٢.١ الاتجاهٌ شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث


الاتجاه شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث
كان الطابع الغالب على أدب تلك الفترة هو طابع المحافظة، واستلهام الماضي، واتخاذ التراث العربي الذي خلفته عصور الازدهار نقطة انطلاق نحو أدب معاصر، ويتضح تفصيل ذلك فيما يلي:

وهو سيطرة الاتجاه المحافظ البياني
عرفنا من حال الشعر في الفترة السابقة أنه قد ظهر الاتجاه المحافظ البياني الذي أراده البارودي، وبعث به الشعر العربي، وذلك حين رده إلى استلهام النماذج الجيدة التي خلفتها عصور الازدهار، وحين جعل النموذج البياني المشرق قالبا للتعبير عن أحاسيس الشاعر، وتجاربه، وعن قضايا وطنه، وأهم أحداث عصره، وعرفنا كذلك أن هذا الاتجاه لم يكن وقت ظهوره على يد البارودي هو الاتجاه الشعري الوحيد بل لم يكن الاتجاه الفني الغالب، وإنما كانت الغلبة لذلك الاتجاه التقليدي الجامد الذي كان يمثله شعراء عديدون تقيدهم عادة بقايا أغلال العصر التركي، والمملوكي، وتكبل شعرهم غالبا ألوان من الألاعيب اللفظية، والمحسنات المتكلفة لتستر ضحالة الموضوعات، وفقر الأفكار، وبرودة المشاعر، وتهافت الأسلوب.

٢.١ الاتجاهٌ شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث


ونضيف الآن إلى أن النضال الذي شهدته الفترة التي نسوق عنها الحديث قد عمق الإحساس بتلك الفكرة، وجعل الارتباط بالماضي العربي أقوى، والاتكاء على التراث المجيد أشد، وخاصة عند هذه الجمهرة من المثقفين الذين يؤمنون بفكرة الجامعة الإسلامية، ويرتبطون تبعا لها بالتراث الإسلامي العربي، ومن هنا كان هذا الشغف البالغ بالاتجاه المحافظ البياني في الشعر، وكانت سيطرته، وأخذ جمهرة الشعراء الكبار به فجلهم من المؤمنين بفكرة الجامعة الإسلامية، ومن المرتبطين تبعا لها بالتراث، وكذلك من المفتونين بناء على هذا من النماذج الشعري الرائعة التي خلفها هذا التراث، وهم لذلك كله يسيرون في الاتجاه الذي يعتمد أساسًا على أسلوب هذه النماذج التراثية، ويتخذها مثلا أعلى للأسلوب الشعري، وكان يطلق عليهم أحيانا مدرسة المحافظين، ومن هنا إذا أطلق بعض النقاد عليهم مدرسة الاتجاه البياني، فإن هناك آخرين يطلقون عليهم مدرسة المحافظين، وهناك بعضهم أيضًا يطلقوا عليهم مدرسة المجددين المحافظين.


٢.١ الاتجاهٌ شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث


المحافظون، والنضال
أما أهم الأغراض التي عالجها أصحاب هذا الاتجاه في هذه الفترة فهي تلك الأغراض التي بدأ علاجها البارودي بشعره من قبل، وهي التي تلك التي تشمل (الذات، وتجاربها، والوطن، وقضاياه، والعالم، وأهم أحداثه) غير أن شعراء هذه الفترة قد وسعوا تلك الخطوات القصار التي خطاها البارودي في طريق الوطنيات، وبعض الأحداث الكبرى الخارجة عن حدود الوطن فهم قد عالجوا كل قضايا مصر، ومشكلاتها، وأبرز أحداث العالم الإسلامي، وتطوراته، وكثيرًا من شئون العالم الخارجي وأزمانه، ومن هنا خاضوا كثيرا في السياسة المصرية، والعربية، والإسلامية كما خاضوا في المسائل الاجتماعية، والثقافية، والفكرية، والأخلاقية هذا إلى اهتمام كبير بالماضي، وأمجاده تارة ماضي العرب، والإسلام، وأخرى ماضي الفراعنة، ومصر، وهم في ذلك كله معبرون عن روح هذه الفترة مستجيبون لطابعها العام وهو طابع النضال من أجل الخلافة، وتآمر الغرب عليها، والنضال من أجل بعض الدول الإسلامية، وطمع الاستعمار فيها، والنضال من أجل الوطن، واستبداد الاحتلال، والقصر، والنضال من أجل المجتمع المصري، وما جلبه المستعمر من آفات عليه.
وأكثر من ذلك قد تهجم على الإسلام، والمسلمين بعض الكتاب الغربيين، وأعلن بعضهم ابتهاجه بتوغل فرنسا في قلب الإسلام بأفريقيا، ومن هؤلاء الكتاب هانوتو، ورينان، وكرومر، ومن هنا كانت هذه الحفاوة من جانب الشعراء بالخلافة، والخليفة لا تقديرا لتركيا أو لذات السلطان التركي، وإنما لهذه الجامعة الإسلامية التي يعتبر الخليفة رمزا لها يقول أحمد محرم مخاطبا أمم الخلافة:


