١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


محاولات التجديد في الشعر قبل النهضة
كان أكثر الشعر من هذا اللون التقليدي المتخلف الرديء الذي يستر هزاله، وتهافته بألوان من المهارة اللفظية، والحيل اللغوية، والمحسنات البديعية المتكلفة كعمل أبيات تقرأ من اليسار كما تقرأ من اليمين، وأبيات كل كلماتها معجم الحروف، أو كل كلماتها مهمل الحروف، أو كعمل أبيات أوائل حروفها تألف بيتًا آخر، أو أبياتًا من الشعر، أو تدل على اسم معين، أو تاريخ خاص، أو كعمل أبيات كل كلماتها مبدوءة بحرف معين، أو كل كلماتها مفرقة الحروف، وما إلى ذلك، ومن النماذج السائرة في هذا الاتجاه أغلب أشعار الشيخ علي الدرويش فهو مثلا يتغزل ببيتين بادئا كل الكلمات فيها بحرف العين فيقول:
علي على عينيك عزل عوازل عذاب عليها عند عاشقها عذب
عذاري عذري عذب عطفك عدتي عيونك عضبى عاد عائبها عضب

ثم قلده آخرون مثل الشيخ محمد شهاب الدين المصري الذي يقول في الوصف جاعلا كل همه أن يأتي بكل الكلمات مفرقة مع ما أمكن من الجناس:
راح دن أدرت أم ذوب ورد رق إذ دار دون آس وورد
رب روض أراك دوح أراك دون أوراق ورده راق وردي


١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


وقد كانت بعض نماذج الشعر في تلك الفترة تخلو من الألاعيب، والمحسنات لكنها تأتي سطحية الفكرة مهزوزة الصورة فاترة التأثير، ومن ذلك قول الشيخ حسن قويدر:
يا طالب النصح خذ مني محبرة تلقى إليها على الرغم المقاليب
عروسة من بنات الفكر قد كسيت ملاحة، ولها في الخد توريد
كأنها وهي بالأمثال ناطقة طير له في صميم القلب تغريد

على أن نماذج قليلة من شعر تلك الفترة كانت أقل تكلفا، وأكثر قربا من روح الشعر من تلك النماذج قول الشيخ حسن العطار:
أحاديث دهر قد ألم فأوجع وحل بنادي جمعنا فتصدعا
لقد صال فينا البين أعظم صولة فلم يخل من وقع المصيبة موضعا
وجاءت خطوب الدهر تترى فكأنما مضى حادث يعقبه آخر مسرعا
وحل بنا ما لم نكن في حسابه من الدهر ما أبكى العيون، وأفزعا
خطوب زمان لو تمادى أقلها بشامخ رضوى أو ثبير تضعضعا


١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


وأصبح شأن الناس ما بين عائد مريضا، وثان بالحبيب مشيعا

ولعل السبب في قرب بعض نماذج قريبة كهذه من روح الشعر أن أصحابها كانوا على شيء من الصلة بالشعر القديم الجيد، فالشيخ العطار مثلا كان قد جمع طائفة من أشعار ابن سهل الإشبيلي قد نشرت على أنها ديوان هذا الشاعر، وهذا دليل على صلة هذا الشيخ ببعض نماذج الشعر القديم الجيد بل إن نماذج أقل من السابقة القريبة من روح الشعر قد ظهرت في أواخر تلك الفترة، وتضمنت أوائل سمات التجديد، وإن لم تكن من الشيوع بحيث تعد اتجاها، وكان أصحاب هذه النماذج هم بعض تلاميذ ذاك الجيل السابق، وكانوا هم من أضافوا إلى ثقافتهم العربية ثقافة أجنبية، فقد نظم رفاعة الطهطاوي بعض الأشعار الوطنية كما نظم بعض الأناشيد الحماسية كذلك نظم صالح مجدي تلميذ رفاعة طائفة من الأناشيد التي نراها في نهاية ديوانه.
وكل من الشعر الوطني، وشعر الأناشيد ذو طابع تجديدي واضح على الأقل إذا قيس بما كان من طابع الشعر في تلك الفترة، وذلك أن الشعر الوطني، وشعر الأناشيد الحماسية فيه حديث عن الوطن بهذا المفهوم السياسي، والحضاري الجديد، وفيه كذلك تمجيد لهذا الوطن، والحث على افتدائه، وبذل كل شيء في سبيله ثم إن الأناشيد بخاصة فيها تلوين في موسيقى الشعر من حيث تنويع الوزن وتعديد القافية، ورعاية تناسق خاص بل موسيقى شعرية، وكذلك التناسق بين أجزاء البيت، واختيار إيقاع ملائم يناسب الإنشاد الجماعي، أو يساير خطوات الجند، وكل هذا يذكر بالفضل للرائد الطهطاوي، وتلميذه صالح مجدي، ومن نماذج شعر رفاعة الطهطاوي الوطني الذي يأتي متناثرا في قصائده قوله:


