شهد (الأول) العصر المملوكي التقدم العمراني، والازدهار الفكري، والثقافي، وتبع ذلك استواء الحياة الأدبية؛ لأنه كان قريب الاتصال بالعصر الذهبي في أدبنا العربي، وهو الدولة العباسية.
ثم (الثاني) العصر العثماني الذي أدخل الثقافة العربية في ليل طويل، وجمود فكري، وأدبي أسلم ذلك الأمة العربية إلى محنة الاستعمار حين تآمرت عليها دول أوربا، واقتسموا ما أسموه بتركة الرجل المريض.
وهناك أسباب أدت إلى هذا الانهيار، والضياع، وهي كثيرة منها:
ما اتصف به الحكم العثماني من الظلم، والجور، ومصادرة الأموال.
انتشار الفقر، والجهل في البلاد التابعة.
١.١ الحالة الأدبية قبل العصر الحديث وأسباب يقظة الأدب في العصر الحديث
شيوع الضيق، والخوف في أبناء الأمة العربية.
ضياع التراث الفكري، والأدبي، ونهب الكتب، والمؤلفات.
حشد العلماء، والأدباء، والمهندسين، والصناع في تركيا، وترك البلاد العربية الأخرى خلوا من الفكر، والأدب، والعلم.
نهب أموال الأوقاف، وحرمان العلماء منها.
العمل على إبقاء ديوان الإنشاء.
فرض اللغة التركية على العرب، وجعلها اللغة الرسمية.
انهيار الأخلاق، والآداب في الأمة.
كل هذا أدى في النهاية إلى ضعف الثقافة، وضيق الفكر، وفساد الأذواق، وتأخر الأمة العربية في شتى المجالات بينما كانت أوربا تقطع شوطا بعيدا في النهوض الفكري، والثقافي، والعلمي، والأدبي، ودخلت بعده في عصر النهضة الأوربية الأخيرة.
ولا يخفى علينا أن الأسباب السابقة إذا لحقت بأية أمة فلا يمكن بحال أن تقوم لها قائمة، ويظهر ضعفها، وتأخرها في شتى النواحي الفكرية، والثقافية، ولذلك ترى أن خصائص الأدب في العصر العثماني:
١.١ الحالة الأدبية قبل العصر الحديث وأسباب يقظة الأدب في العصر الحديث
اتسم الأدب بالضعف، والابتذال.
انتشرت فيه الأخطاء اللغوية النحوية.
شاعت فيه العامية، وتسربت إليه بعض الألفاظ التركية.
الإغراق في التصنع، والتكلف.
ضعف الشعور عند الأديب، وانحطاط الذوق الأدبي.
الاهتمام باللفظ دون المعنى، والعناية بالزخرف، وأثقال الزينة في التعبير.
انتشار الزجل الذي يظهر على حساب الانهيار الأدبي.
اختفاء شخصية الأديب، وشيوع التقاليد المزيف.
ضحالة الفكرة، وتفاهة المعنى.
ضعف الخيال، وجفاف صوره.
١.١ الحالة الأدبية قبل العصر الحديث وأسباب يقظة الأدب في العصر الحديث
ثم يأتي العصر الحديث بعد ذلك فيسهم بقوة لأسباب كثيرة في التقدم الفكري، والثقافي، والاجتماعي، والسياسي، والعلمي، والأدبي، ونخص الدراسة بالناحية الأدبية.
سمات هذا العصر:
تعددت الأغراض
تنوعت الموضوعات
اتسم الأدب بالسهولة، والوضوح.
عمق الاتجاه الإنساني.
الوحدة العضوية، والتجربة الشعرية.
ابتكار المعاني، وصدق العاطفة.
التحليل النفسي، والتأملات الفلسفية.
جدة الصور، وابتكارها، والتشديد في الموسيقى الشعرية.
١.١ الحالة الأدبية قبل العصر الحديث وأسباب يقظة الأدب في العصر الحديث
أسباب اليقظة في العصر الحديث أهم أسباب اليقظة منها:
أولاً: أسلحة علمية جاءت بها الحملة الفرنسية وكانت الحملة الفرنسية ترمي إلى تكوين إمبراطورية شرقية قوية مستقرة لذلك اتخذت العلم سلاحا ضمن أسلحتها، وحشدت العلماء جندا ضمن جنودها، وكان من مظاهر ذلك أن أنشأ العلماء الفرنسيون للحملة في مصر مراكز للأبحاث الرياضية، ومراصد فلكية، ومعامل كيماوية كما أنشئوا بعض المصانع، ومعملًا للورق ثم مجمعا علميًّا لدراسة أحوال مصر الطبيعية، والجغرافية، والاجتماعية، والاقتصادية، والتاريخية، والثقافية، وكان ذلك أساسا لإمداد الحكومة الفرنسية بالمعلومات، والتوجيهات، والإحصاء، والخرائط، ولتأكيد الوجود الفرنسي في مصر، وإقامته على دعائم من العلم، والخبرة, كذلك أقام الفرنسيون مطبعة عربية، وأصدروا صحيفتين فرنسيتين، ونشرة باللغة العربية, كما أقاموا أيضا مسرحا للتمثيل، وكانوا يقدمون فيه رواية فرنسية كل عشر ليال, وفتحوا مدرستين لتعليم أبناء الفرنسيين، ومكتبة عامة جمعوا فيها ما حملوه معهم من كتب، وما جمعوه من مساجد مصر، وأضرحتها، وكانوا يدعون بعض المصريين إلى مشاهدة ما بها من كتب كما كانوا يدعونهم إلى مشاهدة بعض تجاربهم العلمية، وذلك لتأليف قلوبهم، وإيهامهم بأنهم جاءوا لتحضيرهم، والنهوض بهم.