٢.١ الاتجاهٌ شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث


يا آل عثمان من ترك، ومن عرب يا آل عثمان من ترك، ومن عرب
صونوا الهلال، وزيدوا مجده علما لا مجد من بعده إن ضاع، أو ذهب

ويقول أحمد شوقي مخاطبا الخليفة:
أمة التركي، والعراق، وأهلوه ولبنان، والربا، والخيام
عالم لم يكن لينظم لولا أنك السلم وسطه، والوئام

ويقول حافظ إبراهيم عن الخلفاء العثمانيين:
وردوا على الإسلام عهد شبابه ومدوا له جاها يرجى، ويرهب
أسود على البسفور تحمي عرينها وترعى نيام الشرق، والغرب يرقب


٢.١ الاتجاهٌ شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث


ويقول علي الغاياتي مخاطبا السلطان عبد الحميد، ومشيرًا إلى نكبة الاحتلال لمصر:
رمتاها الحادثات بشر قوم لهم في كل مظلمة شئون
قضت في عصرهم مصر ولولا رجاء فيك ما قرت عيون
فأعزز يا حمى الإسلام شعبًا بعزك لا يذل، ولا يهون

ونظرا لكون المسألة لم تكن مسألة الخليفة لشخصه، ولا الخلافة العثمانية لذاتها، وإنما كانت رعاية لوحدة الأمة الإسلامية، وسلامتها من طمع الغرب العادي لم يقم الشعراء عند تمجيد الخلافة، والخلافة بل مجدوا نضال الأم الإسلامية المعتدى عليها، وحثوا على عونها، وخوض المعارك إلى جانبها، ومن هنا نجد ألمع الشعراء يشهرون بالطليان في عدوانهم على ليبيا سنة ١٩١١، ونراهم يعتبرون هذا العدوان عدوانا على الوطن، وينادون بمؤازرة إخوانهم في ليبيا، ويدعون إلى الحرب المقدسة إلى جوارهم يقول محمد عبد المطلب في ذلك العدوان:
بني أمنا أين الخميس المدرب وأين العوالي، والحسام المذرب
إذا اهتز في نصر الحنيف تساقطت نفوس العدا في حده تتحلب


٢.١ الاتجاهٌ شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث


خليلي ما لي إن تذكرت برقة بجنبي نيران الأسى تتلهب
نعم راعني من نحو برقة صائح يهيب بأنصار الهلال ألا
اركبوا

علاقتهم بالحاكم
والملاحظ كذلك أن أكثر الشعراء المحافظين قد مدحوا الخديوي، ومن جاء بعده من الحاكمين، والحق أن معظم هذا المدح كان بدافع تعلق الآمال بالحاكم، ورجاء أن يعمل لخدمة الوطن فمثلا كانت أكثر الأمداح التي وجهت إلى عباس الثاني بسبب ما ظهر به في أول عهده من اصطناع الوطنية، ومعاداة الإنجليز أي ما وجه إليه من أمداح كان هذا الموجه في جملته مشاركة في النضال باعتبار هذا الحاكم قد كان في الفترة التي يمدح فيها جل الشعراء يمثل مؤازرة الوطنيين، وخصومة الاحتلال، ولهذا نرى طائفة الشعراء الوطنيين ينصرفون عنه بمجرد المهادنة للإنجليز بل إن بعض هؤلاء الشعراء لم يكتف بالانصراف عنه، وإنما تجاوز إلى نصحه، وذلك كما قال علي الغاياتي مخاطبا عباس:
أعباس أهذا آخر العهد بيننا فلا تخش منا بعد ذلك عتابا