١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


وإن حلفت بأن مصر لجنة وقطوفها للفائزين دواني
والنيل كوثرها الشهي شرابه لأبر كل البر في أيماني

وما يصلح شاهدا على ريادة رفاعة لفن الأناشيد الحماسية:
يا أيها الجنود، والقادة الأسود إن أمكم حسود يعود هادي المدمع
فكم لكم حروب بنصركم تأوب لم تثنكم خطوب، ولا اقتحام معمع
وكم شهدت من وغى، وكم هزمتم من بغي فمن تعدى، وطغى على حماكم يصرع

ومما يلفت النظر، ويحمل على الإعجاب ما نراه في بعض هذا اللون من شعر رفاعة من تكوينه في موسيقى الشعر، وتلوين فيه، وخروج على رتابة النغم خروجا لم يألفه الشعر العربي لا في عصر الشاعر، ولا في ما قبله من عصور، ولا نكاد نجد له شبها إلا عند الأندلسيين الوشاحيين المجيدين مثل هذا اللون من الشعر يعتبر رفاعة من رواد التجديد في موسيقى الشعر الحديث، ومن شواهد ذلك قوله:

١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


يا حسبنا قم بنا نسود فنحن في حربنا أسود
عند اللقا بأسنا شديد هام عدانا لنا حصيد
حامي حمى مصرنا سعيد في عصرها مجدنا يعود
بجنده المجند وسيفه المهند

محاولات التجديد في النثر قبل النهضة
أما النثر فقد كان معظمه كالشعر في عمومه من حيث التقليدية المتخلفة فهو غالبا يعبر عن موضوعات سطحية، ويتقوقع في الرسائل، والمقامات، ونحوها من الأنواع التقليدية ثم هو يتستر بالمحسنات، ولا يسلم كثيرا من التهافت.
أمثلة على ذلك:



١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


قول الشيخ علي الدرويش من رسالة يهدد فيها أحد الشعراء بالهجاء
"وإني نصحتك نصيحة الشفيق لعلك من الغي تفيق فإن رجعت نجوت بالهرم، وإلا وجدت من أخلاك من الأدب، وجعل شعرك ضحكة للعجم، والعرب أعمل فيك دقيقة من صناعة الآداب ما جاء بها أحد على مر الأحقاب، وما سمعها سامع إلا وحفظها، ولا نظرها ناظر إلا ولحظها، فإن حفظت عرضك فيها، وإلا فأنا لها".

قول الشيخ حسن العطار في رسالة:
"أما بعد فإن أحسن وشي رقمته، وأبهى زهر تفتحت في الأكمام عاطر سلام يفوح بعبير المحبة نفحه، ويشرق في سماء التروس صبحه سلام كزهر الروض أو نفحة الصبا أو الراحي تجلى في يد الرشأ الأمني سلام عاطر الأردان تحمله الصبا سارية على الرندي، والباني إلى مقام حضرة المخلص الودادي الذي هو عندي بمنزلة العين، والفؤاد صاحب الأخلاق الحميدة حلية الزمان الذي حلي به معصمه، وجيده".