١.١ الحالة الأدبية قبل العصر الحديث وأسباب يقظة الأدب في العصر الحديث
ولعل مما يرتبط بهذه المظاهر تشكيلهم للديوان الذي كان يضم تسعة أعضاء من علماء الأزهر، وذلك للعمل على تحسين الأمر، والتظاهر بأن الشعب يشارك في حكم نفسه.
ويلاحظ:
أن أغلب تلك المظاهر الثقافية متصل بالعلم العملي.
أن جميعها جاءت في صورة عدوانية ضمن الحملة الفرنسية الغازية، ومن هنا لم يكن لها تأثير فعلي في وصل المصريين بالثقافة الأوربية، وبخاصة الثقافة الأدبية، وإنما اقتصر تأثير كل هذه المظاهر على الإثارة أو الإيقاف حتى أحس البعض بوجوب التغيير، وتطلع إلى التسلح بوسائل أفضل، وهذا ما عبر عنه الشيخ العطار بقوله حينذاك: إن بلادنا لا بد وأن تتغير أحوالها ويتجدد ما بها من علوم، ومعارف.
ثانيا: الاتصال الفعلي بالثقافة الحديثة كان محمد علي جنديًّا ألبانيًّا مغامرًا قد جاء إلى مصر ضمن الحملة التركية التي اشتركت في إخراج الفرنسيين سنة ١٨٠١ م، وقد امتدت أطماعه إلى الاستقلال بمصر أولاً، ثم تأسيس إمبراطورية كبيرة ثانيًّا، واستطاع بدهائه، ومكره أن يخدع القوى الشعبية التي ظهرت قوتها أثناء مقاومة الفرنسيين حتى ولَّته تلك القوى حاكما على البلاد سنة ١٨٠٥ م، ...
١.١ الحالة الأدبية قبل العصر الحديث وأسباب يقظة الأدب في العصر الحديث
... وما لبث أن خان تلك القوى فاضطهد زعماءها، وعلى رأسهم السيد عمر مكرم كما غدر بالمماليك فنكل بهم في مذبحة القلعة، ورأى أن الحاجة ماسة إلى قوة مسلحة تخمد القوة الشعبية التي يدين لها بعرشه، وترهب بقايا الملوك الذين ينازعونه سلطانه كما تحميه من تركيا التي تملك عزله، وإنجلترا التي تهدد أطماعه فعمد إلى إنشاء جيش قوي، وعمل على ما من شأنه أن يحيط بهذا الجيش من أسباب القوة، فأنشأ مدرسة حربية ثم مدرسة الطب ليقوم بعلاج الجيش ثم أنشأ مدرسة للصيدلة، وأخرى للطب البيطري، وأخرى للهندسة وهكذا.
واستخدم محمد علي أول الأمر الأساتذة الأجانب للتدريس في هذه المدارس، وكذلك أرسل محمد علي البعثات إلى أوربا ليقوم أبناؤها فيما بعد بمطالب الجيش وللتدريس في هذه المدارس التي هي في خدمة الجيش، وهكذا كان أول لقاء عمل بين المصريين والثقافة الغربية في العصر الحديث، وقد أنتج هذا اللقاء ثمارا طيبة فقد عاد هؤلاء المبعوثون بعلم جديد وعقلية جديدة إلى بلادهم فعلموا في المدارس، وعملوا في المصالح، وترجموا، وألفوا، وخططوا، وبهذا وضعوا أساس الحركة الثقافية، والأدبية الحديثة، وكان من أجل مظاهر ذلك مدرسة الألسن التي اقترحها، وكانت تعني بدراسة اللغات الفرنسية، والإيطالية، والتركية، والفارسية، وقد استطاعت مدرسة الألسن بفضل خريجيها أن تترجم كثيرا من الكتب كما ترجم رفاعة الطهطاوي رسائل عديدة في مختلف العلوم، والفنون.
١.١ الحالة الأدبية قبل العصر الحديث وأسباب يقظة الأدب في العصر الحديث
أهم المظاهر الثقافية التي عرفت في تلك الآونة
إنشاء المطبعة الأميرية سنة ١٨٢٢.