٢.١ الاتجاهٌ شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث


موقفهم من الإنجليز
أما فيما يتعلق بالسلطة الغاشمة الأخرى التي كانت جاثمة على صدر البلاد في تلك الفترة، وهي سلطة الاحتلال فيلاحظ أن كبار الشعراء كانوا في عداء، واستنكار ضدهم غير أنهم كانوا في عدائهم طائفتين طائفة صريحة العداء مستمرة الاستنكار، وأخرى تريد أن تكون كذلك، ولكن ظروف حياتها، وطبيعتها تؤثر السلامة ولا تقوى على الفداء فهي تجاهر بمعاداة الاحتلال، وتصرح باستنكاره، وتخوض معركة نضاله، ولكن حينما تأمن مغبة ذلك، ولا تخاف عاقبة ما تقول، ثم هي تضمر العداء، وتكتم الاستنكار، وتكف عن النضال حين تتوقع شرًّا يمس المنصب أو الرزق أو الذات أو غير ذلك، وقد يمثل الطائفة الأولى علي الغاياتي، وأحمد محرم فالغاياتي دائم التنديد بالاحتلال، ودائم حث الوطنيين على النهوض، والثورة ضدهم لكننا نرى شوقي يسكت عن حادثة دنشواي فلا يقول شعرا فيها إلا بعد عام، وهكذا نجد الفريقين كل واحد منهما كان يقاوم الإنجليز لكنه بأسلوب يختلف عن الآخر، وبهذا تكون الطائفتان لهما موقفان مختلفان، وإن اجتمعا معا على حب مصر، والدفاع عنها.


٢.١ الاتجاهٌ شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث


الإصلاح السياسي، والاجتماعي، والمناسبات الإسلامية
وهذا يتعلق بالنواحي السياسية في ميادينها الكبرى المتصلة بالخلافة، والقصر، والإنجليز على أن هناك ميادين سياسية أخرى قد جال فيها هؤلاء الشعراء المحافظون، وناضلوا نضالا شديدا في ميادين الإصلاح السياسي فطالبوا بالدستور، والشورى، وحرية الشعب، وما إلى ذلك، وقد كان هؤلاء الشعراء يتحينون كل الفرص للإسهام بشعرهم في تلك الميادين مطالبين بالإصلاح في كل جانب يقول علي الغاياتي لشوقي حين نشر في المؤيد سنة ١٩٠٨م أن الدستور لا يستطيع عباس أن يصدره إلا برضا الإنجليز:
يا شاعر النيل العظيم أما ترى للنيل إلا أسوأ الحالات
ما كنت أحسب أن مثلك، وهو في شعراء مصر صاحب الآيات
يجني على الشعب الكريم جناية ويود أن يبقى مع الأموات

ويقول حافظ من قصيدته في الاحتفال بالعام الهجري سنة ١٩٠٩م:
فما ضاع حق لم ينم عنه أهله ولا ناله في العالمين مقصر


٢.١ الاتجاهٌ شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث


ومن أجل المجتمع نرى الشعراء أيضا يدافعون عن المجتمع فقد وجدنا الشعر قد خاض كل معاركها النضالية، وأبلى بلاءً حسنًا فأسهم في قضايا وحدة المجتمع، وإنهاضه، وتحريره، وشارك في قضايا التعليم، ونشره، وتمصيره كما ساند غير هذه، وتلك من قضايا مصر في ذلك الحين فيوم أطلت الفتنة برأسها كالأفعى تحاول أن تفرق وحدة الأمة حين قتل بطرس غالي، واتخذ الاحتلال أذنابه من قتلى مسيحي بيد مسلم منفذا لبث سموم التفرقة بين المصريين حين ذلك انبرى الشعراء يعملون على تنقية الجو من السموم، ويناضلون من أجل المجتمع، ووحدة الصف، وفي ذلك يقول علي الغاياتي:
وما أمة القرآن في مصر أمة ترى أمة الإنجيل أبغض جيلا
فإنا، وأنتمو إخوة في بلادنا أقمنا على دين السلام طويلا