١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


على أن بعض النثر قد خطى خطوة أبعد من تلك الأغراض الشاذة كما تحرر بعض الشيء من التفاهت، والمحسنات، وأصبح يحمل زادا فكريا حينًا، وتجارب إنسانيا حينًا آخر، ويحاول أن يأخذ شكلًا جديدا غير شكل الرسالة، والمقامة، وما إليها، وكان باكورة ذلك كتاب (تلخيص الإبريز في تلخيص باريس) لرفاعة الطهطاوي هذا الكتاب الذي تحدث فيه رفاعة عن رحلته إلى باريس، وصف كثيرا من انطباعاته، ومشاهداته كما نقل عديدا من المعارف، والنظم، والقوانين التي أعجب بها في فرنسا، ورغم أن الكتاب قد جاء مزيجا من خصائص كتب الرحلات، والكتب العلمية، والتقرير الرسمية مع خلو تام من كل عنصر روائي فإن بعض الباحثين يعتبره البذور الأولى للرواية التعليمية في الأدب الحديث، وذلك بتقديمه ما قدم من معارف من خلال رحلة ثم لتمهيده لأعمال جاءت بعد ذلك فيها الهدف التعليمي، وفيها كثير من عناصر الرواية.
وأخيرا هناك ظاهرة جديرة بالتسجيل تتعلق بالأدب في تلك الحقبة، وهي الالتفات من بعض الكتاب إلى موضوع الوطن، والوطنية بالمفهوم الحديث تقريبا فقد كان الوطن من قبل ذلك ذائبا في جملة العالم الإسلامي أو دولة الخلافة، وليس له دلالة خاصة، وبالتالي ليس هناك كتابات تدور حوله، وتتغنى به أما الآن ومع كتابات رفاعة الطهطاوي بصفة خاصة فنحن نجد فكرة الوطن تبرز، والتغني به ظاهر حتى لا يمكن أن يعتبر ما كان من ذلك حجر الأساس في الأدب المصري القومي في العصر الحديث، وهكذا نرى أن رفاعة الطهطاوي يعتبر واضع بذور التجديد في الأدب المصري الحديث، فأدبه يمثل دور الانتقال من النماذج المتحجرة التي تحمل غالبا عفن العصر التركي إلى النماذج المجددة، والتجديدية التي تحمل نسمات العصر الحديث.



١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


نبذة عن رفاعة الطهطاوي رائد التنوير حياته، ونشأته
هو إمام النهضة العلمية في مصر الحديثة، وهبه الله لمصر لكي يزودها بنور العلم فكان مشعلا ساطعا بدد الجهل، وصدفته، وأنار الطريق لآلاف العقول، والقلوب، ووضع اللبنات الأولى في صرح ثقافتنا الحديثة أوتي القلب الذكي، والعقل الصافي، والنشاط الموفور، والبصيرة النفاذة، والعزيمة المبرمة فما أضاع ساعة منذ وضع رجليه على سلم الباخرة التي أقلته إلى فرنسا إلا وأمامه الهدف الذي رسمه لنفسه، ولوطنه، وظل هذا دأبه إلى أن انطفأ مشعل حياته هو مصري صميم من أقصى الصعيد يتصل نسبه من جهة أبيه بسيدنا الحسين -رضي الله عنه، وقد أشار إلى هذا النسب:
حسيني السلالة قاسمي بطهطا معشري، وبها مهادي

ومن جهة أمه يتصل بالأنصار الخزرجية، ولد في طهطا عام ١٨٠١ م إلى أن توفي عام ١٨٧٣ م، وكان أجداده من ذوي اليسار، وممن تولوا مناصب القضاء بمصر ثم عليهم الدهر، وحينما ولد كانت أسرته في عسر، فنشأ نشأة معتادة بين أبوين فقيرين، وقرأ القرآن، وتلقى العلوم الدينية كما يتلقاها عامة طلبة العلم في عصره، ودخل الأزهر كما دخله غيره، وصار من علمائه كما صار كثيرون، ولكن ذكاءه، وحبه العلم، وإقباله على التحصيل لفت إليه نظر الشيخ حسن العطار شيخ الجامع الأزهر في ذلك الوقت.
وكان الشيخ العطار من أفذاذ عصره في العلم، والأدب، والفنون الحديثة فاقتدى به تلميذه الشيخ رفاعة فقرأ كثيرا من الأدب، ومهر في فنونه، ...

