١.٢ مناسبة القصيدة
مناسبة هذه القصيدة
أن رجلين من قبيلة الشاعر قاما بعمل عظيم مجيد، هذا العمل هو: أن هذين السيدين الكريمين أصلحا بين عبس وذبيان، وهما قبيلتان من العرب تجمع بينهما قرابة العمومة، وقعت بينهما حرب، اسم هذه الحرب معروف في تاريخ العرب وأدبهم باسم: حرب داحس والغبراء. وداحس: اسم فرس، والغبراء كذلك. كان هؤلاء القوم أقاموا سباقًا بين هذين الفرسين على عادتهم في إجراء السباق بين خيولهم؛ لما كان للخيل في حياتهم من شأن عظيم؛ لأنها كانت عدتهم في الحروب.
كانت داحس لقيس بن زهير، وكانت الغبراء لرجل اسمه: حمل بن بدر، وكان الرهان على مائة بعير، أيّ الفرسين يسبق يأخذ صاحبه مائة بعير. ولما اشتد السباق بين الفرسين، وكانا يجريان في طريق فيه شعاب كثيرة، جعل حمل بن بدر في أحد الشعاب فتيان على طريق الفرسين، أمرهم إن جاء داحس -وهو: الفرس المنافس لفرسه- سابقًا، أن يردوا وجهه عن الغاية. بالفعل، سبق داحس الغبراء، وكاد يفوز بالسباق، فقام الفتيان برد هذا الفرس عن غايته، ووثبوا في وجهه فأخرجوه من السباق، وصارت الحرب بين عبس وذبيان أربعين سنة بسبب هذه الحادثة.
١.٢ مناسبة القصيدة
الأيام التي التقى فيها الفريقان، وكثر القتلى من الجانبين، وأخذ كل فريق من الفريقين يضم إليه أحلافًا من قبائل العرب، فانضم إلى قبيلة عبس بعض من القبائل، وانضم إلى ذبيان بعض آخر، وكان من الأبطال المشهورين في هذه الحرب، حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان، عنترة بن شداد العبسي.
هذه هي الحرب الضروس التي اشتعلت بين عبس وذبيان، والتي اهتم بها زهير بن أبي سلمى في شعره، قام سيدان كريمان من القوم هما: هرم بن سنان، والحارث بن عوف بالإصلاح بين عبس وذبيان، وتعهدا بتحمل ديات القتلى. ويذكر أنهما تحملا من أجل الإصلاح بين قومهم ثلاثة آلاف بعير، وبعد أن أبرم الصلح بين القبيلتين، قام رجل من ذبيان بقتل رجل من عبس كانا قد قتل أخاه، فأوشكت الحرب أن تعود ضروسًا كما كانت، ولكن هرم بن سنان، والحارث بن عوف نهضا بأمر الصلح، وتداركا القوم، وعملا على حقن الدماء. ولذلك؛ عظم هذان الرجلان في نفس زهير بن أبي سلمى، ومدحهما كثيرًا في شعره، مشيدًا بكرمهما، وما جبلا عليه من كريم الخصال، ونبيل الأخلاق. وقد آمن زهير بأن الرجلين يستحقان منه هذا المدح، بل إنهما يستحقان أكثر من المديح بالشعر.
ولما أكثر زهير من مدح هرم بن سنان، كان هرم يعطيه ويصله، وكان كريمًا جدًّا معه، حتى إنه أقسم أنه لن يمدحه زهير إلا أعطاه، ولم يسلم عليه إلا أعطاه عبدًا، أو جارية، أو مالًا، واستعظم زهير عطاء ممدوحه له، فكان إذا وجد هرمًا مع قوم، وأراد أن يسلم، كان يقول: عموا صباحًا، غير هرم، وخيركم استثنيت: يريد بذلك: أن يعفيه من العطاء،..
١.٢ مناسبة القصيدة
وأن يعفيه من القسم الذي أقسمه؛ ولذلك يقولون عن زهير وهرم: أعطى كل منهما صاحبه خير ما يملك، فقد أعطى زهير صاحبه الشعر، وخلد مآثره في شعره، وأعطى هرم زهيرًا المال الكثير، وقد ذهب ما أعطاه لزهير مع الزمن، يعني: ذهب المال. أما ما أعطاه زهير هرمًا فخلد مع الأيام. أما الحارث بن عوف، فإنه كان رجلًا كريمًا أيضًا، وشارك هرمًا في حمل ديات القتلى، وكان الحارث معتزًا بنفسه عارفًا لمكانته بين قومه.