٢.١ الاتجاهٌ شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث


عمود الشعر دعامة المحافظين
والحق أن الشعراء المحافظين قد انتقلوا بالشعر تماما من طور الجمود، والمحاكاة إلى طور التصرف، والارتقاء الذي بدأ يتلمسه مع محاولة البارودي فلم يعد مع هؤلاء الشعراء المحافظين مجال لهذا الشعر الرقيق المتهافت الذي كان كرفات بلا روح في أكفان مطرزة بالمحسنات اللفظية، والألاعيب اللغوية بل إن الشعر قد وصل مع هؤلاء المحافظين إلى أسمى الدرجات من حيث جلال الصياغة، وروعة البيان فما عبر بنجاح عن تجارب الشعراء الذاتية، وقضايا وطنهم الحية، وسجل بعض أحداث عالمهم الكبيرة، وأبرز ما يسجل له بالثناء إسهامه في معركة النضال التي تعددت ميادينها ما بين سياسية، واجتماعية، وثقافية مما يدل على استجابة الشعراء لروح العصر، ووعيهم لمشكلاته، وإدراكهم لدور الفن في خدمة الحياة، ولدور الشعر بخاصة في مراحل النضال.
ولكن الحق أن هؤلاء الشعراء قد وقفوا بالفن الشعري عند مرحلة اتخاذ النماذج القديمة الجيدة مثلا أعلى. فهم إلى معارضاتهم العديدة قد حافظوا إلى حد كبير على التقاليد الشعرية المتصلة بمنهج القصيدة، وأسلوب الشعر، ومعانيه، وصوره، وبهذا، وقفوا عند تلك المرحلة التي وصل إليها البارودي، والتي كانت مرحلة ضرورية في طريق تطور الشعر العربي هذا، وإن كانوا قد أوضحوا معالم طريقة البارودي، وزادوها صقلا، وتطويعا لمطالب العصر، ولكن مع الاحتفاظ بروح الطريقة، والسير على هداها.

٢.١ الاتجاهٌ شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث


ربما كان أكثر من ذلك كله دلالة على تمسك بعض هؤلاء الشعراء المحافظين بهذه الظاهرة من عمود الشعر، وهو أن واحدا من هؤلاء الشعراء قد قدم بالغزل التقليدي لقصيدة قالها في أجنبي كان قد زار مصر.
والقصيدة هي التي يقول الشاعر في مطلعها، وكأنه يتحدث عن بدوي أو عن أحد شيوخ القبائل في الجاهلية:

هل الحب إلا مهجة الصب تدنف أو الشوق إلا لوعة، وتلهف
أفق قبل حبي ليس يخبو درامه غداة رحيل، والمدامع ذرف

إلى أن يتخلص إلى المدح:
وما هاجني إلا الجمال مع الصبا ودل الغواني، والغزال المشنف

ومرات نرى الشعراء المحافظين يتوجهون بالخطاب في القصيدة إلى الصاحبين كما فعل الأقدمون تمامًا، ومرات أخرى نرى الشعراء المحافظين يتحدثون أنهم يعيشون في القرون الإسلامية الأولى بل يرجعون إلى العصر الجاهلي، ويحيون في الصحراء بين الخيام، والنخيل، ومع العيس، وهكذا نرى الشعراء المحافظون يعودون في قصائدهم إلى الجاهلية الأولى حيث تتعدد أغراض القصيدة فيبدأون بالأطلال، وبالغزل، وبالوصف، ثم بعد ذلك يعمدون إلى الغرض الأساسي من القصيدة.


٢.١ الاتجاهٌ شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث


تأثيرات حسنة، وأخرى سيئة للاتجاه المحافظ
إذا كان المحافظون قد أسهموا بشعرهم في النضال الذي خاضته البلاد حينذاك، وحققوا انتصارا في الشعر في ذلك لم يحققه البارودي نفسه، وإذا كانوا قد جودوا التعبير الشعري، ووصلوا به إلى الغاية من حلاوة الموسيقى، وروعة البيان، وإشراق الصياغة فإن هاتين الحسنتين كانت لهما سيئتان تقابلهما، ويقتضي الإنصاف تسجيلهما.

الأولى
وهي أن كثرة خوض الشعر للمعارك جره إلى كثير من المناسبات، والمواقف المحفلية حتى أصبح شعر المناسبات، والمجاملات ظاهرة توشك أن تطغى على بقية الظواهر الشعرية الفنية الأخرى. وقد صور الدكتور طه حسين هذه الظاهرة في أسلوب ساخر لا يخلو من المبالغة، ولكنه لا يبعد كثيرا عن الحق فقال: "وأصبح الشعر بفضل الشعراء، وكسلهم العقلي فنًّا عرضيا لا يحفل به إلا للهو، والزينة، والزخرف فإذا أراد بنك مصر أن يفتتح بناؤه الجديد طلب إلى شوقي قصيدة فنظم له هذه القصيدة.


٢.١ الاتجاهٌ شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث


وقد جرت هذه الظاهرة السيئة إلى عدة ظواهر سيئة تفرعت عنها من أهمها:
عدم تعبير الشعر في كثير من الأحيان عن تجارب صادقة.
تشكل أسلوب الشعر بما يلائم المحافل، ومجامع الجماهير، ومواقف خطابهم.