١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


... وهو بعد في الأزهر ثم تولى التدريس سنتين ظهر فيها استعداده للتعليم، والتثقيف إذ أحبه تلاميذه حبا جما، وتعلقوا به، وبدروسه يقول صالح بك مجدي في هذا: "وكان رحمه الله حسن الإلقاء بحيث ينتفع بتدريسه كل من أخذ عنه، وقد اشتغل في الجامع الأزهر بتدريس كتب شتى في الحديث، والمنطق، والبيان، والبديع، والعروض، وغير ذلك، وكان درسه غاصا بالجم الغفير من الطلبة، وما منهم إلا، وقد استفاد منه، وبرع في جميع ما أخذوه عنه لما علمت من أنه كان حسن الأسلوب سهل التعبير مدققا محققا قادرا على الإفصاح، وطرقه المختلفة بحيث يفهم درسه الصغير، والكبير بلا مشقة، ولا تعب، ولا كد، ولا نصب ثم عين، واعظا، وإماما لإحدى فرق الجيش في سنة ١٨٢٤ فاعتاد حياة جديدة عنوانها النظام والطاعة، ومحبة الوطن، والدفاع عنه".
مواجهة الأخطار: وقد كان لذلك أثر كبير في حياته فعاش محبا للنظام في كل عمل تولاه في تلقي العلوم، وفي التأليف، والتعريب، وفي حسن تنظيم المعاهد التي تولى إدارتها شغوفا بوطنه مخلصا له طوال حياته، وكان من حسن حظه، وحظ مصر أن طلب محمد علي إلى الشيخ العطار أن يختار له من علماء الأزهر إماما للبعثة الأولى يرى فيه اللياقة لتلك الوظيفة فوقع الاختيار على الشيخ رفاعة، ولم يكن مطلوبا من إمام البعثة أن يحصل على شيء من علوم الفرنسيين، ولكن حسبه أن يؤدي مهمته من وعظه للطلاب، وإرشادهم إلى ما فيه خيرهم، ونصحهم إذا ضلت بهم السبل، وإمامتهم في الصلاة لكن الشيخ رفاعة كان ذا نفس طموح فما أن أقلعت به، وبأصحابه الباخرة من مصر حتى ابتدأ يتعلم الفرنسية فأتقنها في ثلاث سنوات، واتصل بكثير من العلماء المستشرقين فأجلوه، وأكبروه، ومنهم المستشرق المشهور البارون ديساس، وكوساندي برستال.

١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


واهتم في دراسته بالتاريخ، والجغرافيا، والفلسفة، والأدب فقرأ فولتير، ورسو، وراسين، وغيرهم، وقرأ بعض الكتب في علم المعادن، وفنون الحرب، والرياض، ومالت نفسه، وهو في باريس إلى التأليف، والتعريب فوضع رحلته، وسماها (تلخيص الإبريز في تلخيص باريس)، وقد كان أستاذه العطار قد وحى إليه ذلك، وعرب نحو اثنتي عشر رسالة في مختلف الفنون، والعلوم من هندسة، ومعادن، وطبيعة، وتاريخ، وتقويم، وعلم الصحة، والأخلاق، وترجم كذلك في باريس كتابه قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل، والأواخر، وهو أول من كتب من المصريين في المباحث الدستورية مع أن هذه المباحث كانت مجهولة في تاريخ مصر القومي، وذلك أنه درس في أثناء إقامته بباريس نظام الحكم في فرنسا، وعرب في كتابه تلخيص الإبريز دستور فرنسا في ذلك الحين، وما تضمنه من نظام المجلسين، واختيار أعضائهما، وحقوق الأمة أفرادًا، وجماعات، ولم يكن يكتفي بالتعريب بل كان يعلق بما يدل على سعة فهم، وصحة حكم، وميل فطري للنظم الحرة.
وكان الشيخ رفاعة في باريس موضع عجاب أساتذته، وإكبارهم لتمام رجولته، ونضج عقله، وحسن تصرفه، وشدة إقباله على الدرس، والتحصيل، والعمل على نفع أمته، وفيه يقول المستشرق الفرنسي المشهور ديساسي: "إن الشيخ رفاعة أحسن صرف زمانه مدة إقامته بفرنسا، وأنه اكتسب فيها معارف عظيمة، وتمكن منها كل التمكن حتى تأهل إلى أن يكون نافعا لبلاده، وله عندي مزية عظيمة، ومحبة جسيمة"، وذكر السيد صالح مجدي تلميذه، ومؤرخ حياته في كتاب (حلية الزمن): "وقال لي من أثق بهم ممن كانوا معه بباريس: إنه كان يؤدي الفرائض، والسنن، ولم يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، وواظب على تلاوة القرآن".

