٢.٢ الاتجاه المعتدل في الأدب الحديث


ظهور الاتجاه التجديدي الذهني
دعت الحاجة الفنية إلى ظهور لون جديد من الشعر يحاول القيام بما عجز عنه الاتجاه المحافظ البياني من تحريك المثل الشعري الأعلى الذي يلائم العصر، والبيئة ويتجنب ما تورط في الاتجاه المحافظ البياني بالمآخذ، وقد ولد هذا الاتجاه الجديد على يد ثلاثة من الشبان المصريين اشتركوا في عدة سمات فهم أولا: من ذوي الثقافة الأدبية الإنجليزية بالإضافة إلى الثقافة العربية، وهم ثانيا: من المفكرين المغلبين كثيرا لجانب العقل، وهم ثالثا: من الشباب الثائر المتطلع إلى آفاق عليا، وقيم أفضل، وهم آخر الأمر من الطموحين الذين يرون آمالهم أكبر من إمكانيات عصرهم، وظروف معيشتهم هؤلاء الشبان الثلاثة هم: عبد الرحمن شكري, وإبراهيم عبد القادر المازني، وعباس محمود العقاد.
وقد اتصل الأول، والثاني بالثقافة الأدبية الإنجليزية أولا عن طريق دراستهم الرسمية في مدرسة المعلمين العليا، ثم عمق هذه الثقافة بالدراسة الشخصية، والعمل في الحقل الأدبي أما العقاد فقد اتصلت تلك الثقافة الإنجليزية عن طريق قراءته الشخصية، وتثقيفه الذاتي الذي وصل به إلى القمة، والتي تربع عليها كواحد من أعلام الأدب، والفكر المعاصر. قد كانت لهؤلاء الثلاثة قراءات في الشعر الإنجليزي، وتعرف على شعرائه، وخاصة الرومانتيكيين من أمثال: ورد، وروزس، وشيبي، وبيرون، وغيرهم.

٢.٢ الاتجاه المعتدل في الأدب الحديث


ونتيجة لطموح هؤلاء الشبان، وكبر آمالهم، وعدم مواتاة إمكانيات عصرهم بالنسبة إليهم أو نتيجة لشعورهم بعدم القدرة على تحقيق آمالهم الفنية، وشق طريقهم أمام هذا الطود الشامخ الذي يمثله الاتجاه المحافظ البياني، ويتربع عليه الشاعر الكبير شوقي قد أحس هؤلاء جميعا بكثير من المرارة، والظلم فشابت حركتهم ثورة، وأخذت أحيانا الشكل التميس فلم يكتف هؤلاء الثائرون بإذاعة شعرهم الجديد الذي يمثل مذهبهم التجديدي، وطابعهم الذهني، وإنما قدموا لشعرهم، وصاحبوه، وأتبعوه بمقالات، وكتابات تهدم الاتجاه القديم، وتجرح أعلامه، وخصوصًا شوقي، وحافظ، وتصل في هذا وذاك إلى درج كبيرة من المبالغة، وهذا مظهر من مظاهر المرارة، والإحساس بالظلم.

معالم المذهب، وموضوعاته
وقد اتضحت المعركة بظهور دواوين شكري، والمازني، والعقاد، وكتاباتهم في تأييد مذهبهم، ونقد المذهب المقابل من أهم ما كان من تلك الكتابات المتقدمة زمنًا. المقدمة التي كتبها العقاد للجزء الثاني من ديوان شكري سنة ألف وتسعمائة وثلاثة عشر، والمقدمة التي كتبها في نفس العام للجزء الأول من ديوان المازني، والتي يقول فيها:
"لقد تبأو منابر الأدب فتية لا عهد لهم بالجيل الماضي، ونقلتهم التربية، والمطالعة أجيالًا بعد جيلهم هم يشعرون بشعور الشرقي، ويتمثلون العالم كما يتمثله الغربي، وهذا مزاج أول ما يظهر من ثمراته أن نزعت الأقلام إلى الاستقلال، ورفع غشاوة الرياء، والتحرر من القيود الصناعية هذا من جهة الأغراض أما من جهة الروح والهوى فلا يعسر عن البصير أن يلمح القطوب للحياة في أسرة الشاعر المصري الحديث.