ومن هنا كثر عدد الشعراء المحافظين في التعبير المباشر الذي يجعل الشعر أحيانا قريبًا من النثر، فيفسد عليه كثيرا من قيمه الفنية؛ لأن ما أمكن أن يقال نثرا فمن الأفضل ألا يقال شعرا كذلك كثر عند هؤلاء الشعراء الأسلوب الخطابي، وما يستلزمه من صيغ النداء، وأفعال الطلب، وما إلى ذلك حتى أصبح ذلك كله مظهرًا من مظاهر افتتاح القصائد عند بعضهم، وتستطيع أن تحصي في شعر شوقي مثلًا عددًا كبيرًا من هذه الافتتاحات الخطابية من مثل قوله:
قف ناد أهرام الجلال قف بالممالك، وانظر دولة المالي
قف على كنز بباريس ثمين أزار أقبل قف بنا يا صاحي


٢.١ الاتجاهٌ شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث


السيئة الثانية التي تقابل حسنة تجويد الصياغة على حساب المضمون
فهي أن كثرة العناية بالصياغة، والإفراط في الجانب البياني جعل المثل الأعلى في الأداء الشعري مثلا متعلقا بالشكل مهتما باللفظ غير مكترث بالمضمون أو معني بالمعنى، ومن هنا أوشك الشعر أن يتحول إلى صياغات جميلة، وأساليب أسرة، وموسيقى تملأ الأذان، وقد جرت هذه الظاهرة السيئة كذلك إلى عدة ظواهر سيئة أخرى تفرعت منها أيضًا من أبرزها إهمال جوانب فنية كثيرة تأتي وراء جمال الصياغة، وأسر الأسلوب، وروعة الموسيقى، ومن أهم هذه الجوانب جانب الأفكار الدقيقة، والتجارب النفسية العميقة، واتضاح شخصية الشاعر، وطبيعته، ولون نظرته إلى الحياة، والكون، ورسمه للطبيعة، والناس، وإضافته الخلاقة إلى كل ما يتحدث عنه.
وهكذا أصبح كل الشعراء المحافظين سواء يقولون تقريبا نفس الأفكار، ويرسمون نفس الصور، ويوشكون أن يحسوا نفس الأحاسيس حتى لا يستطاعوا تمييز بينهم, بين بعضهم وبعضهم الآخر أو معرفة بعضهم من بعض اللهم إلا بما يكون من جودة صناعة أسلوبية يتفوق بها واحد أحيانا عن واحد آخر، وذلك؛ لأن هدفهم جميعا واحد، وهو الصياغة البيانية المشرقة كما أن مثلهم واحد، وهي النماذج الرائعة التي خلفها التراث فبقدر موهبة الشاعر منهم، وقدرته على إجادة الصياغة البيانية المشرقة، وبقدر قربه من النماذج التراثية أو تفوقه عليها كان حظه من التفوق، والامتياز، وفي ذلك يقول العقاد في حديثه عن شوقي كإمام لهذا الاتجاه المحافظ البياني في أحمد شوقي ارتفع شعر الصنعة إلى ذروته العليا، وهبط شعر الشخصية إلى حيث لا تبين لمحة من الملامح، ولا قسمة من القسمات التي يتميز بها إنسان عن سائر الناس.

٢.١ الاتجاهٌ شديدُ المحافظةِ في الأدبِ الحديث


ويقول كذلك عن هذا الشعر المحافظ البياني الذي سماه شعر الصنعة مقابلا بينه وبين شعر الشخصية: "ومنه ما هو قريب إلى الطبيعة، ولكنه منقول من القسط الشائع بين الناس، وليس فيه دليل على شخصية القائل، ولا على طبعه؛ لأنه أشبه شيء بالوجوه المستعارة التي فيها كل ما في وجوه الناس، وليس فيها وجه إنسان"، ويقول مرة أخرى عن شوقي إمام هذا الاتجاه: "فإذا عرفت شوقيا في شعره فإنما تعرفه بعلامة صناعته، وأسلوب تركيبه كما تعرف المصنع من علامته المرسومة على السلعة المعروضة، ولكنك لا تعرفه بتلك المزية النفسية التي تنطوي وراء الكلام، وتنبثق من أعماق الحياة"، ثم يقول أخيرا مسميا هذا الشعر المحافظ باسم آخر اسم الصنعة، وهو اسم شعر النماذج: "ولقد وجد شعر النماذج في شوقي رسوله المبين بل خاتم رسله أجمعين فأبطاله من الممدوحين، والمرئيين طراز في مراتب المجد التي يرتضيه السمت، والهيبة، وفضائل الأخلاق في قصائده هي الفضائل التي اصطلح عليها العرف، وتتابعت بها معايير الحمد، والثناء".