١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


كان رفاعة قبل أن يغادر مصر يظن أن العلم كله قد جمع في الأزهر، وأنه سيحرم الاغتراف من هذا النبع العذب، وفي ذلك يقول:
ألا من يغب عن الأزهر العلم فلينحى على بعد دار العلم، والعلماء

ولكنه يتبين له بعد أن ذهب إلى باريس، واتصل بثقافة الغرب أن وطنه في حاجة ملحة إلى معرفة هذه الثقافة الجديدة ليرقى، وينهض، وأنه لا يكفيه علم الأزهر، ولذلك جد في الترجمة حتى لا يخيل للمرء أنه يريد أن ينقل كل شيء إلى العربية، وإلى مصر، ولا يدعو فكل شيء أمام ناظريه جديد، وعلى عقله غريب.
ثم عاد إلى مصر سنة ١٨٣١ م بعد سنوات قضاها مكبا على الدرس، والتحصيل يطالع، ويقرأ، ويكتب، ويعرب، ويجالس العلماء، ويساجلهم البحث، والمناظرة، ويمعن النظر في أحوال الشعوب الأوروبية، وتاريخها، وأسباب حضارتها، وتقدمها، واستقر عزمه، وهو في باريس على أن يخدم بلاده عن طريق نقل العلوم الغربية إلى مواطنيه فتتسع أفكارهم، وتنمو مداركهم منتفيا، ومتبعا في ذلك آثار الدولة العباسية إذ بدأت نهضة العلوم والمعارف في عهدها بترجمة كتب اليونان إلى العربية، ولقد بر بوعده فملأ البلاد علما، وحكمة، وحمل لواء النهضة وخدمتها بتآليفه، وتعاريبه، وتلاميذه الذين تخرجوا على يديه في مدرسة الألسن.



١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


أعمال الطهطاوي، ونشاطه الأدبي
لما رجع ولي منصب الترجمة، وتدريس اللغة الفرنسية في مدرسة الطب بأبي زعبل ثم انتقل إلى مدرسة المدفعية بطره، وعهد إليه ترجمة العلوم الهندسية، والفنون الحربية ثم وقع وباء في القاهرة اضطره إلى السفر لطهطا بلدته فمكث بها ستين يوما ترجم في خلالها مجردا لتاريخ وجغرافية ملتن، وعاد به إلى القاهرة، وقدمه لمحمد علي فأكرمه، ورقاه, ولقد عرف الشيخ رفاعة في باريس بقدرته، والوقوف على مدارس اللغات الشرقية التي أسست لدراسة لغات الاستشراق، وكان يسميها في كتابه مدرسة الألسن فوجب أن تؤسس في مصر مدرسة للألسن تواجه مطلبها، وتناسب أغراضها، ورأى أن أعضاء البعثات مهما كثر عهدهم لن يقوموا بكل ما تتطلبه النهضة من جهود فلا بد من إيجاد طبقة من العلماء الأكفاء في الآداب العربية، واللغات الأجنبية ليطلعوا بمهمة تعريب الكتب، وليكونوا صلة بين الثقافة الشرقية، والثقافة الغربية.
إننا بالبعثة ننتقل بالمصريين إلى أوربا، وبهذه المدرسة تنقل علم أوربا إلى مصر فاقترح الشيخ على محمد علي باشا إنشاء مدرسة الألسن، وكان من مزايا محمد علي أن يسر دائما بالاقتراح لإنشاء المدارس، وتحرير الوقائع المصرية، وهي الجريدة التي اقترحها رفاعة الطهطاوي، وبعد سنوات تخرجت الدفعة الأولى في مدرسة الألسن فتلقفتهم مصالح الدولة المختلفة، وظل الشيخ سبعة عشر عاما، وهو دائب في عمله لا يمل، ولا يكل، وفي كل آونة يضاف إليه عملا جديدا يتقبله بصدر رحب، وعزيمة قوية، وكلما زاد اجتهاده، ونتاجه زاده أولوا الأمر مكافأة، وتقديرا فمنحه محمد علي رتبة أميرلاي، و ١٣٠ ألف قرشا في الشهر، و ٣٥٠ فدانا في طهطا.