٢.٢ الاتجاه المعتدل في الأدب الحديث


وحسب الأدب في العصر الحديث بروح الاستقلال في شعرائه أنهم رفعوه من مراغة الانتهاء التي عفرت جبينه زمنا فلا نجد اليوم شاعرا حديثا يهنئ بالمولود، وما نفض يديه من تراب الميت، ولن نراه يطري من هو أول ذاميه في خلوته أو يقذع في هجو من يكبره في سريرته ولا واقفا على المرافئ يودع الذاهب ويستقبل الآيب".
ومن تلك الكتابات كذلك المقالات النقدية التي كتبها المازني في صحيفة عكاظ سنة ألف وتسعمائة وثلاث عشر ناقدًا لحافظ إبراهيم، ومقارنا بينه، وبين عبد الرحمن شكري، وقائلا في ذلك: "وبعد فإن حافظًا إذا قيس إلى شكري لكان كالبركة الآجنة إلى جانب البحر العميق الزاخر، وحسب القارئ أن يتأمل ديوانيهما ليعلم ما بينهما من البعد، وليعرف كيف يقعد الخيال بحافظ، ويسمو بشكري في سماء الفكر، وكيف يجني التقليد على رجل، ويغلق في وجهه أبواب التصرف، والتفنن فإن حافظًا قد حذا في شعره حذو العرب، وقلدهم في أغراضهم، وفرط عنايتهم بإصلاح اللفظ، وإن فسد المعنى".
ومن تلك الكتابات المتقدمة أيضا كتابات العقاد في صحيفة عكاظ سنة ألف وتسعمائة، وأربع عشر بعنوان الشعراء الندابون، ومما جاء في تلك الكتابات قوله: "إن للشعراء الندابين شعرهم، وللعصر شعره، وعليهم أن يقروا في قبورهم، ويتزملوا بأكفانهم حتى إذا تهدم جدار أو اصطدم قطار أو وقع تيار هنالك يثوب الداعي بهم على أن من أهم الكتابات الموضحة لمعالم هذا الاتجاه ما جاء في مقدمة شكري لديوانه الخامس الصادر عام ألف وتسعمائة وست عشر، والتي يقول فيها: "ويمتاز الشاعر العبقري بالشره العقلي الذي يجعله راغبا في أن يفكر كل فكر، ويحس كل إحساس".

٢.٢ الاتجاه المعتدل في الأدب الحديث


ولقد فسد ذوق المتأخرين في الحكم على الشعر حتى صار الشعر عبثا لا طائل تحته فإذا تغزلوا جعلوا حبيبهم مصنوعا من قمر، وغصن، وعين من عيون البقر، ولؤلؤ، وبرد، وأجل المعاني الشعرية ما قيل في تحليل عواطف النفس، ووصف حركاته، والشعر ما أشعرك، وجعلك تحس عواطف النفس إحساسًا شديدا لا مكان للغزل أو خيالا من خيالات معاقل الحشيش فالمعاني الشعرية هي خواطر المرء، وآراؤه، وتجاربه، وأحوال نفسه، وعبارات عواطفه إن قيمة البيت في الصلة بين معناه، وبين موضوع القصيدة، ومثل الشاعر الذي لا يعني بإعطاء وحدة القصيدة حقها مثل النقاش الذي يجعل نصيب كل أجزاء الصورة التي ينقشها من الضوء نصيبًا واحدًا".
والذي يبعد بعد ذلك أن يكون مطران بما كتبه مبكرا في المجلة المصرية عام ألف وتسعمائة قد كان من عوامل التنبيه التي حمست هؤلاء الشبان على ارتياد آفاق جديدة في الشعر، ونقده، وإن كان من البعيد جدا أن يصل هذا التنبيه المحتمل إلى مستوى الأستاذية أو الريادة، ولذلك لما عرفناه من تمكن هؤلاء الشبان من أداة الاتصال بالينابيع الشعرية الجديدة في مصادرها الأصلية، ثم إننا نعرف انطوائية مطران، ووضعه الحساس كواحد من مهاجري الشام المسيحيين الأمر الذي يصعب معه أن يكون إماما أو رائدا لمثل هؤلاء الشبان الثائرين الطامحين الغيورين.