ويروى أنه قال لصديق له: أتراني أخطب إلى أحد فيردني؟ قال: نعم، قال: ومن ذلك؟ قال: أوس بن حارثة بن لأم الطائي، فقال الحارث لغلامه: ارحل بنا، ففعل، فركبا حتى أتيا أوس بن حارثة في بلاده، فوجداه في منزله، فلما رأى أوس بن حارثة الحارث بن عوف قال: مرحبا بك يا حارث، وقال: ما جاء بك؟ قال: جئتك خاطبًا. فلم يعجب أوس بن حارثة تصرف الحارث بن عوف، وأنه فاجأه بحديث الخطبة، يريد: أنه يخطب ابنته. فغضب من ذلك، ودخل أوس على امرأته مغضبًا، وكانت من قبيلة عبس، فقالت: من رجل وقف عليك فلم تكلمه؟ قال: ذاك سيد العرب الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، قالت: فمالك لا تستنزله؟ قال: إنه استحمق.
قالت: وكيف؟ قال: جاءني خاطبًا، قال: أفتريد أن تزوج بناتك؟ قال: نعم. قالت: فإذا لم تزوج سيد العرب فمن؟ قال: قد كان ذلك. قالت: فتدراك ما كان منك. قال: فماذا؟ قالت: تلحقه فترده. قال: وكيف وقد فرط مني ما فرط إليه؟ قالت: تقول له: إنك لقيتني مغضبًا بأمر لم تقدم مني فيه قولًا، فلم يكن عندي فيه من الجواب إلا ما سمعت.
١.٢ مناسبة القصيدة
فعل أوس ما أشارت به امرأته عليه، وذهب في إثر الحارث بن عوف ليرده، فرجع معه الحارث بن عوف، وعرض أوس بن حارثة الزواج منه على بناته، فأبت الكبرى الزواج منه، قائلة: لا تفعل يا أبي؛ لأني لست جميلة الوجه، ولست ممتازة الخلق، ولست بابنة عمه فيرعى رحمي، وليس بجارك في البلد فيستحي منك، ولا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني، فيكون علي في ذلك ما فيه. وقالت الوسطى مثل ما قالت الكبرى.
فلما عرض أمر الزواج على الصغرى قبلته، وقالت: إنها جميلة، وإنها ستحسن عشرته، فوافق الأب على ما قالت، وزوج ابنته الصغرى للحارث بن عوف. وتذكر مصادر الأدب أن اسمها بهية، زوجها أوس بن حارثة للحارث بن عوف، وأمر أبو العروس أن تتهيأ البنت، وتصلح من شأنها، ثم أمر ببيت فضرب لها ولزوجها، فلما دخلت إليه لبث هنيهة ثم خرج، فقال له خادمه: أفرغت من شأنك؟ قال: لا. قال: فكيف ذلك؟ قال: لما مددت يدي إليها قالت: مه، أي: اكفف، أعند أبي وأخوتي؟ هذا والله ما لا يكون.
وأمر الحارث بن عوف بالرحلة، وارتحل هو زوجه، ومعهما خادمه، وفي الطريق انتحى الحارث ابن عوف جانبًا هو وزوجه، ثم خرج من خيمته، فقال له الخادم: أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله. قال: لم؟ قال: قالت لي: أكما يفعل بالأمة الجليبة، أو السبية الأخيذة، لا والله، أي: لن يباشرها كما يباشر الزوج زوجه، لا والله حتى تنحر الجزر، وتذبح الغنم، وتدعو العرب، وتعمل ما يعمل لمثلي. قال الرجل: والله إني لأرى همة وعقلًا، وأرجو أن تكون المرأة منجبة -إن شاء الله.
١.٢ مناسبة القصيدة
ورحلوا إلى أن وصلوا إلى الديار، وأحضر الحارث بن عوف الإبل، والغنم، وذبح، وأطعم الناس، كما قالت زوجه. ولكنه، لما خرج من عندها سأله غلامه: أفرغت؟ قال: لا والله. قالت لي: لقد ذكرت لي من الشرف ما لا أراه فيك، قلت: وكيف؟ قالت: أتفرغ لنكاح النساء والعرب يقتل بعضها بعضًا؟ تشير إلى ما كان يحدث في أيام حرب عبس وذبيان، اخرج إلى هؤلاء القوم فأصلح بينهم، ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتك ما تريده مني.
فخرج الحارث بن عوف، وبذل جهده في الإصلاح بين قومه، وتحمل ديات القتلى مع هرم بن سنان. وهذه الأخبار -كما ترى- تجعل لهذه المرأة دورًا مهمًّا جدًّا، وتجعل هذه المرأة ذات عقل كبير، ورأي حصيف. وتنسب إليها دورًا في حث زوجها على الإصلاح بين قومه، إذًا مناسبة القصيدة تتعلق بما فعله هرم بن سنان، والحارث بن عوف من الإصلاح بين عبس وذبيان، وتحملهما ديات القتلى.