١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


ولكن الدنيا لا تدوم على حال فما إن مات محمد علي، وتولى عباس الأول الحكم حتى أغلق المدارس جميعها إلا القليل، وألغى مدرسة الألسن، والشيخ رفاعة معها بحجة الاقتصاد في النفقات؛ ولأن حاشية السوء لما رأت ميل الوالي إلى محاربة التعليم، والعلماء خاضوا في الشيخ رفاعة، وطريقته، ورموه بالعقم فنفاه عباس الأول إلى السودان تحت إنشاء ستار مدرسة ابتدائية هناك، وتعيينه ناظرا لها، ومعه طائفة من أكابر العلماء، ولم تكن الخرطوم كما هي اليوم في نظافتها، ومبانيها، وتوفر وسائل العيش بها إنما كانت مدينة صغيرة تصعب الحياة فيها على من ألف حياة باريس، والقاهرة، وعلى من يشرف على التعليم كله بمصر فإذا هو يشرف على مدرسة ابتدائية صغيرة بالخرطوم، وحز في نفس الشيخ أن يجازى على إحسانه بالإساءة، وأن يطعن الجاهلون في طريقته التي أيعنت، وآتت أكلها شهيا لذيذا يزيد في نماء البلاد العقلي، ونهضتها نحو الكمال، وأخذ يستغيث، ويندب حظه، والموت يتخطف أعوانه كل يوم حتى لم يبق إلا نصفهم.
وكان يستغيث بمن يأنس منهم روح الجد، فلم يجبه أحد.
ثم يذكر أشهر مترجماته، ومؤلفاته في قصيدة له، فيقول:

على عدد التواتر معربات تفي بفنون سلم أو جهاد
ومغترف قراح فرات درسي فقد اقترحوا سقاية كل صاد
ولاح لسان باريس كشمس بقاهرة المعز على عمادي


١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


ويزفر زفرة حارة على ما صار إليه أمره، وعلى بعده عن أولاده، وأهله فيقول:
رحلت بصفقة المغبون عنها وفضلي في سواها في المزاد
وما السودان قط مقام مثلي ولا سلماي فيه، ولا سعادي

وقد قارفت أطفالا صغارًا بطهطا دون عودي، واعتدادي
أفكر فيهما سرًّا، وجهرًا ولا ثمري يطيب، ولا رقادي
أريد وصالهم، والدهر يأبى مواصلتي، ويطمع في عنادي

وظل الشيخ في منفاه أربع سنوات، وكان رفاعة في السودان برما بمقامه، ومصيره، ولكن حين هدأت ثائرته، وعاد إلى وطنه، قال:
"فمتى زالت من السودان وسائل الوخامة، والسقامة، ودخلت أهاليها بحسن الإدارة في دائرة الاستقامة صارت وهي والديار المصرية في العمار كالتوأمين، وفي إيناع الأثمار صنوين حتى ينشد لسان حالها:

نحن غصنان ضمن الوجد جميعًا في الحب ضم النطاق


١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


ولم يعد لمصر إلا بعد أن توفي عباس، وتولى سعيد أريكة مصر فعينه وكيلًا للكلية الحربية ثم ناظرا لها، ومديرا لمدرسة الهندسة، ومدرسة العمارة مع الاحتفاظ برياسة قلم الترجمة بيد أن هذه المدارس جميعها ألغيت في سنة ١٨٦٠ م، كما ألغي قلم الترجمة فظل الشيخ بدون منصب حتى عهد إسماعيل حين هبت على العلم والتعليم نسمة من الحياة فبعثته قويا فتيا، وأعيد قلم الترجمة بنظارة المعارف العمومية، وتولى رياسته من جديد رفاعة بك الطهطاوي سنة ١٨٦٣ م، وعين عضوا في مجلس المعارف الأعلى الذي كان يعرف حينذاك كمسيون المدارس, وكان لهذا المجلس فضل كبير في تنظيم التعليم على عهد إسماعيل.