٢.٢ الاتجاه المعتدل في الأدب الحديث


أسلوب هذا الاتجاه، وعاطفته
وفي مجال الأسلوب نجد هؤلاء الشعراء التجديديين يبتعدون غالبا عن اتخاذ النماذج القديمة مثلا أعلى فلا يتمثلون معانيها، ولا يترسمون صورها، ولا يحاكون بناءها، وإنما يرتبطون بها فقط في حدود استخدام اللغة في تراكيب قويمة، ولكن للتعبير عن معانيهم هم، ولتصوير صور من تأليفهم هم، ثم لتأليف بناء شعري من تصميمهم هم يفعلون ذلك، وإن سبب شيئا من عدم رونق الصياغة أو ذر إلى البعد عن الإشفاق به كما نجد هؤلاء التجديديين أيضا يحاولون جاهدين أن يستنبطوا الحقائق، وينفذوا من الأمور أعماقها غير مكتفين بالظواهر، ولا واقفين عند المحسوسات يفعلون ذلك، وإن أدى في بعض الأحيان إلى شيء من البرود في الشعر أو أفضى إلى شيء من الجفاف في القصيدة.
وأخيرا نجدهم يحاولون تحقيق الوحدة العضوية في القصيدة، وجعلها بناءً حيا بحيث لا تتعدد أغراضها، ولا تتناثر أجزاؤها، وإنما تتناول تجربة واضحة وتصلح لأن يوضع لها عنوان يشير إلى مضمونها على أن تتآزر أجزاؤها، ويؤدي كل منها وظيفة حية في بقائها العاطفة في هذا الاتجاه، وفي مجال العاطفة يلاحظ على شعر هذا الاتجاه التجديدي الذهني أن العاطفة قد تأتي وراء الذهن على أن تلك العاطفة حينما تنضج تكون من لون مفعم بأحاسيس الأسى مليء بمشاعر المرارة جياش بالحزن، والضيق الذي يبلغ أحيانا حد اليأس.

٢.٢ الاتجاه المعتدل في الأدب الحديث


وليس من شك في أن قراءات رواد هذا الاتجاه في الأدب الرومانتيكي الإنجليزي قد كان لها أثر في شيوع هذه العاطفة في شعرها، ولكن طبيعة هؤلاء الرواد، وظروف حياتهم كان لها أعظم الأثر في هذا الشأن فإحساسهم المفرط بما يكتنف الحياة من مظالم، وشرور، وآثام، ومعاناتهم الواعية للمتاعب، والعقبات التي سدت الطرق إلى ما كانوا يرون أنفسهم جديرين به، ومقاساتهم الشديدة بألوان من الاضطهاد التي وصلت أحيانا إلى درجة المحاربة في الرزق كل ذلك كان المصدر الأول لهذه العواطف المفعمة بالأسى المليئة بالمرارة الجياشة بالحزن الذي يبلغ أحيانًا حد اليأس.
ومما يمثل هذا الطابع من شعر المازني قوله في قصيدة يعبر بها عن مأساة الضيق بالحياة، وعدم احتمالها نتيجة لفرط الإحساس، وخيبة الآمال، وتحدي الأحداث المستمرة:

أبيت كأن القلب كهف مهدم برأسي منيف فيه بالريح ملعب
ونية في بحر الحوادث صخرة تناطحها الأحداث، وهي تقلب
سأقضي حياتي ثائر النفس هائجًا ومن أين لي عند ذاك هدىً ومذهب
على قدر إحساس الرجال شقاؤهم وللسعد جو بالبلادة مشرب


٢.٢ الاتجاه المعتدل في الأدب الحديث


ومما يؤثر ويشمل هذا الطابع من شعر العقاد قوله في قصيدة يصور فيها تجربة الظمأ الروحي، والسأم النفسي، والحيرة العقلية، واليقظة الشعورية، والعجز المعذب عن نيل السعادة:
ظمآن ظمآن لا صوب الغمام، ولا عذب المدام، ولا الأنداء ترويني
وكثير من شعر شوقي يمثل هذا الطابع الذي رأيناه بوضوح في حلم ذي بأس.
وليس كل شعر لهؤلاء آخذًا من هذا المنحى الباتي ، وليس كله مفعمًا بالعاطفة على هذا النحو فلهم كثير من الشعر في مناح أخرى تصل أحيانا إلى حد السخرية، والإضحاك كما لهم كثير من الشعر لا تكاد تحس فيه إلا برودة الذهن، وجفاف العقل، ولكن طابع النفس الإنسانية، وقلقها، وعدم رضائها، وطابع الفكر الممزوج بالعاطفة أو العاطفة التي يساندها الفكر هو الطابع الغالب على شعر هؤلاء.


الأسس النقدية لمدرسة الديوان
هؤلاء النقاد الذين ثاروا على شوقي، وحافظ، وغيرهم من شعراء المدرسة الكلاسيكية المحافظة أخذوا ينادون بقيم جديدة في الشعر الحديث متأثرين بمذاهب الأدب في أوربا، وحين ظهر الاتجاه الابتداعي في الشعر الرومانسي، ولعل من وجه الأنظار إلى هذا الاتجاه هو خليل مطران الذي دعا إلى ظهور شخصية الشاعر من خلال شعره، والتي تخلق الفن، وتبتكر الصور، وبها يستقل الشعر عن التقليد، والزيف، والبعد عن المحسنات المتكلفة، والزخرف في القول.