إصدار صحيفة سميت أولا باسم جورنال الخديوي ثم أخذت اسم الوقائع المصرية، وكانت تحرر أولا بالتركية والعربية ثم صارت تكتب بالعربية وحدها، وربما كان أهم الثمار التي جنيت من هذه الحركة هي ظهور جماعة من المثقفين المصريين الذين نهلوا من ثقافة الغرب، وعرفوا لغته، وبعض أدبه، وأصبحوا يمثلون لونا جديدا إلى جانب اللون التقليدي الذي كان في الأزهر، ولذلك انتعشت اللغة العربية، وانتعشت الثقافة بعد هذه الحركة.
الأسس التي قامت عليها نهضة الأدب الحديث في العصر الحديث
أولًا: الاتصال بحضارة الغرب حيث تنوعت الطرق التي شقها الإنسان العربي للتعرف على علوم الغرب، وثقافته والتي كانت من أهم العوامل التي أدت إلى نهضتنا الفكرية، والأدبية، وهذه الطرق هي:
١.١ الحالة الأدبية قبل العصر الحديث وأسباب يقظة الأدب في العصر الحديث
الحملة الفرنسية ١٧٩٨ م، وما أحدثته هذه الحملة من التبادل في الرأي، وتمازج الفكر، والعمل على تكوين مجتمع حر يعتمد على أبناء الشعب الذين يباشرون أعمالهم بأيديهم، وأنفسهم، ويقررون مصير أمتهم مما اضطر الخديوي إسماعيل أن يفتتح مجلس شورى النواب في نوفمبر سنة ١٨٦٦، وكان المجلس سببا في التعبير الحر، وفي أسلوب الجدل، والحوار، ومنبر للخطابة النيابية التي تعبر عن رغبات الشعب.
XXXXXXXXXXXXXX
حركة الاستشراق، وهي حركة ذات حدين:
الأول: خفي مسموم، وهو عن طريق غير مباشر، وهو النيل من الدين الإسلامي، والتهويل من أمره؛ لأنهم يضمرون له الكيد، والحقد.
والثاني: ظاهر مفيد أفاد كثيرا في الرقي الثقافي، والأدبي حيث أسهموا كثيرا في الدراسات العربية فنشروا مخطوطات في باريس، وبرلين، وليدن وقدموا أبحاثا في اللغة، والأدب العربي فوجهوا الباحث العربي إلى الدقة في التحقيق وصحة الأسانيد، وعمق البحوث، وإصابة التبويب، وفهرسة الموضوعات، والأعلام، ودقة الملاحظة، وصحة الحكم، وأنشأوا جمعيات للدراسات العربية سموها الجمعيات الأسيوية، وأشهر المستشرقين بروكلمان صاحب (تاريخ الأدب العربي)، وجوب في مؤلفه (الميول الحديثة في الإسلام)، وإدوارت وليم لين، وكليمانت وارت ولاشير، وغيرهم الترجمة، وهي من الطرق التي أفادتنا بعلوم الغرب، وفكره، وقام بها علماء من الشام هاجروا إلى مصر، وبخاصة في النثر الأدبي من قصص، ومسرحيات نثرية.
هم الذين أسسوا الفن المسرحي، وأسهموا في بناء صرح الفن الصحفي مثل سليم نقاش، وأديب إسحاق، ويعقوب صنوع، ونجيب حداد، وسليمان البستاني فترجموا (الإلياذة)، وبعض المسرحيات العالمية مثل رواية (السيد) لكرني، و(البخيل) لمورين (وروميو وجولييت) لشكسبير، ومن المترجمين المصريين رفاعة الطهطاوي، ومحمد عثمان جلال.
١.١ الحالة الأدبية قبل العصر الحديث وأسباب يقظة الأدب في العصر الحديث
ثانياً - البعثات إلى الخارج، وإيفاد الأساتذة من الغرب ليقوموا بالتدريس في الجامعات المصرية إحياء التراث الفكري، والأدبي صارت الحركة الفكرية في أبناء الأمة، وعلمائها القلائل، وخاصة بعد قدوم جمال الدين الأفغاني إلى مصر عام ١٨٦٩ م، الذي مكث أربعين يوما فيها التقى بالمفكرين آنذاك، وتتلمذوا على يديه، وبخاصة الشيخ محمد عبده، وعبد الكريم سليمان، وإبراهيم الهلباوي، وسعد زغلول، وعبد الله النديم، وقاسم أمين، وحسن عاصم، وحسن عبد الرازق، وغيرهم ثم عاد إليهم مرة ثانية عام ١٨٧١ بعد أن نفته الأستانة، واستقبله تلاميذه، واستأجر منزلا في حارة اليهود بعد أن أجرى عليه رياض باشا راتبا شهريًّا، واتخذه مدرسة له ينشر فيها على طلابه المعارف، والعلوم من منطق، وفلسفة، وتصوف، وتفسير، وعقائد وأصول الفكر، والفلك، والتاريخ من خلال ذلك يهذب طلابه بالأخلاق الفاضلة، ويدعوهم إلى الإصلاح، والاجتهاد في العلم، والجرأة، والحرية، والتفصيل بالشئون السياسية، وحقوق الشعب، وواجبات الحاكم، وأخذ يكتب هو، والشيخ محمد عبده في الصحافة الحكومية في التربية، والفلسفة، وحرية الرأي.