رفاعة والقانون
حين فكرت الحكومة في إصلاح نظام القضاء على عهد إسماعيل رأت أن تبدأ بترجمة القوانين الفرنسية المعروفة بالكود، وهو قانون نابليون، وكانت هذه مهمة عسيرة تتطلب إلمامًا واسعًا بالقوانين الفرنسية، وأحكام الشريعة الإسلامية لاختيار المصطلحات الفقهية المطابقة لما في ذاتها في القانون الفرنسي، وهذا كله يحتاج إلى صبر طويل، ومثابرة وهمة، ولم تجد الحكومة خيرًا من رفاعة وتلاميذه ليقوموا بهذه المهمة الجليلة فقام بهذا العمل مع بعض من نجباء خريجي مدرسة الألسن، وأخرجوه في مجلدين كبيرين.


١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


رفاعة والمرأة
وأول من نادى بتعليم المرأة، وتثقيفها، ووضع كتابا مشتركًا لتثقيف البنات، والبنين على السواء، وسماه (المرشد الأمين للبنات والبنين)، وهو كتاب في الأخلاق والتربية، والآداب بل دعا لاشتراك المرأة في أعمال الرجال على قدر طاقتها، ويقول في هذا: "ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات، والصبيان معا، فتتعلم البنات القراءة، والكتابة، والحساب، ونحو ذلك فإن هذا مما يزيدهن أدبا، وعقلا، ويجعلهن بالمعارف أهلا، ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام، والرأي فيعظمن في قلوبهم، ويعظم مقامهن، وليمكن للمرأة عند اقتضاء الحال أن تتعاطى من الأشغال، والأعمال ما يتعاطاه الرجال على قدر قوتها، وطاقتها فكل ما يطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهم، وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة فإن فراغ أيديهن عن العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل، وقلوبهن بالأهواء، وافتعال الأقاويل فالفعل يصون المرأة عما لا يليق، ويقربها من الفضيلة، وإذا كانت البطالة مذمومة في حق الرجال فهي مذمة عظيمة في حق النساء".
ولقد طبع كتابه هذا في سنة ١٨٧٢ م، وأسست أول مدرسة لتعليم البنات في مصر سنة ١٨٧٣ م أسستها إحدى زوجات إسماعيل على أن دعوة رفاعة إلى تعليم المرأة، والنهوض بها ترجع إلى ما قبل ذلك بكثير، ولكنه لم يستجب لدعوته، وكان تعليم المرأة مقصورًا على الأساتذة الخصوصيين إلى أن وجدت دعوته من يلبيها، ويعمل على تنفيذها، وتوفي رحمة الله تعالى في عام ١٢٩٠ م الموافق عام ١٨٧٣ م، وله من العمر خمس وسبعون سنة، وقد بقي تلاميذه من بعده، وطريقته التي أسسها، وكتبه التي ألفها وترجمها.



١.٣ محاولات للنهوض بالشعر والنثر وتأثير رفاعة الطهطاوي فيه


صفاته
كان رفاعة عربي الصفات يتمثل فيه الكرم، والجرأة، والحزم، وتفرس الأمور أخص مزاياه الشمم، والإباء، واعتداده بنفسه، وصراحته عند مجابهة أولي الأمر بما ينفع وطنه، وكانت له أفكار تخشاها الأسرة الحاكمة، وقد صرح بها في مواطن كثيرة من كتبه فكان يدعو إلى العدالة الاجتماعية، وألا يستبد مالك الأرض بزراعتها فزارعها هو في حقيقة الأمر أولى الناس بالانتفاع بها، وكان يلمح تلميحات لا تخفى على ذوي الفطن إلى استبداد أسرة محمد علي وحاشيته، ويدعو إلى الشورى، وغير ذلك مما يفتئيه الرجل المصلح العامر القلب بالإيمان، والعقل بالأفكار النيرة.