٢.٢ الاتجاه المعتدل في الأدب الحديث


والذي نادى بالوحدة العضوية في القصيدة، واتهم الشعر الكلاسيكي خال من الوحدة مجرد من العاطفة مع الابتكار في الموضوعات، وتحليق الخيال، والتغني بذات الشاعر، ومشاعره يقول مطران في هذا الاتجاه: "هذا شعر عصري، وفخره أنه عصري، وله على سابق الشعر مزية زمانه على سادة الدهر. هذا شعر ليس ناظمه بعبده، ولا تحمله ضرورات الوزن أو القافية على غير قصده"، وهكذا كما ذكرنا قبل ذلك.
ويقول: "أريد التجديد أكثر مما أردته في كل آن أريد، ولا أريده ولا أكيفه، ثم تتابعت الدعوات بعد ذلك في تجديد الشعر الحديث في ظل المدرسة الرومانسية حيث ظهرت ثلاث مدارس في ظلها تعزز هذا الاتجاه الابتداعي الجديد، وهي مدرسة ديوان، ومدرسة أبوللو، ومدرسة المهجر أما مدرسة الديوان وأصحابها الذين تزعموها مع عبد الرحمن شكري، وإبراهيم عبد القادر المازني، وعباس محمود العقاد قد بنوا دعوتهم على أنقاض الاتجاه الابتداعي البياني الكلاسيكي المحافظ عند شوقي، وحافظ فاتجه شكري في شعره إلى التأمل الوجداني، والاستبطان الذاتي، وغلب على المازني الروح الرومانسية المتشائمة المتبرمة بالناس، والحياة، ونظم شكري في الشعر الفلسفي، والوجداني.
قد عبروا عن اتجاههم في الديوان الذي جاء فيه: "ينبغي أن تكون القصيدة عملًا فنيًّا تامًّا يكمل فيه تصوير خاطر أو خواطر متجانسة كما يكمل التمثال بأعضائه، والصورة بأجزائها، واللحن الموسيقي بأوزانه بحيث لو اختلف الوضع أو تغيرت النسبة أخل ذلك بوحدة الصنعة، وأفسدها. وتتحدد خصائص مدرستهم في إيجاز على النحو التالي:



٢.٢ الاتجاه المعتدل في الأدب الحديث


أن يكون الشعر إنسانيًّا يتسع للمعاني الإنسانية، وأسرار الطبيعة، وخفاياها، ولا ينبغي اختصاره على الناحية النفسية التي ينفع بها وجدان الشاعر، وعاطفته، وباتجاههم الجديد يسير للشعر قيمة إنسانية عامة.


٢.٢ الاتجاه المعتدل في الأدب الحديث


انحصار الاتجاه التجديدي الذاتي
إذا كانت الظاهرة الأولى من ظواهر الشعر في هذه الفترة هي ظاهرة تجمد الاتجاه المحافظ البياني فالظاهرة الثانية هي ظاهرة انحسار الاتجاه التجديدي الذهني، وهو اتجاه العقاد فقد شهدت هذه الفترة انحسار هذا الاتجاه كمًّا وكيفا حتى أوشك أن يختفي من الحياة الأدبية لولا جهود العقاد، وإصراره، وأصالته التي حفظت لهذا الاتجاه الاستمرار برغم ما أحاط به من معوقات، وقد كان من أهم أسباب انحسار هذا الاتجاه، ومن أهم مظاهره أيضًا توقف شكري عن إصدار دواوين جديدة بعد أن أصدر ديوانه السابع أزهار الخريف سنة ألف وتسعمائة وثمانية عشرة.
وقد كان هذا التوقف من جانب شكري بسبب تأزمه النفسي نتيجة لإحساسه بخيبة الأمل، وعدم نيله ما كان يطمح إليه من مجد أدبي لم يحققه له إصداره سبعة دواوين، ثم نتيجة لعدد من الصدمات في حياته العامة، وصلاته الخاصة ربما كان من أقساها عليه إقذاع صديقه المازني في نقده، وإقرار صديقه العقاد لهذا النقد بنشره في كتاب الديوان الذي أصدراه معًا، والذي اتهم فيه شكري بالجنون، وسمي صنم الألاعيب، ونصح بالانصراف عن التأليف ليريح أعصابه المختلة، ويريح القراء من جهوده العميقة، والعقيمة.

