٢.٣ مواطن الجمال في القصيدة


مواطن الجمال في القصيدة

صَحا القلبُ عن سلمى وقد كاد لا يسلو وَأقْفَرَ من سَلمى التّعانيقُ فالثّقْلُ

هذه الأبيات هي مقدمة القصيدة، وهي مقدمة غزلية، وقد كان بدء القصائد بمقدمة غزلية من الأمور التي دأب عليها الشعراء في العصر الجاهلي، وغالبا ما يذكرون في هذه المقدمة الغزلية أطلال المحبوبة التي تدل على ديارها، ويصفون هذه الأطلال، وآثار الديار، ويبكون عندها، ويسلمون عليها، ثم يتحدثون عن المحبوبة التي ارتحلت، ويصفون جمالها. وكثير من الشعراء يعدد أوصاف الجمال في محبوبته، ويصف تعلق قلبه بها، و شدة هيامه، وشدة حزنه على فارقها.

وبعض الشعراء كان صاحب تجربة في الحب، فهو في غزله صادق يعبر عن تجربة نفسه، ويصور مشاعر قلبه. وبعض الشعراء كان يسير في هذه المقدمة تقليدًا، ويبدو أن زهير بن أبي سلمى بسبب ما كان فيه من العفة لم يشأ أن يكون وصافًا للنساء؛ ولذلك جاء غزله في مقدمات قصائده أميل إلى التقليد، وهو عندما يذكر محبوبته لا يفصل في الكلام عن جمالها، ولا أوصافها، ولا يسرف في وصف تعلقه بها، وإنما يمضي سريعًا إلى ذكر الأماكن التي مرت بها قافلة المحبوبة المرتحلة، فهو ليس من العشاق،..


٢.٣ مواطن الجمال في القصيدة


وليس ممن يشغلون أنفسهم بالغزل، وبيان لوعة الحب، وإنما هو يتحدث في ذلك مرتسمًا سننًا موضوعة؛ كي يظهر قدرته على التصوير الفني، هكذا يقول الدكتور شوقي ضيف في حديثه عن الغزل عند زهير، ويضيف قائلًا: "ولعله من أجل ذلك ملأ مقدماته الغزلية بوصف الظعن، وكأنه يريد أن يتلافى ما يفوته من وصف الحب والصبابة، وفي الوقت نفسه يريد أن يدل على براعته في الوصف الدقيق، فهو يستقصي ويدقق ولا يزال يتبع صاحبته وصواحبها وهن راحلات في نجد مع عشيرتهن من واد إلى واد، ولذلك، وجدناه في هذه الأبيات التي أشرت إليها من هذه القصيدة، والآبيات التي أتت بعدها، قلت: لا يتحدث عن المحبوبة، ولا عن أوصافها، ولا عن شدة عشقه لها، بل إنه في أول القصيدة قال:

صَحا القلبُ عن سلمى وقد كاد لا يسلو       .....................

يعني: أنه نسيها، مع أنه بعد ذلك قال: غير حبك ما يسلو. فهو متردد بين النسيان وعدمه، ثم لما انتقل بعد هذه الأبيات الستة تحدث عن الأماكن التي مرت بها قافلة المحبوبة المرتحلة، فذكر المرورات ودارتها، أو المرورات ودارتها، فذكر نخلا، وذكر محجرا، وجزع الحسا، وكلها بلاد كما قال: بلاد بها نادمتهم وألفتهم.

وبعد ذلك، انتقل إلى الحديث عن القوم الذين أراد أن يمدحهم من أول قوله:


٢.٣ مواطن الجمال في القصيدة


إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم،       طوالَ الرماحِ لا ضعاف ولا عزلُ

وهنا نتوقف مع هذا البيت، فقد استخدم فيه أسلوب الاستعارة، وشبه سرعة القوم إلى نجدة المستغيثين بهم، شبه هذه السرعة بالطيران: طاروا، وأثنى عليهم بأنهم طوال الرماح، وأنهم غير ضعاف، وأنهم غير عزل. فهم مستكملون لأسلحتهم. ففي قوله: طاروا إذا استعارة تبعية في الفعل.

وفي قوله: بخيل عليهم جنة عبقرية: قوله: بخيل: أي طاروا إلى مستغيثيهم. بخيل: أي: أسرعوا إلى نجدة مستغيثيهم راكبين خيلًا، لكن الذين يركبون هذه الخيل لم يقل: إنهم فرسان، إنما قال: بخيل عليها جنة عبقرية، أي: الذين يركبون هذه الخيل جنة من عبقر البلدة المعروفة بالجن، وفي هذا الكلام أيضًا استعارة؛ لأنه شبه الفرسان بالجان، ثم تناسى هذا التشبيه، وادعى أن الفرسان جن حقيقة، وقوى هذه الاستعارة بقوله: عبقرية، فهم جن من عبقر، وفي قوله:
وإنْ يُقْتَلُوا فيُشْتَفَى بدِمائِهِمْ       وكانُوا قَديمًا مِنْ مَنَاياهُمُ القَتل
ُ

جعل دماء هؤلاء القوم الممدوحين شفاء لمن يقتلهم بسبب شرفهم، فالذي يقتل منهم أحدًا يسعد بذلك ويفتخر؛ لأنه نال من الشرفاء الشجعان. ففي قوله: يشتفى أيضًا استعارة، استعار الشفاء لراحة النفس، وفي قوله:


٢.٣ مواطن الجمال في القصيدة


عَلَيها أُسُودٌ ضارِياتٌ لَبُوسُهُمْ       سوابغُ بيضٌ، لا يخرقُها النبل
ُ

ذكر أن على هذه الخيل أسودًا، وشبه الفرسان بالأسود الضاريات بعد أن شبههم بالجنة، وكما ادعى أن المشبه من جنس المشبه به على سبيل الاستعارة في قوله: بخيل عليها جنة، ادعى أيضا أنهم أسود حقيقة: عليها أسود، ففي البيت أيضًا استعارة، وفي قوله:

إذا لَقِحَتْ حَرْبٌ عَوَانٌ مُضِرّةٌ       ضروسٌ تهرُّ الناسَ أنيابها عصلُ

في هذا البيت أيضًا استعارة؛ لأن الحرب لا تلقح، ولا تحمل، و إنما الأنثى هي التي تلقح وتحمل. وقد شبه الحرب بالمرأة العوان، وذكر العوان؛ لأنها مجربة، وأشد من البكر. فهذه الحرب حرب عوان، أي: مسبوقة بحروب. وهذه الحرب ضروس، والضروس: العضوض، فهي الحرب عوان، ومضرة، وضروس أي: تعضد بأنيابها المتحاربين فيها، وأنيابها عصل: كالحة معوجة. فالحرب إذا حرب عوان، مضرة، ضروس: تهر الناس، أي: تجعل يهرون كالكلاب من الفزع، وهذه الحرب أنيابها عصل: دابة تعضد الناس بأنيابها الكالحة المعوجة. هذه صورة الحرب التي يصفها زهير دائمًا في صورة بشعة رهيبة. وقد استخدم الاستعارة هنا، كما استخدمها في الأبيات السابقة.


٢.٣ مواطن الجمال في القصيدة


قُضاعِيّةٌ أوْ أُخْتُها مُضَرِيّةٌ يحرقُ في حافاتها الحطبُ الجزلُ

أيضًا في هذا التعبير استعارة؛ لأنه شبهها بالحريق العظيم، ثم أثبت لهذه الحرب صفة من صفات هذا الحريق، وهذه الصفة هي: تحريقها للحطب الجزل، وقد نسب الحرب إلى قضاعة مرة، وإلى مضر مرة أخرى. وهو يصور إذا في هذين البيتين الحرب تصويرًا حسيًّا عن طريق الاستعارة. وفي قوله:

يحشونها بالمشرفيةِ والقنا        وَفِتيانِ صِدْقٍ لا ضِعافٌ ولا نُكلُ

يستمر زهير في تصوير هذه الحرب عن طريق الاستعارة، فيجعل القوم يوقدنها، أي: الحرب، لماذا يوقدنها، ويشعلونها بالسيوف، والقنا، والفرسان الشجعان. في قوله:

بعزمةِ مأمورٍ، مطيعٍ، وآمرٍ       مطاعٍ فلا يلفَى لحزمهمُ مثلُ

استخدم بعض ألوان البديع، فبين مأمور وآمر جناس، وبين مطيع ومطاع جناس، وبين مأمور وآمر طباق، وبين مطيع ومطاع أيضًا طباق. في قوله:


٢.٣ مواطن الجمال في القصيدة


إذا السنةُ الشهباءُ بالناس أجحفتْ        ونال كرام المال في الحجرة الأكل
أيضًا استعارة. وفي قوله:

رأيتُ ذوي الحاجاتِ، حولَ بيوتهم        قطينًا لهم حتّى إذا نبتَ البقلُ

إلى آخره، تصوير للقوم الذين يمدحهم، والناس يجتمعون حول بيوتهم يسألونهم من فضلهم، فلا يبخلون على أحد. وفي قوله:

على مكثريهم رزق من يعتريهمُ       وعندَ المقلينَ السماحةُ والبذلُ

مقابلة بين شطري البيت. وفي قوله:

وإنْ جئتهم ألفيتَ حولَ بيوتهم       مجَالسَ قد يُشفَى بأحلامِها الجَهلُ

أيضًا تصوير لمجالس القوم التي يبدون فيها آراءهم التي بها تحل المشكلات، ويقضى بها في الملمات. وفي قوله:


٢.٣ مواطن الجمال في القصيدة


وإنْ قامَ فيهِمْ حامِلٌ قال قاعِدٌ        رَشَدْتَ فلا غُرْمٌ عليكَ وَلا خَذْلُ

استخدم أيضًا الطباق بين حامل، وقاعد. وفي قوله:

فما كانَ من خيرٍ أتوه فإنَّما       تَوَارَثَهُمْ آبَاءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ

إشادة بالممدوحين على أنهم توارثوا المجد عن آبائهم، وأجدادهم؛ فمجدهم ليس حديثا.

هل ينبتُ الخطيَّ إلاَّ وشيجهُ       وتُغرَسُ إلاّ في مَنابِتِها النّخْل
ُ

هذا البيت من آبيات الحكمة في شعر زهير، وهو يستدل به على أن الأمر لا يستغرب إذا جاء من معدنه، فهؤلاء القوم لا يستغرب مجدهم، كما لا يستغرب أن ينبت الخطي وشيجه، أي: فرعه الذي تؤخذ منه الرماح، ولا تغرس النخل إلا في منابتها.


٢.٣ مواطن الجمال في القصيدة


على هذا النحو من المعاني الشريفة، والتصوير البديع مضى زهير في هذه القصيدة التي مدح فيها هرم بن سنان، والحارث بن عوف في موقفهما النبيل، أو بسبب موقفهما النبيل في حرب داحس والغبراء.

والقصيدة -كما ترى- تصور مذهب زهير في التعبير والتصوير، وتظهر أن اللون الغالب على شعره في التصوير هو: الاستعارة. وهو لا يكثر من استخدام الألوان البديعية كالجناس، والطباق، وغيرهما، ولكن هذه الألوان البديعية تأتي في شعره لتؤدي وظيفة معنوية، وعلى أية حال، فهي ليست كثيرة، فهو يعتمد في شعره على التصوير، ويكثر من استخدام الاستعارة.