة في مدح الملك فؤاد، وعثرة في التودد إلى رئيس وزرائه في ذلك العهد إسماعيل صدقي.