٢.٢ الاتجاه المعتدل في الأدب الحديث


كذلك كان من أسباب انحسار هذا الاتجاه، ومن مظاهره أيضا انصراف المازني عن الشعر منذ أصدر ديوانه الثاني عام ألف وتسعمائة وسبعة عشر فقد اتجه إلى الصحافة، وآثر القصة، والمقال من بين الفنون حيث لم يعد يرى الشعر كافيا لسد حاجاته أولا، ولا للتعبير الطريق عما يريد أن يعالج من شؤون الحياة ثانيا، وقد حول تأملاته، وذهنياته الشعرية إلى لون من السخرية الواعية أجاد استخدامه فيما كان يكتب من مقالات اجتماعية، ومن قصص أو صور قلمية هكذا بقي العقاد وحده من زعماء التجديد الذهني يواصل كتابة الشعر، ولكنه لم يجعل الشعر همه أو فنه الأدبي الأول بل انصرف هو الآخر إلى الصحافة، والكتابة السياسية أولا ثم إلى التأليف الأدبي، والإسلامي أخيرا حتى اعتبر في طبيعة الكتاب السياسيين في أوائل هذه الفترة، ثم اشتهر كعلم من أعلام الكتابة الأدبية، والإسلامية في أخريات تلك السنوات.
وبرغم أن العقاد في هذه الفترة لم يجعل الشعر همه أو فنه الأول قد ظلت دواوينه تتوالى دون انقطاع، بل قد أخرج في عام واحد من أعوام تلك الحقبة ديوانين اثنين فبعد أن أخرج الجزء الأول من ديوانه الأول سنة ألف وتسعمائة وستة عشر، ثم الجزء الثاني سنة ألف وتسعمائة وسبعة عشر أخرج الجزء الثالث من هذا الديوان سنة ألف وتسعمائة وواحد وعشرين، ثم جمع تلك الأجزاء، وضم إليها الجزء الرابع، وسمى كل ذلك ديوان العقاد، ونشره سنة ألف وتسعمائة وثمانية وعشرين، وفي سنة ألف وتسعمائة وثلاث وثلاثين أخرج العقاد ديوانين آخرين الأول باسم، (وحي الأربعين)، والثاني باسم (هدية الكروان)، ثم أخرج سنة ألف وتسعمائة وسبع وثلاثين ديوانه المسمى (عابر سبيل).

٢.٢ الاتجاه المعتدل في الأدب الحديث


والملاحظ على شعر العقاد الذي ظهر في هذه الفترة أنه قد صار في جملته عن المبادئ التي ارتضاها هو وزميلاه شكري، والمازني منذ الفترة السابقة، وهي المبادئ التي تقوم قبل كل شيء على عدم اعتبار الشعر المحافظ البياني مثلا أعلى للشعر في العصر الحديث، والتي تهتم بالتجديد في موضوعات الشعر، وطريقة أدائه، وتعني في المحل الأول بنفس الشاعر، وأصالته، والتي تعطي قيمة كبرى للخيط الذهني في النسيج الشعري، وتحاول محاولة جادة لتحقيق الوحدة العضوية، وصدق التجربة الشعرية كل هذا مع توفيق أحيانا، وإخفاق في بعض الأحايين، وخاصة حين يطغى الفكر فيفسد طبيعة الشعر.
ففي الجزء الثالث من ديوان العقاد الأول هذا الجزء الذي ظهر سنة ألف وتسعمائة وواحد وعشرين نراه يعنى بالتأملات الفكرية، والقضايا الذهنية التي تصل أحيانا إلى درجة التفلسف كما نراه يبتعد عن التأثير بالقيم البيانية، ويركز اهتمامه على التأثير بالقيم الفكرية، ثم نراه يجعل صدق التجربة الشعرية، وتحقيق الوحدة العضوية في المحل الأول، ومما يؤيد ذلك هذا النموذج الذي يتحدث فيه العقاد عن الإنسان، وحريته الفطرية، وما يكبل به الإنسان من قيود مختلفة وقد سمى الشاعر هذا النموذج حنوت القيود، وفيه يقول:

تزود منه الناس في كل حقبة وحج إليه موكبا بعد موكب
يصيحون فيه بالقيود كأنهم صراحين في واد من الأرض مجدب
فمن قائل: عجل بقيدي فإنني طليق، ومن عان كثير التقلب